الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              613 (باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم )

                                                                                                                              وزاد النووي : بعد التشهد.

                                                                                                                              (حديث الباب )

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 123- 125 ج 4 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن نعيم بن عبد الله المجمر، أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري. (وعبد الله بن زيد، هو الذي كان أري النداء بالصلاة ) ، أخبره عن أبي مسعود الأنصاري؛ قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في [ ص: 433 ] مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله! فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا: اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد. كما صليت على آل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد. كما باركت على آل إبراهيم. في العالمين إنك حميد مجيد. والسلام كما قد علمتم ".]

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن أبي مسعود الأنصاري ) ، البدري: اسمه: عقبة بن عمر (قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير ابن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله ) .

                                                                                                                              أي: أمرنا بقوله: (صلوا عليه وسلموا تسليما ) . (فكيف نصلي عليك ) ؟ أي: كيف نلفظ بالصلاة؟ وفي هذا أن من أمر بشيء لا يفهم مراده، يسأل عنه ليعلم ما يأتي به.

                                                                                                                              قال عياض: يحتمل أن يكون سؤالهم عن كيفية الصلاة في غير الصلاة.

                                                                                                                              [ ص: 434 ] ويحتمل أن يكون في الصلاة. قال: وهو الأظهر.

                                                                                                                              قال النووي : وهذا ظاهر اختيار مسلم . ولهذا ذكر هذا الحديث في هذا الموضع.

                                                                                                                              قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى تمنينا أنه لم يسأله. ) أي كرهنا سؤاله؛ مخافة من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كره سؤاله وشق عليه.

                                                                                                                              (ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت على آل إبراهيم؛ وبارك على محمد؛ وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين. إنك حميد مجيد" ) .

                                                                                                                              والعلماء اختلفوا في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب التشهد الأخير؛ فذهب نعمان، ومالك، والجماهير: إلى أنها سنة، لو تركت صحت الصلاة.

                                                                                                                              وذهب محمد وأحمد، إلى أنها واجبة. لو تركت لم تصح الصلاة.

                                                                                                                              وهو مروي عن عمر، وابنه، والشعبي.

                                                                                                                              والدليل عليه حديث الباب، لأن الأمر للوجوب. ويضم إليه الرواية الأخرى: (كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "قولوا" ) الحديث.

                                                                                                                              [ ص: 435 ] وهذه الزيادة صحيحة؛ رواها الإمامان الحافظان: أبو حاتم ابن حبان

                                                                                                                              بكسر الحاء. والحاكم، في صحيحيهما.

                                                                                                                              واحتجا لها بما روياه من حديث فضالة بن عبيد: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي لم يحمد الله ولم يمجده ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عجل هذا". ثم دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه. وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وليدع ما شاء" ) .

                                                                                                                              قال الحاكم: هذا حديث صحيح، على شرط مسلم .

                                                                                                                              قال النووي : وهذان الحديثان، وإن اشتملا على بعض ما لا يجب بالإجماع، كالصلاة على الآل والذرية، والدعاء، فلا يمتنع الاحتجاج بهما، فإن الأمر للوجوب.

                                                                                                                              فإذا خرج بعض ما يتناوله الأمر عن الوجوب بدليل، بقي الباقي على الوجوب.

                                                                                                                              قال: والواجب عندنا: اللهم! صل على محمد. وما زاد عليه سنة.

                                                                                                                              [ ص: 436 ] قال: ولنا وجه شاذ: أنه يجب الصلاة على الآل، وليس بشيء. انتهى. قلت: هنا مباحث. الأول: أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة واجبة. ولكن أدلة وجوب ذلك في الصلاة، دون أدلة وجوب التشهد. ووجهه: أن التشهد قد صرحت الأحاديث بمحله، وأين يقال.

                                                                                                                              وأما الأحاديث الواردة بتعليم كيفية الصلاة، فليس في أكثرها ذكر إيقاع ذلك في الصلاة.

                                                                                                                              وأما ما تقدم في حديث ابن مسعود، فليس فيه أن ذلك في الصلاة. بل هو مطلق في جنس الصلاة. ومع هذا فلم تذكر في حديث المسيء، الذي هو مرجع الواجبات. وقد أطال الشوكاني "رحمه الله" البحث في هذا، في شرحه للمنتقى. الثاني: قوله: إن الواجب: (اللهم صل على محمد ) وما زاد عليه سنة.

                                                                                                                              "فيه" أن صيغة الصلاة التامة، الواردة في حديث الباب، قد شملها قوله صلى الله عليه وسلم:

                                                                                                                              "قولوا اللهم إلخ" فيكون الإتيان بجميعها واجبا. وهو الظاهر الصحيح المختار.

                                                                                                                              وإن كان لفظ: اللهم! صل على محمد، يكفي في امتثال مجرد الأمر.

                                                                                                                              [ ص: 437 ] الثالث: أن وجوبها على الآل ثابت بنفس هذا الحديث، فلا يتم الامتثال في الإتيان بالصلاة، إلا إذا أتى بها مع ذكر الآل، وهو الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة من السنة المطهرة.

                                                                                                                              وقد حققنا ذلك في غالب مؤلفاتنا. وهذه مسألة غفل عنها أكثر الناس، من السلف والخلف. إلا من شاء الله تعالى.

                                                                                                                              ثم قول النووي : إن أظهر الأقوال في آل النبي صلى الله عليه وسلم أنهم جميع الأمة؛ وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين. كلام لا ضياء عليه، ولا وجه له.

                                                                                                                              بل هو مخالف للحجج الشرعية؛ والأدلة الملية، التي اشتملت عليها دواوين الإسلام، وصرحت بأن آل النبي صلى الله عليه وسلم ، هم أهل بيته الكرام، وذريته الطيبة الطاهرة العظام. وقيل: هم بنو هاشم وبنو المطلب. وهذا القول ضعيف.


                                                                                                                              وهذا الحق ليس به خفاء فدعني عن بنيات الطريق.

                                                                                                                              "والسلام كما قد علمتم" بفتح العين، وكسر اللام المخففة.

                                                                                                                              ومنهم من رواه: بضم العين، وتشديد اللام. أي: علمتكموه.

                                                                                                                              وكلاهما صحيح.

                                                                                                                              ومعناه: كما علمتم في التشهد. وهو قولهم: السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته..

                                                                                                                              قال الجويني: "والسلام" في معنى الصلاة. فإن الله تعالى قرن بينهما. فلا يفرد به غائب غير الأنبياء.

                                                                                                                              [ ص: 438 ] فلا يقال: أبو بكر، وعمر، وعلي، عليهم السلام. وإنما يقال ذلك خطابا للأحياء والأموات.

                                                                                                                              فيقال: السلام عليكم ورحمة الله.

                                                                                                                              أقول: كان السلف يخصون الآل بالسلام، ويذكرونهم بهذا الكلام في كتبهم، وقعد الخلف عنه. والذي ينبغي ذكر ذلك. والله أعلم.

                                                                                                                              وتكلم النووي في هذا المقام، على معنى صيغة الصلاة، والبركة، والتشبيه، في قوله: كما صليت، وكما باركت. وعلى الصلاة على غير الأنبياء.

                                                                                                                              وهذه مسائل معروفة، لا حاجة بنا إلى ذكرها. فإنها لا تأتي بكثير فائدة.




                                                                                                                              الخدمات العلمية