الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة المسافر

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 27 ] باب صلاة المسافر السفر الذي يتغير به الأحكام أن يقصد الإنسان مسيرة ثلاثة أيام ولياليها [ ص: 28 ] سير الإبل ومشي الأقدام لقوله عليه الصلاة والسلام { يمسح المقيم كمال يوم وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها } عم بالرخصة الجنس . ومن ضرورته عموم التقدير وقدر أبو يوسف رحمه الله بيومين وأكثر اليوم الثالث [ ص: 29 ] والشافعي بيوم وليلة في قول ، وكفى بالسنة حجة عليهما [ ص: 30 ] ( والسير المذكور هو الوسط ) وعن أبي حنيفة رحمه الله التقدير بالمراحل وهو قريب من الأول ولا معتبر بالفراسخ هو الصحيح ( ولا يعتبر السير في الماء ) معناه لا يعتبر به السير في البر ، فأما المعتبر في البحر [ ص: 31 ] فما يليق بحاله كما في الجبل . .

التالي السابق


( باب صلاة المسافر )

السفر عارض مكتسب كالتلاوة إلا أن التلاوة عارض هو عبادة في نفسه إلا بعارض ، بخلاف السفر فلذا أخر هذا الباب عن ذاك والسفر لغة قطع المسافة وليس كل قطع يتغير به الأحكام من جواز الإفطار وقصر الرباعية ومسح ثلاثة [ ص: 28 ] أيام ولياليها على الخف فبين ذلك السفر الذي يتعلق به تغير هذه الأحكام وأخذ فيه مع المقدار الذي ذكره القصد فأفاد أنه لو طاف الدنيا من غير قصد إلى قطع مسيرة ثلاثة أيام لا يترخص وعلى هذا قالوا : أمير خرج مع جيشه في طلب العدو ولم يعلم أين يدركهم فإنهم يصلون صلاة الإقامة في الذهاب ، وإن طالت المدة ، وكذا المكث في ذلك الموضع أما في الرجوع فإن كان مدة سفر قصروا ولو أسلم حربي فعلم به أهل داره فهرب منهم يريد ثلاثة أيام لم يصر مسافرا ؟ ، وإن لم يعلموا به أو علموا ولم يخشهم على نفسه فهو على إقامته وعلى اعتبار القصد تفرع في صبي ونصراني خرجا قاصدين مسيرة ثلاثة أيام ففي أثنائها بلغ الصبي وأسلم الكافر يقصر الذي أسلم فيما بقي ويتم الذي بلغ ; لعدم صحة القصد والنية من الصبي حين أنشأ السفر بخلاف النصراني ، والباقي بعد صحة النية أقل من ثلاثة أيام .

( قوله : عم ) أي الرسول صلى الله عليه وسلم بالرخصة وهي مسح ثلاثة أيام الجنس : أي جنس المسافرين ; لأن اللام في المسافر للاستغراق ; لعدم المعهود المعين . ومن ضرورة عموم الرخصة للجنس حتى أنه يتمكن كل مسافر من مسح ثلاثة أيام عموم التقدير بثلاثة أيام لكل مسافر . فالحاصل أن كل مسافر يمسح ثلاثة أيام ، فلو كان السفر الشرعي أقل من ذلك لثبت مسافر لا يمكنه مسح ثلاثة أيام وقد كان كل مسافر يمكنه ذلك ; ولأن الرخصة كانت [ ص: 29 ] منتفية بيقين فلا تثبت إلا بتيقن ما هو سفر في الشرع ، وهو فيما عيناه إذ لم يقل أحد بأكثر منه ، لكن قد يقال المراد يمسح المسافر ثلاثة أيام إذا كان سفره يستوعبها فصاعدا .

لا يقال : إنه احتمال يخالفه الظاهر فلا يصار إليه ; لأنا نقول : قد صاروا إليه على ما ذكروا من أن المسافر إذا بكر في اليوم الأول ومشى إلى وقت الزوال حتى بلغ المرحلة فنزل بها للاستراحة وبات فيها ثم بكر في اليوم الثاني ومشى إلى ما بعد الزوال ونزل ثم بكر في الثالث ومشى إلى الزوال فبلغ المقصد ، قال السرخسي : الصحيح أنه يصير مسافرا عند النية ، وعلى هذا خرج الحديث إلى غير الاحتمال المذكور ، وإن قالوا بقية كل يوم ملحقة بالمنقضي منه للعلم بأنه لا بد من تخلل الاستراحات ; لتعذر مواصلة السير لا يخرج بذلك من أن مسافرا مسح أقل من ثلاثة أيام ، فإن عصر اليوم الثالث في هذه الصورة لا يمسح فيه فليس تمام اليوم الثالث ملحقا بأوله شرعا حيث لم تثبت فيه رخصة السفر ولا هو سفر حقيقة ، فظهر أنه إنما يمسح ثلاثة أيام شرعا إذا كان سفره ثلاثة ، وهو عين الاحتمال المذكور من أن بعض المسافرين لا يمسحها وآل إلى قول أبي يوسف ، ولا مخلص إلا بمنع صحة هذا القول واختيار مقابله ، وإن صححه شمس الأئمة .

وعلى هذا [ ص: 30 ] نقول : لا يقصر هذا المسافر ، وأنا لا أقول باختيار مقابله بل إنه لا مخلص من الذي أوردناه إلا به ، وأورد أن لزوم ثلاثة أيام في السفر هو على تقديرها ظرفا ليمسح ، ولم لا يجوز كونها ظرفا لمسافر ، والمعنى المسافر ثلاثة أيام يمسح ، وإنه لا ينفي تحقق مسافر في أقل من ثلاثة فيقصر مسافر أقل من ثلاثة ; لأن مناط رخصة القصر السفر ، ولم يتحقق بعد نقل فيه ، ولا إجراء حكم الرخصة ، ويدل على القصر لمسافر أقل من ثلاثة حديث ابن عباس { عنه صلى الله عليه وسلم قال : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان } فإنه يفيد القصر في الأربعة برد ، وهي تقطع في أقل من ثلاثة أيام . وأجيب بضعف الحديث لضعف راويه عبد الوهاب بن مجاهد فبقي قصر الأقل بلا دليل .

ولو سلم فهو استدلال بالمفهوم أيضا ; لأن القصر في أربعة برد أو أكثر إذا كان قطعها في أقل من ثلاثة إنما ثبت بمفهوم لا تقصروا في أقل من أربعة برد . فإن قيل : لازم جعله ظرفا لمسافر كما هو جواز مسح الأقل كذلك هو يقتضي جواز مسح المسافر دائما ما دام مسافرا . فإن تم ما ذكر جوابا عن ذلك اللازم بقي هذا محتاجا إلى الجواب . فالجواب أن بقية الحديث لما كان أن المقيم يمسح يوما وليلة بطل كونها ظرفا للمسافر ، وإلا لزم اتحاد حكم السفر والإقامة في بعض الصور ، وهي صورة مسافر يوم وليلة ; لأنه إنما يمسح يوما وليلة ، وهو معلوم البطلان للعلم بفرق الشرع بين المسافر والمقيم ، ويؤيد كونه ظرفا ; ليمسح أن السوق ليس إلا لبيان كمية مسح المسافر لا لإطلاقه ، وعلى تقدير كون الظرف لمسافر يكون يمسح مطلقا وليس بمقصود .

( قوله : والسير المذكور إلخ ) إشارة إلى سير الإبل ومشي الأقدام ، فيدخل سير البقر يجر العجلة ونحوه . ( قوله : هو الصحيح ) احتراز عما قيل يقدر بها فقيل بأحد وعشرين فرسخا ، وقيل بثمانية عشر ، وقيل بخمسة عشر ، وكل من قدر بقدر ما اعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام ، وإنما كان الصحيح أن لا تقدر بها ; لأنه لو كان الطريق وعرا بحيث يقطع في ثلاثة أيام أقل من خمسة عشر فرسخا قصر بالنص .

وعلى التقدير بأحد هذه التقديرات لا يقصر فيعارض النص فلا يعتبر سوى سير الثلاثة ، وعلى اعتبار سير الثلاثة بمشي الأقدام لو سارها مستعجل كالبريد في يوم قصر فيه وأفطر لتحقق سبب الرخصة وهو قطع مسافة ثلاثة بسير الإبل ومشي الأقدام ، كذا ذكر في غير موضع ، وهو أيضا مما يقوي الإشكال الذي قلناه ، ولا مخلص إلا أن يمنع قصر مسافر يوم واحد ، وإن قطع فيه مسيرة أيام ، وإلا لزم القصر لو قطعها في ساعة صغيرة كقدر درجة كما لو كان صاحب كرامة الطي ; لأنه يصدق عليه أنه قطع مسافة ثلاثة بسير الإبل وهو بعيد الانتفاء مظنة المشقة وهي العلة : أعني التقدير بسير ثلاثة أيام أو أكثرها ; لأنها [ ص: 31 ] المجعولة مظنة للحكم بالنص المقتضي أن كل مسافر يتمكن من مسح ثلاثة أيام ، غير أن الأكثر يقام مقام الكل عند أبي يوسف ، وعليه ذلك الفرع وهو ما إذا وصل عند الزوال من اليوم الثالث إلى المقصد ، فلو صح تفريعهم جواز الترخص مع سير يوم واحد إذا قطع فيه قدر ثلاثة بسير الإبل بطل الدليل ، ولا دليل غيره في تقديرهم أدنى مدة السفر فيبطل أصل الحكم : أعني تقديرهم أدنى السفر الذي يترخص فيه بثلاثة ، والله تعالى أعلم .

( قوله : فيما يليق بحاله ) وهو أن تكون مسافة ثلاثة فيه إذا كانت الرياح معتدلة ، وإن كانت تلك المسافة بحيث تقطع في البر بيوم كما في الجبل يعتبر كونه من طريق الجبل بالسير الوسط ثلاثة أيام ، ولو كانت تقطع من طريق السهل بيوم فالحاصل أن تعتبر المدة في أي طريق أخذ فيه



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث