الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ المسألة ] الرابعة

                                                      في أن المقتضى هل هو عام أم لا ؟ ولا بد من تحرير تصويره قبل نصب الخلاف ، فنقول : المقتضي بكسر الضاد هو اللفظ الطالب للإضمار ، بمعنى أن اللفظ لا يستقيم إلا بإضمار شيء ، وهناك مضمرات متعددة ، فهل له عموم في جميعها أو لا يعم ، بل يكتفى بواحد منها ؟ وأما المقتضى بالفتح فهو ذلك المضمر نفسه ، هل نقدره عاما ، أم نكتفي بخاص منه ؟ إذا عرفت هذا فظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق في " اللمع وشرحها وابن السمعاني في " القواطع " أن الكلام إنما هو في القسم الثاني حيث قالا : الخطاب الذي يفتقر إلى الإضمار لا يجوز دعوى العموم في إضماره ، كقوله تعالى : { الحج أشهر معلومات } فإنه يفتقر إلى إضمار ، فبعضهم يضمر " وقت إحرام الحج أشهر معلومات " ، وبعضهم يضمر " وقت إفعال الحج " ، والحمل على العموم [ ص: 211 ] لا يجوز ، بل يحمل على ما يدل الدليل على أنه مراد به لأن العموم من صفات النطق ، فلا يجوز دعواه في المعاني .

                                                      قالا : وكذلك لا يجوز دعوى العموم في { لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد } ، و { لا نكاح إلا بولي } في نفي الفضيلة ، ومن الفقهاء من يحمله على العموم في كل ما يحتمله ; لأنه أعم فائدة ، ومنهم من يحمله على الحكم المختلف فيه ، لأن ما سواه معلوم بالإجماع ; قال الشيخ أبو إسحاق : وهذا كله خطأ ; لأن الحمل على الجميع لا يجوز ، وليس هناك لفظ يقتضي العموم ولا يحمل على موضع الخلاف ، لأنه ترجيح بلا مرجح . انتهى .

                                                      وحاصله أن موضع النزاع إنما هو في المضمر ، لا في المضمر له ، فإن المضمر له منطوق ، وبذلك صرح شمس الأئمة السرخسي ، وأبو زيد الدبوسي في " التقويم " وصاحب " اللباب " من الحنفية ، فقالوا : المقتضى ما اقتضاه النص ، وأوجبه شرطا لتصحيح الكلام ، والنص مقتض له ، كقوله عليه الصلاة والسلام : { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } ، ولم يزد [ ص: 212 ] غير ذلك ، لأنه غير مرفوع ، بل رافع ، فعلم أن المراد بمقتضى الكلام : الحكم أو الإثم ، أو هما جميعا ، فالشافعي أثبت للمقتضي عموما ، وعندنا لا عموم له ، لأن دلالته ضرورية للحاجة ، فيقدر بقدر ما يصح المذكور به عندنا ، وقال الشافعي : المقتضى كالمنصوص في احتمال العموم والخصوص . ومنشأ الخلاف أن المقتضى عند الشافعي ثابت بالنص ، فحكمه حكم النص ، وعند الحنفية أنه غير مذكور ، فكان معدوما حقيقة ، وإنما يجعل موجودا بقدر الحاجة ، وما ثبت بالضرورة يقدر بقدرها ، وقد أريد به رفع الإثم بالإجماع فلا يزاد عليه .

                                                      ثم فرع السرخسي على الخلاف المسألة السابقة ، وهي ما لو قال : إن أكلت فعبدي حر ونوى طعاما ، قال : فعند الشافعي يعمل بنيته لأن الأكل يقتضي مأكولا ، وذلك كالمنصوص عليه ، فكأنه قال : إن أكلت طعاما ، فلما كان للمقتضى عموم عنده عمل بنية التخصيص ، وعندنا لا يعمل لأنه لا عموم للمقتضى ، ونية التخصيص فيما لا عموم له لاغية . انتهى . وجعل غيره الحديث من باب الحذف لا من باب الاقتضاء ، فكان تقدير الحكم والإثم من باب الاشتراك ، والمشترك لا عموم له ، وكذا قوله : { إنما الأعمال بالنيات } ، والفرق بينهما أن في الحذف ينتقل الحكم من المنطوق إلى المحذوف ، وفي المقتضى لا ينتقل من المقتضى شيء ، بل يقدر قبله ما يصححه ، قالوا : ونظيره الميتة أبيحت للضرورة ، فيقتصر على سد الرمق ، ولا يتناول ما وراءه من الشبع ، بخلاف المنصوص ، فإنه عامل بنفسه ، فيكون بمنزلة المذكى يعم سائر جهات الانتفاع . [ ص: 213 ] واعلم أنه يخرج من كلام الشافعي في هذه المسألة قولان : فإنه قال في " الأم " في قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا ، أو به أذى من رأسه } الآية تقدير الآية : فمن كان منكم مريضا فتطيب ، أو لبس ، أو أخذ ظفره ، لأجل مرضه ، أو به أذى من رأسه فحلقه ففدية ، فقدر جميع المضمرات ؟ وقال في " الإملاء " ليس هذا مضمرا في الآية ، وإنما تضمنه حلق الرأس فقط ، والباقي مقيس عليه ، فقدره خاصا .

                                                      وقد حكى البصير الماوردي في " الحاوي " و " الحاصل " أن في المسألة مذاهب :

                                                      أحدها : وحكاه الأصفهاني في " شرح المحصول " عن " شرح اللمع " للشيخ أبي إسحاق أنه عام ، وبه قال جماعة من الحنفية . ونقله القاضي عبد الوهاب عن أكثر الشافعية والمالكية ، وصححه والنووي في " الروضة " في كتاب الطلاق ، فقال : المختار أنه لا يقع الناسي ; لأن دلالة الاقتضاء عامة ، يعني من قوله : { رفع عن أمتي } فإنه يحتمل أن يكون التقدير : حكم الخطأ أو إثمه أو كل منهما جميعا ، وقاعدة الشافعي تقتضي التعميم ، ولهذا كان كلام الناسي عنده لا يبطل الصلاة ، وأبو حنيفة أبطلها به ; لأنه يرى عدم عمومه .

                                                      والثاني : أنه لا عموم له في كل ما يصح التقدير به واختاره الشيخ أبو إسحاق [ ص: 214 ] والغزالي ، وابن السمعاني ، والإمام فخر الدين ، والآمدي ، وابن الحاجب وغيرهم ، وقال الشيخ في " شرح الإلمام " : إنه المختار عند الأصوليين ، لأن الضرورة هي المقتضية للإضمار ، وهي المندفعة بإضمار واحد وتكثير الإضمار تكثير لمخالفة الدليل ، ثم قال الإمام فخر الدين للمخالف أن يقول : ليس إضمار أحد الحكمين أولى من الآخر ، فإما أن لا يضمر حكم أصلا ، وهو غير جائز ، لأنه تعطيل دلالة اللفظ ، أو يضمر الكل وهو المطلوب .

                                                      وذكر الآمدي هذا ، وأجاب عنه بأن قولهم : ليس إضمار البعض أولى من البعض ، إنما يلزم أن لو قلنا بإضمار حكم معين ، وليس كذلك بل إضمار حكم ما والتعيين إلى الشارع ، ثم أورد عليه أنه يلزم منه الإجمال ، فأجاب بأن إضمار الكل يلزم منه تكثير مخالفة الدليل ، وكل منهما يعني من الإجمال وإضمار الكل خلاف الأصل .

                                                      وإذا قلنا : بأنه ليس بعام ، فهل هو مجمل أم لا ؟ قولان ، وإذ قلنا : ليس بمجمل ، فقيل : يصرف إطلاقه في كل عين إلى المقصود اللائق به ، حكاه ابن برهان ، وقيل : يضمر الموضع المختلف فيه ، لأن المجمع عليه مستغن عن الدليل ، حكاه الشيخ أبو إسحاق .

                                                      وقال الأصفهاني في " شرح المحصول " : إن قلنا : المقتضى له عموم أضمر الكل ، وإن قلنا : لا عموم له ، فهل يضمر ما يفهم من اللفظ بعرف الاستعمال قبل الشرع ، أو يضمر حكما من غير تعين وتعيينه إلى المجتهد ؟ [ ص: 215 ]

                                                      والأول اختيار الغزالي .

                                                      والثاني اختيار الآمدي .

                                                      والثالث التوقف . وهو ظاهر كلام الآمدي آخرا لتعارض المحذورين : كثرة الإضمار والإجمال إذا قيل بإضمار حكم ، وأما ابن الحاجب ، فإنه قال : التزام الإجمال أقرب من مخالفة الأصل بتكثير الإضمار ، وهذا بعينه هو اختيار الكرخي في مثل قوله : { حرمت عليكم الميتة } أن تكون مجملة ، وقد صرح ابن الحاجب هناك بمخالفته . واختار الآمدي في باب المجمل بأن التزام محذور الإضمار الكثير أولى من التزام محذور الإجمال في اللفظ لثلاثة أوجه :

                                                      أحدها : أن الإضمار في اللغة أكثر استعمالا من اللفظ المجمل ، ولولا أن المحظور في الإضمار أقل ما كان استعماله أكثر .

                                                      الثاني : أنه انعقد الإجماع على وجود الإضمار في اللغة والقرآن ، واختلفوا في جواز الإجمال فيهما .

                                                      الثالث : أنه عليه السلام قال : { لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها } وذلك يدل على إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم في التحريم ، وإلا لما ألزمهم الذم ببيعها . هذا كله إذا كانت المقدرات على حد واحد في الدلالة ، أما إذا كان بعضها أعم من غيره فاختار القرافي أنه يتعين إضمار الأعم لما فيه من زيادة الفائدة وتكثيرها مع اندفاع المحذور الذي هو تكثير الإضمار . [ ص: 216 ] وقرره الشيخ تقي الدين في " شرح الإلمام " فقال : وهنا وجه يمكن أن يحصل به مقصود من أراد التعميم ، وهو أن يضمر شيئا واحدا ، مدلول ذلك مقتض للعموم ، فيحصل المقصود من العموم مع عدم تعدد المضمر ، مثل أن يضمر في قوله : رفع عن أمتي الحكم ، فيعم الأحكام مع غير تعدد في المضمر . انتهى .

                                                      وقدر فخر الدين في تفسيره في قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } التصرف في الميتة ليعم تحريم الأكل ، والبيع والملابسة وغير ذلك .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية