الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الموجب فيما تخرجه الأرض

جزء التالي صفحة
السابق

ذكر الخلاف في الموجب فيه

قال أبو حنيفة وزفر : { في جميع ما تخرجه الأرض العشر إلا الحطب والقصب والحشيش } . وقال أبو يوسف ومحمد : { لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا ما كان له ثمرة باقية } .

وقال مالك : { الحبوب التي تجب فيها الزكاة الحنطة والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والحمص والعدس والجلبان واللوبياء وما أشبه ذلك من الحبوب وفي الزيتون } . وقال ابن أبي ليلى والثوري : { ليس في شيء من الزرع زكاة إلا التمر والزبيب والحنطة والشعير } ، وهو قول الحسن بن صالح ، وقال الشافعي : { إنما تجب فيما ييبس ويقتات ويدخر مأكولا ، ولا شيء في الزيتون لأنه إدام } .

وقد روي عن علي بن أبي طالب وعمر ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار : أنه ليس في الخضر صدقة . وروي عن ابن عباس أنه كان يأخذ من دساتج الكراث العشر بالبصرة قال أبو بكر : قد تقدم ذكر اختلاف السلف في معنى قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده وفي بقاء حكمه أو نسخه ، والكلام بين السلف في ذلك من ثلاثة أوجه :

أحدها : هل المراد زكاة الزرع والثمار وهو العشر ونصف العشر أو حق آخر غيره ؟ وهل هو منسوخ أو غير منسوخ ؟ فالدليل على أنه غير منسوخ اتفاق الأمة [ ص: 177 ] على وجوب الحق في كثير من الحبوب والثمار وهو العشر ونصف العشر ، ومتى وجدنا حكما قد استعملته الأمة ولفظ الكتاب ينتظمه ويصح أن يكون عبارة عنه ، فواجب أن يحكم أن الاتفاق إنما صدر عن الكتاب وأن ما اتفقوا عليه هو الحكم المراد بالآية ، وغير جائز إثباته حقا غيره ثم إثبات نسخه بقوله صلى الله عليه وسلم : فيما سقت السماء العشر ؛ إذ جائز أن يكون ذلك الحق هو العشر الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم فيكون قوله : فيما سقت السماء العشر بيانا للمراد بقوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده كما أن قوله : في مائتي درهم خمسة دراهم بيان لقوله تعالى : وآتوا الزكاة وقوله : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض وغير جائز أن يكون قوله : وآتوا حقه يوم حصاده منسوخا بالعشر ونصف العشر ؛ لأن النسخ إنما يقع بما لا يصح اجتماعهما ، فأما ما يصح اجتماعهما معا فغير جائز وقوع النسخ به ، ألا ترى أنه يصح أن يقول : وآتوا حقه يوم حصاده وهو العشر ؟ فلما كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون منسوخا به وأما من جعل هذا الحق ثابت الحكم غير منسوخ وزعم أنه حق آخر غير العشر يجب عند الحصاد وعند الدياس وعند الكيل ، فإنه لا يخلو قوله هذا من أحد معنيين :

إما أن يكون مراده عنده الوجوب ، أو الندب ؛ فإن كان ندبا عنده لم يسغ له ذلك إلا بإقامة الدلالة عليه ، إذ غير جائز صرف الأمر عن الإيجاب إلى الندب إلا بدلالة ، وإن رآه واجبا ، فلو كان كما زعم لوجب أن يرد النقل به متواترا لعموم الحاجة إليه ، ولكان لا أقل من أن يكون نقله في نقل وجوب العشر ونصف العشر ، فلما لم يعرف ذلك عامة السلف والفقهاء علمنا أنه غير مراد ، فثبت أن هذا الحق هو العشر ونصف العشر الذي بينه صلى الله عليه وسلم .

فإن قيل : الزكاة لا تخرج يوم الحصاد وإنما تخرج بعد التنقية ، فدل على أنه لم يرد به الزكاة قيل له : الحصاد اسم للقطع ، فمتى قطعه فعليه إخراج عشر ما صار في يده ، ومع ذلك فالخضر كلها إنما يخرج الحق منها يوم الحصاد غير منتظر به شيء غيره وقيل : أن قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده لم يجعل { اليوم } ظرفا للإيتاء المأمور به وإنما هو ظرف لحقه ، كأنه قال : وآتوا الحق الذي وجب يوم حصاده بعد التنقية قال أبو بكر : ولما ثبت بما ذكرنا أن المراد بقوله : وآتوا حقه يوم حصاده هو العشر ، دل على وجوب العشر في جميع ما تخرجه الأرض إلا ما خصه الدليل ؛ لأن الله تعالى قد ذكر الزرع بلفظ عموم ينتظم لسائر أصنافه ، وذكر [ ص: 178 ] النخل والزيتون والرمان ثم عقبه بقوله : وآتوا حقه يوم حصاده وهو عائد إلى جميع المذكور ، فمن ادعى خصوص شيء منه لم يسلم له ذلك إلا بدليل ، فوجب بذلك إيجاب الحق في الخضر وغيرها وفي الزيتون والرمان .

فإن قيل : إنما أوجب الله تعالى هذا الحق فيما ذكر يوم حصاده ، وذلك لا يكون إلا بعد استحكامه ومصيره إلى حال تبقى ثمرته ، فأما ما أخذ منه قبل بلوغ وقت الحصاد من الفواكه الرطبة فلم يتناوله اللفظ ، ومع ذلك فإن الزيتون والرمان لا يحصدان فلم يدخلا في عموم اللفظ قيل له : الحصاد اسم للقطع والاستيصال ، قال الله تعالى : حتى جعلناهم حصيدا خامدين وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : ترون أوباش قريش احصدوهم حصدا ، فيوم حصاده هو يوم قطعه ، فذلك قد يكون في الخضر وفي كل ما يقطع من الثمار عن شجرة سواء كان بالغا أو أخضر رطبا وأيضا قد أوجب الآية العشر في ثمر النخل عند جميع الفقهاء بقوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده فدل على أن المراد يوم قطعه لشمول اسم الحصاد لقطع ثمر النخل ، وفائدة ذكر الحصاد هاهنا أن الحق غير واجب إخراجه بنفس خروجه وبلوغه حتى يحصل في يد صاحبه فحينئذ يلزمه إخراجه ، وقد كان يجوز أن يتوهم أن الحق قد لزمه بخروجه قبل قطعه وأخذه ، فأفاد بذلك أن عليه زكاة ما حصل في يده دون ما تلف منه ولم يحصل منه في يده ويدل على وجوب العشر في جميع الخارج قوله تعالى : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض وذلك عموم في جميع الخارج .

فإن قيل : النفقة لا تعقل منها الصدقة قيل له : هذا غلط من وجوه :

أحدها أن النفقة لا يعقل منها غير الصدقة ، وبهذا ورد الكتاب ، قال الله تعالى : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون وقال تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم وقال تعالى : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية الآية ، وغير ذلك من الآي الموجبة لما ذكرنا .

وأيضا فإن قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم أمر ، وهو يقتضي الوجوب ، وليس هاهنا نفقة واجبة غير الزكاة والعشر ؛ إذ النفقة على عياله واجبة وأيضا فإن النفقة على نفسه وأولاده معقولة غير مفتقرة إلى الأمر ، فلا معنى لحمل الآية عليه .

فإن قيل : المراد صدقة التطوع . قيل له : هذا غلط من وجهين :

أحدهما : أن الأمر على الوجوب فلا يصرف إلى الندب إلا بدليل ، والثاني : قوله تعالى : ولستم بآخذيه إلا أن [ ص: 179 ] تغمضوا فيه قد دل على الوجوب ؛ لأن الإغماض إنما يكون في اقتضاء الدين الواجب ، فأما ما ليس بواجب فكل ما أخذه منه فهو فضل وربح فلا إغماض فيه ؛ ومن جهة السنة حديث معاذ وابن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما سقت السماء ففيه العشر وما سقي بالساقية فنصف العشر ، وهذا خبر قد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه ، فهو في حيز التواتر وعمومه يوجب الحق في جميع أصناف الخارج . فإن احتجوا بحديث يعقوب بن شيبة قال : حدثنا أبو كامل الجحدري قال : حدثنا الحارث بن شهاب عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس في الخضراوات صدقة قيل له : قد قال يعقوب بن شيبة إن هذا حديث منكر ، وكان يحيى بن معين يقول : حديث الحارث بن شهاب ضعيف ، قال يحيى : وقد روى عبد السلام بن حرب هذا الحديث عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة مرسلا ، وعبد السلام ثقة ؛ وإنما أصل حديث موسى بن طلحة ما رواه يعقوب بن شيبة قال : حدثنا جعفر بن عون قال : حدثنا عمرو بن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة أن بعض الأمراء بعث إليه في صدقة أرضه فقال : ليس عليها صدقة وإنما هي أرض خضر ورطاب ، إن معاذا إنما أمر أن يأخذ من النخل والحنطة والشعير والعنب . فهذا أصل حديث موسى بن طلحة ، وهو تأويل لحديث معاذ أنه أمر بالأخذ من الأصناف التي ذكر ، وليس في ذلك لو ثبت دلالة على نفي الحق عما سواها ؛ لأنه يجوز أن يكون معاذ إنما استعمل على هذه الأصناف دون غيرها وأيضا فلو استقام سند موسى بن طلحة وصحت طريقته لم يجز الاعتراض به على خبر معاذ في العشر ونصف العشر ؛ لأنه خبر تلقاه الناس بالقبول واستعملوه وهم مختلفون في استعمال حديث موسى بن طلحة ، ومتى ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبران فاتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر كان المتفق على استعماله قاضيا على المختلف فيه منهما خاصا كان ذلك أو عاما ، فوجب أن يكون قوله : فيما سقت السماء العشر قاضيا على خبر موسى بن طلحة : ليس في الخضراوات صدقة وأيضا يمكن استعمال هذا الخبر فيما يمر به على العشر على ما يقول أبو حنيفة ؛ لأنه لا يأخذ منه العشر ، ويكون خبر معاذ : فيما سقت السماء العشر مستعملا في الجميع ومن جهة النظر أن الأرض يقصد طلب نمائها بزراعتها الخضراوات كما يطلب نماؤها بزراعتها الحب ، فوجب أن يكون فيها العشر كالحبوب ، ولا يلزم عليه الحطب [ ص: 180 ] والقصب والحشيش ؛ لأن ذلك ينبت في العادة إذا صادفه الماء من غير زراعة وليس يكاد يقصد بها الأرض ، فلذلك لم يجب فيها شيء ، ولا خلاف في نفي وجوب الحق عن هذه الأشياء .

وقد اختلف فيما يأكله رب النخل من التمر ، فقال أبو حنيفة وزفر ومالك والثوري : { يحسب عليه ما أكله صاحب الأرض } .

وقال أبو يوسف : { إذا أكل صاحب الأرض وأطعم جاره وصديقه أخذ منه عشر ما بقي من ثلاثمائة الصاع التي تجب فيها الزكاة ولا يؤخذ منه مما أكل أو أطعم ، ولو أكل الثلاثمائة صاع وأطعمها لم يكن عليه عشر ، فإن بقي منها قليل أو كثير فعليه عشر ما بقي أو نصف العشر } .

وقال الليث في زكاة الحبوب : { يبدأ بها قبل النفقة ، وما أكل من فريك هو وأهله فإنه لا يحتسب عليه ، بمنزلة الرطب الذي يترك لأهل الحائط ما يأكله هو وأهله لا يخرص عليه } . وقال الشافعي : { يترك الخارص لرب الحائط ما يأكله هو وأهله لا يخرصه عليه ، ومن أكل من نخله وهو رطب لم يحتسب عليه } . قال أبو بكر : قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده يقتضي وجوب الحق في جميع المأخوذ ، ولم يخصص الله تعالى ما أكله هو وأهله ، فهو على الجميع .

فإن قيل : إنما أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد ، فلا يجب الحق فيما أخذ منه قبل الحصاد قيل له : الحصاد اسم للقطع ، فكلما قطع منه شيئا لزمه إخراج عشره ؛ وأيضا فليس في قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده دليل على نفي الوجوب عما أخذ قبل الحصاد ؛ لأنه جائز أن يريد : وآتوا حق الجميع يوم حصاده المأكول منه والباقي واحتج من لم يحتسب بالمأكول بما روى شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن قال : سمعت عبد الرحمن بن مسعود يقول : جاء سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا ، فحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فالربع ، وهذا يحتمل أن يكون معناه ما روى سهل بن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا حثمة خارصا ، فجاءه رجل فقال : يا رسول الله إن أبا حثمة قد زاد علي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن ابن عمك يزعم أنك قد زدت عليه فقال : يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعم المساكين وما يصيب الريح ، فقال : قد زادك ابن عمك وأنصفك ، والعرايا هي الصدقة ؛ فإنما أمر بذلك الثلث صدقة ويدل عليه حديث جرير بن حازم عن قيس بن مسعود عن مكحول الشامي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية فجمع بين العرية والوصية ، فدل على أنه أراد الصدقة .

وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ ص: 181 ] ليس في العرايا صدقة ، فلم يوجب فيها صدقة لأن العرية نفسها صدقة ، وإنما فائدة الخبر أن ما تصدق به صاحب العشر يحتسب له ولا تجب فيها صدقة ولا يضمنها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث