الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهية الذم

بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهة الذم .

اعلم أن أكبر الناس إنما هلكوا بخوف مذمة الناس وحب مدحهم فصارت حركاتهم كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس ؛ رجاء للمدح وخوفا من الذم وذلك من المهلكات ، فيجب معالجته ، وطريقه ملاحظة الأسباب التي لأجلها يحب المدح ويكره الذم .

أما : السبب الأول : فهو استشعار الكمال بسبب قول المادح فطريقك فيه أن ترجع إلى عقلك ، وتقول لنفسك : هذه الصفة التي يمدحك بها أنت متصف بها أم لا ? فإن كنت متصفا بها فهي إما صفة تستحق بها المدح كالعلم والورع وإما صفة لا تستحق المدح كالثروة والجاه والأعراض الدنيوية ، فإن كانت من الأعراض الدنيوية فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض الذي يصير على القرب هشيما تذروه الرياح وهذا من قلة العقل ، بل العاقل يقول كما قال المتنبي .


أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا

فلا ينبغي أن يفرح الإنسان بعروض الدنيا وإن فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح بها ، بوجودها ، والمدح ليس هو سبب وجودها .

وإن كانت الصفة مما يستحق الفرح بها كالعلم والورع فينبغي أن لا يفرح بها ؛ لأن الخاتمة غير معلومة وهذا إنما يقتضي الفرح ؛ لأنه يقرب عند الله زلفى ، وخطر الخاتمة باق ففي الخوف من سوء الخاتمة شغل عن الفرح بكل ما في الدنيا بل الدنيا دار أحزان وغموم لا دار فرح وسرور ، ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة فينبغي أن يكون فرحك بفضل الله عليك بالعلم والتقوى لا بمدح المادح فإن اللذة في استشعار الكمال ، والكمال موجود من فضل الله لا من المدح ، والمدح تابع له ، فلا ينبغي أن تفرح بالمدح ، والمدح لا يزيدك فضلا وإن كانت الصفة التي مدحت بها أنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجنون ومثالك مثال : من يهزأ به إنسان ويقول : سبحان الله ! ما أكثر العطر الذي في أحشائه ! وما أطيب الروائح التي تفوح منه إذا قضى حاجته ! وهو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار والأنتان ، ثم يفرح بذلك فكذلك إذا أثنوا عليك بالصلاح والورع ففرحت به ، والله مطلع على خبائث باطنك ، وغوائل سريرتك ، وأقذار صفاتك كان ذلك من غاية الجهل ، فإذا : المادح إن صدق فليكن فرحك بصفتك التي هي من فضل الله عليك وإن كذب فينبغي أن يغمك ذلك ، ولا تفرح به .

. وأما السبب الثاني : وهو دلالة المدح على تسخير قلب المادح وكونه سببا لتسخير قلب آخر ، فهذا يرجع إلى حب الجاه والمنزلة في القلوب ، وقد سبق وجه معالجته وذلك بقطع الطمع عن الناس وطلب المنزلة عند الله ، وبأن تعلم أن طلبك المنزلة في قلوب الناس وفرحك به يسقط منزلتك عند الله ، فكيف تفرح به .

؟! وأما السبب الثالث : وهو الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح فهو ، أيضا يرجع إلى قدرة عارضة لا ثبات لها ، ولا تستحق الفرح ، بل ينبغي أن يغمك مدح المادح ، وتكرهه ، وتغضب به ، كما نقل ذلك عن السلف لأن آفة المدح على الممدوح عظيمة ، كما ذكرناه في كتاب آفات اللسان ، قال بعض السلف : من فرح بمدح فقد مكن الشيطان من أن يدخل في بطنه .

وقال بعضهم : إذا قيل لك : نعم الرجل أنت فكان ! أحب إليك من أن يقال لك : بئس الرجل أنت ! فأنت والله بئس الرجل .

وروي في بعض الأخبار ، فإن صح فهو قاصم للظهور .

: أن رجلا أثنى على رجل خيرا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لو كان صاحبك حاضرا فرضي الذي قلت ، فمات على ذلك دخل النار .

وقال صلى الله عليه وسلم مرة للمادح : ويحك قصمت ! ظهره لو ، سمعك ما أفلح إلى يوم القيامة .

وقال عليه السلام ألا لا تمادحوا وإذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب .

» فلهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على وجل عظيم من المدح وفتنته ، وما يدخل على القلب من السرور العظيم به ، حتى إن بعض الخلفاء الراشدين سأل رجلا عن شيء فقال أنت : يا أمير المؤمنين خير مني وأعلم ، فغضب ، وقال : إني لم آمرك بأن تزكيني وقيل لبعض الصحابة لا : يزال الناس بخير ما أبقاك الله ، فغضب ، وقال : إني لأحسبك عراقيا .

وقال بعضهم لما مدح : اللهم إن عبدك تقرب إلي بمقتك فأشهدك على مقتك .

وإنما كرهوا المدح ؛ خيفة أن يفرحوا بمدح الخلق ، وهم ممقوتون عند الخالق ، فكان اشتغال قلوبهم بحالهم عند الله تعالى يبغض إليهم مدح الخلق ؛ لأن الممدوح هو المقرب عند الله ، والمذموم بالحقيقة هو المبعد من الله الملقى في النار مع الأشرار ، فهذا الممدوح إن كان عند الله من أهل النار فما أعظم جهله إذا فرح بمدح غيره ! وإن كان من أهل الجنة فلا ينبغي أن يفرح إلا بفضل الله تعالى وثنائه عليه ، إذ ليس أمره بيد الخلق .

ومهما علم أن الأرزاق والآجال بيد الله تعالى قل التفاته إلى مدح الخلق وذمهم وسقط من قلبه حب المدح ، واشتغل بما يهمه من أمر دينه .

والله الموفق للصواب برحمته .

التالي السابق


(بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهية الذم ) *

(اعلم) وفقك الله تعالى (أن أكثر الخلق إنما هلكوا بخوف مذمة الناس) منهم (وحب مدحهم) من كل لسان (فصارت حركاتهم كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس؛ رجاء المدح) منهم (وخوفا من الذم) يلحق بهم (وذلك) في الحقيقة (من المهلكات، فيجب معالجته، وطريقه ملاحظة الأسباب التي لأجلها يحب المدح ويكره الذم:

فأما السبب الأول: فهو استشعار الكمال) أي: يستشعر كمالا في نفسه (بسبب قول المادح) فيه (فطريقك فيه أن ترجع إلى عقلك، وتقول لنفسك: هذه الصفة التي يمدحك بها هل أنت متصف بها أم لا؟ فإن كنت متصفا فهي إما صفة تستحق بها المدح كالعلم والورع) مثلا (وإما صفة لا تستحق بها كالثروة والجاه والأعراض الدنيوية، فإن كانت من الأعراض الدنيوية فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض الذي يصير على القرب هشيما) أي: متحطما متكسرا (تذروه الرياح) أي: تطيره (وهذا من قلة العقل، بل العاقل يقول كما قال) أبو الحسن أحمد بن الحسين (المتنبي) رحمه الله تعالى:


( أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا )

(فلا ينبغي أن يفرح الإنسان بعرض الدنيا) فإنه متاع زائل (وإن فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح بها، بل بوجودها، والمدح ليس هو سبب وجودها .

وإن كانت الصفة مما يستحق الفرح بها كالعلم والورع فينبغي أن يفرح بها؛ لأن الخاتمة غير معلومة) بل هي مجهولة في علم الله تعالى (وهذا إنما يقتضي الفرح؛ لأنه يقرب عند الله زلفى، وخطر الخاتمة باق) لم يزل (ففي الخوف من الخاتمة شغل عن الفرح بكل ما في الدنيا) يشغله عنه (بل الدنيا) كما تقدم (دار أحزان وغموم) وأنكاد تتوالى (لا دار فرح وسرور، ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة فينبغي أن يكون فرحك بفضل الله عليك بالعلم والتقوى لا بمدح المادح) لك به (فإن اللذة) إنما هي (في استشعار الكمال، والكمال موجود من فضل الله تعالى لا من مدح المادح، والمدح تابع له، فلا ينبغي أن يفرح بالمدح، والمدح لا يزيدك فضلا) هذا كله إذا كنت متصفا بما مدحت به .

(وإن كانت الصفة التي مدحت بها أنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجهل) ونهاية الجنون (ومثالك: من يهزأ به إنسان ويقول: سبحان الله! ما أكثر العطر الذي في أحشائه!) أي: مطاوي بطنه (وما أطيب الروائح التي تفوح منه إذا قضى حاجته! وهو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه) في الباطن (من الأقذار والأنتان، ثم يفرح بها) ولا يدرك الذي يستهزئ به .

(وكذلك أنت إذا أثنوا عليك بالصلاح والورع ففرحت به، والله مطلع على خبائث [ ص: 256 ] باطنك، وغوائل سريرتك، وأقذار صفتك) مما يجانب الصلاح والتقوى (كان ذلك من غاية الجهل، فإذا: المادح إن صدق فليكن فرحك بصفتك التي هي من فضل الله عليك) ولا يكن فرحك بالمدح (وإن كذب) في مدحه (فينبغي أن يغمك ذلك، ولا تفرح .

وأما السبب الثاني: وهو دلالة المدح على تسخير قلب المادح وكونه سببا لتسخير قلب آخر، فهذا يرجع إلى حب الجاه والمنزلة في القلوب، وقد سبق وجه معالجته) قريبا (وذلك بقطع الطمع) عنه (وطلب المنزلة عند الله، وبأن تعلم أن طلبك المنزلة في قلوب الناس وفرحك بها يسقط منزلتك عند الله، فكيف تفرح به؟!

وأما الثالث: وهو الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح، فهي أيضا ترجع إلى قدرة عارضة لا ثبات لها، ولا يستحق الفرح بها، بل ينبغي أن يغمك مدح المادح، وتكرهه، وتغضب به، كما نقل ذلك عن السلف) الصالحين؛ وذلك (لأن آفة المدح على الممدوح عظيمة، كما ذكرناها في كتاب آفات اللسان، قال بعض السلف: من فرح بمدح فقد أمكن الشيطان من أن يدخل في بطنه) هذا إذا فرح بمدح ما ليس فيه، وأما إذا فرح بما هو فيه فإن اغتر بأن ما مدح به هو من فعل نفسه، ونسي أنه من فضل الله عليه، وجد الشيطان أيضا سبيلا لتغريره وتسويله .

(وقال بعضهم: إذا قيل لك: نعم الرجل أنت! وكان أحب إليك من أن يقال لك: بئس الرجل أنت! فأنت والله بئس الرجل) وهذا مثل قولهم: إذا قال الرجل: أنا خير من الكلب، فالكلب خير منه .

(وروي في بعض الأخبار، فإن صح) وروده (فهو قاصم لظهورنا: "أن رجلا أثنى على رجل خيرا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: لو كان صاحبك حاضرا فرضي بالذي قلت، فمات على ذلك دخل النار") قال العراقي: لم أجد له أصلا .

(وقال صلى الله عليه وسلم مرة للمادح: "ويحك! قطعت ظهره، ولو سمعك ما أفلح إلى يوم القيامة") رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي بكرة، بلفظ: "ويحك! قطعت عنق أخيك، والله لو سمعها ما أفلح أبدا، إذا أثنى أحدكم على أخيه فليقل: إن فلانا، ولا أزكي على الله أحدا" وقد رواه الشيخان بنحوه، وكذا أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا في الصمت، وقد تقدم في آفات اللسان .

(فلهذا كانت الصحابة) رضوان الله عليهم (على وجل عظيم من المدح وفتنته، وما يدخل على القلب من السرور به، حتى روي أن بعض الخلفاء الراشدين سأل رجلا عن شيء فقال: يا أمير المؤمنين أنت خير مني وأعلم، فغضب، وقال: إني لم آمرك أن تزكيني) .

وقد روى ابن أبي الدنيا، عن إبراهيم التيمي، رفعه: "ذبح الرجل أن تزكيه في وجهه".

وروي عن عمر بن الخطاب قال: "المدح ذبح".

وعن خالد بن معدان قال: "من مدح إماما أو أحدا بما ليس فيه على رؤوس الأشهاد بعثه الله يوم القيامة يتعثر بلسانه".

(وقيل لبعض الصحابة: لن يزال الناس بخير ما أبقاك الله، فغضب، وقال: إني لأحسبك عراقيا) أي: لأن أهل العراق منهم المجازفة في المدح .

(وقال بعضهم لما مدح: اللهم إن عبدك تقرب إلي بمقتك فأشهدك على مقته) رواه ابن أبي الدنيا في الصمت، عن أحمد بن بجير، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: "أثنى رجل على رجل من المصلين في وجهه، فقال: اللهم إن عبدك" فساقه .

(و) هؤلاء (إنما كرهوا المدح؛ خيفة أن يفرحوا بمدح الخلق، وهم ممقوتون عند الخالق، فكان اشتغال قلوبهم بأحوالهم عند الله يبغض إليهم مدح الخلق؛ لأن الممدوح هو المقرب عند الله، والمذموم بالحقيقة هو المبعد عن الله) أي: عن رحمته (الملقى في النار مع الأشرار، فهذا الممدوح إن كان عند الله من أهل [ ص: 257 ] النار فما أعظم جهله إذا فرح بمدح غيره! وإن كان من أهل الجنة فلا ينبغي أن يفرح إلا بفضل الله وثنائه عليه، إذ ليس أمره بيد الخلق) بل المتفضل هو الله تعالى .

(ومهما علم أن الآجال والأرزاق بيد الله قل التفاته إلى مدح الخلق وذمهم) فإنهم لا يقلبون حاصلا ولا يقطعون واصلا (وسقط من قلبه حب المدح والثناء، واشتغل بما يهمه من أمر دينه) والله الموفق بكرمه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث