الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان حقيقة الرياء وما يراءى به

بيان حقيقة الرياء وما يراءى به .

اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية والسمعة مشتقة من السماع وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير إلا أن الجاه والمنزلة تطلب في القلب بأعمال سوى العبادات وتطلب ، بالعبادات .

واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات وإظهارها فحد الرياء هو إرادة العباد بطاعة الله فالمرائي هو العابد والمراءى هو الناس المطلوب رؤيتهم بطلب المنزلة في قلوبهم ، والمراءى به هو الخصال التي قصد المرائي إظهارها والرياء هو قصده إظهار ذلك والمراءى به كثير وتجمعه ، خمسة أقسام وهي ، مجامع ما يتزين به العبد للناس ، وهو البدن والزي والقول والعمل والاتباع ، والأشياء الخارجة .

وكذلك أهل الدنيا يراءون بهذه الأسباب الخمسة ، إلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال ليست من جملة الطاعات أهون من الرياء بالطاعات .

القسم الأول : الرياء في الدين بالبدن ، وذلك بإظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين ، وغلبة خوف الآخرة وليدل بالنحول على قلة الأكل وبالصفار ، على سهر الليل ، وكثرة الاجتهاد ، وعظم الحزن على الدين وكذلك . يرائي بتشعيث الشعر ليدل به على استغراق الهم بالدين وعدم التفرغ لتسريح الشعر .

وهذه الأسباب مهما ظهرت استدل الناس بها على هذه الأمور فارتاحت ، النفس لمعرفتهم فلذلك تدعوه ، النفس إلى إظهارها لنيل تلك الراحة .

ويقرب من هذا خفض الصوت وإغارة العينين ، وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم ، وأن وقار الشرع هو الذي خفض من صوته أو ضعف ، الجوع هو الذي ضعف من قوته .

وعن هذا قال المسيح عليه السلام : إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ويرجل شعره ويكحل عينيه .

وكذلك روي عن أبي هريرة وذلك كله لما يخاف عليه من نزغ الشيطان بالرياء ؛ ولذلك قال ابن مسعود أصبحوا صياما مدهنين .

فهذه مراءاة أهل الدين بالبدن .

فأما ، أهل الدنيا فيراءون بإظهار السمن وصفاء اللون واعتدال القامة ، وحسن الوجه ، ونظافة البدن ، وقوة الأعضاء وتناسبها .

التالي السابق


(بيان حقيقة الرياء وما يراءى به) *

(اعلم) وفقك الله تعالى (أن الرياء) بالكسر ممدودا (مشتق من الرؤية) وهي النظر بحاسة البصر، وقد راءى الشخص رؤية (والسمعة) بالضم (مشتقة من السماع) وقد سمعه وسمع له سمعا وسماعا، والعمل إن كان إظهاره للناس قصدا لا أن يروه فيظنوا به خيرا أو يسمعوا به خيرا، فسمعة، فالمقصود في [ ص: 269 ] كل منهما رؤية الخلق وسماعهم غفلة عن الخالق، وعماية عنه، هذا ما تقتضيه اللغة، وقد أشار إليه بقوله:

(وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير) فيظنوا به خيرا ويكرموه (إلا أن الجاه والمنزلة تطلب في القلب بأعمال سوى العبادات، و) تارة (تطلب بالعبادات، واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات وإظهارها) للناس (فحد الرياء هو إرادة المنزلة بطاعة الله -عز وجل- فالمرائي) على صيغة اسم الفاعل (هو العابد) يرائي الناس بعبادته (والمراءى له) على صيغة اسم المفعول (هم الناس المطلوب رؤيتهم بطلب المنزلة في قلوبهم، والمراءى به هو) اسم (الخصال التي قصد المرائي إظهارها) لهم .

و (الرياء هو قصده إظهار ذلك) ولا يقع غالبا إلا عن غفلة عن الخالق وعمايته عنه (والمراءى به كثير، ويجمعه خمسة أقسام، هي مجامع ما يتزين به العبد للناس، وهو البدن والزي والقول والعمل والاتباع، والأشياء الخارجة، وكذلك أهل الدنيا يراؤون بهذه الأسباب الخمسة، إلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال) هي (ليست من الطاعات أهون من الرياء بالطاعات) إذ لا يظن به خيرا إلا لأجلها .

(الأول: الرياء في الدين من جهة البدن، وذلك بإظهار النحول) وهو السقم، وقد نحل البدن ينحل نحولا، ونحل كتعب لغة فيه (والاصفرار) أي: في لون الجسم (ليوهم بذلك شدة الاجتهاد) في العبادة (وعظم الحزن على أمر الدين، وغلبة خوف الآخرة) فإن من غلب عليه خوفها اصفر لونه ونحل جسمه (وليدل بالنحول على قلة الأكل، وبالاصفرار على سهر الليل، وكثرة الاجتهاد، وعظم الحزن على الدين .

وكذا يرائي بتشعيث الشعر) وانتشاره (ليدل به على استغراق الهم بالدين) أي: أموره (وعدم الفراغ لتسريح الشعر) ودهنه، كما قيل لبشر الحافي: ألا تسرح لحيتك، فقال: إني إذا لفارغ .

(فهذه أسباب متى ظهرت استدل الناس بها على هذه الأمور، وارتاحت النفس لمعرفتهم بها، وكذلك تدعو النفس إلى إظهارها لنيل تلك الراحة، ويقرب من هذا خفض الصوت) إذا تكلم (وإغارة العينين، وذبول الشفتين) أي: يبسهما (ليستدل بذلك على أنه صائم مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفض من صوته، وضعف الجوع هو الذي أضعف قوته) أي: أوهنها .

(وعن هذا قال عيسى -عليه السلام-: إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ويرجل شعره ويكحل عينيه) لئلا يرى الناس أنه صائم، وقد تقدم قريبا بأتم منه .

(وكذلك روي عن أبي هريرة) رضي الله عنه من قوله (وذلك كله لما يخاف عليه من نزغ الشيطان بالرياء؛ ولذلك قال ابن مسعود) رضي الله عنه لأصحابه: (أصبحوا صياما) جمع صائم (مدهنين) أي: لئلا يرى عليكم الصوم .

وقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا محمد بن جعفر الدركاني، أخبرنا شريك، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عبد الله قال: "إذا أصبح أحدكم صائما، أو قال: إذا كان أحدكم صائما فليترجل، وإذا تصدق صدقة بيمينه فليخفها عن شماله، وإذا صلى صلاة أو صلى تطوعا فليصل في داخله".

(فهذه مراءاة أهل الدين بالبدن، وأما أهل الدنيا فيراؤون بإظهار السمن) في البدن (وصفاء اللون) وذلك بكثرة الأكل والتأنق بأنواعها، فإنه يوجب ذلك (واعتدال القامة، وحسن الوجه، ونظافة البدن، وقوة الأعضاء وتناسبها) وكل ذلك يراؤون به .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث