الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            ص - ( مسألة ) : فعله - صلى الله عليه وسلم - ما وضح فيه أمر الجبلة ، كالقيام والقعود ، والأكل والشرب ، أو تخصيصه ، كالضحى ، والوتر ، والتهجد ، والمشاورة ، والتخيير ، والوصال ، والزيادة على أربع ، فواضح .

            [ ص: 480 ] وما سواهما ، إن وضح أنه بيان لقول أو قرينة ، مثل " صلوا " و " خذوا " . وكالقطع من الكوع ، والغسل إلى المرافق - اعتبر اتفاقا . وما سواه ، إن علمت صفته ، فأمته مثله .

            وقيل : في العبادات . وقيل : كما لو تعلم . وإن لم تعلم - فالوجوب ، والندب ، والإباحة ، والوقف . والمختار : إن ظهر قصد القربة - فندب ، وإلا فمباح .

            التالي السابق


            ش - المسألة الثانية في أن فعل الرسول - عليه السلام - هل يدل على شرع مثل ذلك الفعل بالنسبة إلينا أم لا ؟

            الفعل الصادر عن الرسول - عليه السلام - لا يخلو إما أن يتضح فيه أمر الجبلة ، أي يكونه مقتضى طبع الإنسان وجبلته ، أو لا . والأول كالقيام والقعود والأكل والشرب .

            والثاني لا يخلو إما أن يتضح فيه تخصيصه - عليه السلام - بحكم ذلك الفعل ، أو لا . [ ص: 481 ] والأول كالضحى ، والوتر ، والتهجد ، والمشاورة ، وتخيير نسائه بينه وبين زينة الدنيا . فإنه - عليه السلام - خصص بوجوب هذه الأفعال عليه .

            [ ص: 482 ] وكالوصال والزيادة على أربع ، فإنه - عليه السلام - مخصوص بإباحتهما له .

            فهذه ثلاثة أقسام . والأولان واضح أمرهما ، لا نزاع لأحد فيهما ; فإن الأول منهما حكمه وحكم أمته فيه ، الإباحة . والثاني مختص به ، لسنا متعبدين به .

            [ ص: 483 ] وأما الثالث - وهو الذي لم يتضح فيه أمر الجبلة ولا تخصيصه - لا يخلو إما أن يتضح فيه أنه بيان لقول مجمل ، أو لا .

            والأول اعتبر اتفاقا في مقتضى القول المجمل ] ، سواء وضح كونه بيانا لقول ، كالأفعال الصادرة عن الرسول - عليه السلام - في الصلاة ، والحج . فإنه وضح كونها بيانا بقوله - عليه السلام - : " صلوا كما رأيتموني أصلي " و " خذوا عنى مناسككم " أو وضح كونه بيانا بقرينة ، كما إذا ورد لفظ مجمل ولم يبينه حتى وقعت الحاجة إلى بيانه ، ففعل فعلا صالحا للبيان فإنه وضح كون ذلك الفعل بيانا لذلك القول المجمل بقرينة الحال ، كقطع يد السارق من الكوع فإنه بيان لآية [ ص: 484 ] السرقة بقرينة الحال . وكغسل اليد مع المرفق ، فإنه أيضا بيان لقوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق .

            والثاني : وهو الذي لم يتضح كونه بيانا لقول مجمل - لا يخلو إما أن تعلم صفة الفعل من الوجوب ، والندب ، والإباحة ، أو لا .

            فإن علمت صفته ، فأمته مثله في حكم ذلك الفعل ، سواء كان عبادة أو غيرها ، عند أكثر الأصوليين . وهو المختار عند المصنف .

            [ ص: 485 ] وقيل : إن كان الفعل عبادة ، فأمته مثله فيها ، وإلا فلا . وهذا مذهب أبي علي بن الخلاد .

            وقيل : كما لم تعلم ، أي حكم ما علمت صفته كحكم ما لا تعلم صفته .

            وأما إذا لم تعلم صفته فقد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب : الأول : الوجوب . وهو مذهب ابن سريج ، وابن أبي هريرة ، وابن خيران ، والحنابلة ، وجماعة من المعتزلة .

            [ ص: 486 ] الثاني : الندب . وهو مذهب إمام الحرمين . وقد قيل : إنه أحد قولي الشافعي .

            الثالث : الإباحة . وهو مذهب مالك .

            الرابع : التوقف . وهو مذهب حجة الإسلام ، وجماعة من أصحاب الشافعي .

            الخامس : التفصيل بأنه إن ظهر منه قصد القربة ، فندب ، وإلا فمباح . وهو المختار عند المصنف .

            [ ص: 487 ] فتبين من هذا أن أفعاله على خمسة أقسام . ثلاثة [ منها ] لم يقع فيها نزاع . واثنان منها - وهما [ الأخيران ] ، أعني ما علمت صفته وما لم تعلم قد اختلفوا فيهما .




            الخدمات العلمية