الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان ما ينبغي للمريد أن يلزم نفسه قبل العمل وبعده وفيه

بيان ما ينبغي للمريد أن يلزم نفسه قبل العمل وبعده وفيه .

اعلم أن أولى ما يلزم المريد قلبه في سائر أوقاته القناعة بعلم الله في جميع طاعاته ، ولا يقنع بعلم الله إلا من لا يخاف إلا الله ، ولا يرجو إلا الله ، فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أحواله فإن كان في هذه الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل والإيمان ؛ لما فيه من خطر التعرض للمقت وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة التي لا يقدر عليها غيره ؛ فإن النفس عند ذلك تكاد تغلي حرصا على الإفشاء وتقول : مثل هذا العمل العظيم أو الخوف العظيم أو البكاء ، العظيم ، لو عرفه الخلق منك لسجدوا لك فما في الخلق من يقدر على مثله ، فكيف ترضى بإخفائه فيجهل الناس محلك وينكرون قدرك ، ويحرمون الاقتداء بك ؟! ففي مثل هذا الأمر ينبغي أن يثبت قدمه ، ويتذكر في مقابلة عظم عمله عظم ملك الآخرة ، ونعيم الجنة ودوامه أبد الآباد وعظم غضب الله ، ومقته على من طلب بطاعته ثوابا من عباده ، ويعلم أن إظهاره لغيره محبب إليه ، وسقوط عند الله وإحباط للعمل العظيم ، فيقول : وكيف أتبع مثل هذا العمل بحمد الخلق وهم عاجزون لا يقدرون لي على رزق ولا أجل ؟! فيلزم ذلك قلبه ولا ينبغي أن ييأس عنه ، فيقول : إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء فأما المخلطون فليس ذلك من شأنهم ، فيترك المجاهدة في الإخلاص لأن المخلط إلى ذلك أحوج من المتقي ؛ لأن المتقي إن فسدت نوافله بقيت فرائضه كاملة تامة والمخلط لا تخلو فرائضه عن النقصان والحاجة إلى الجبران بالنوافل ، فإن لم تسلم صار مأخوذا بالفرائض ، وهلك به ، فالمخلط إلى الإخلاص أحوج .

وقد روى تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يحاسب العبد يوم القيامة ، فإن نقص فرضه ، قيل : انظروا هل له من تطوع ، فإن كان له تطوع أكمل به فرضه ، وإن لم يكن له تطوع أخذ بطرفيه فألقي في النار .

فيأتي المخلط يوم القيامة وفرضه ناقص ، وعليه ذنوب كثيرة فاجتهاده في جبر الفرائض وتكفير السيئات ، ولا يمكن ذلك إلا بخلوص النوافل .

التالي السابق


(بيان ما ينبغي للمريد أن يلزم نفسه قبل العمل وبعده وفيه) *

(اعلم) هداك الله (أن أول ما يلزم المريد قلبه في سائر أوقاته القناعة بعلم الله تعالى في جميع طاعاته، وما يتقرب به إليه، ولا يقنع بعلم الله إلا من لا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا الله، فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أحواله) الباطنة والظاهرة (فإن كان) المريد (في هذه المرتبة فليلزم قلبه كراهته ذلك) أي: يحبسه به، ويجعل الكراهة كالزمام، وفي نسخة: فيلزم (من جهة العقل والإيمان؛ لما فيه من خطر التعرض للمقت) والسقوط من عين الله تعالى .

(وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة التي لا يقدر عليها غيره؛ فإن النفس عند ذلك تكاد تغلي حرصا على الإفشاء) والإظهار (وتقول: مثل هذا العمل العظيم) الشاق (والخوف العظيم، والبلاء العظيم، لو عرفه الخلق منك لسجدوا لك) تعظيما لمقامك (فما في [ ص: 328 ] الخلق من يقدر على مثله، فكيف ترضى بإخفائه) وكتمه (فيجهل الناس محلك) ومنزلتك (وينكرون قدرك، ويحرمون الاقتداء بك؟!! ففي مثل هذا الأمر) إذا عرض له (ينبغي أن يثبت قدمه، ويتذكر في مقابلة عظم عمله عظم ملك الآخرة، ونعيم الجنة ودوامه أبد الآباد) وما أعد الله فيها للعاملين مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر .

(و) يتذكر أيضا (عظم غضب الله، ومقته على من طلب بطاعته ثوابا من عباده، ويعلم أن إظهاره لغيره تحبب إليه، وسقوط عند الله) من عين رحمته (وإحباط العمل العظيم، فيقول: وكيف أتبع مثل هذا العمل بحمد الخلق) وثنائهم (وهم عاجزون) في أنفسهم (لا يقدرون لي على رزق ولا أجل؟! فيلزم ذلك قلبه) ويرده عليه .

(ولا ينبغي أن ييأس عنه، فيقول: إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء) من الناس (فأما المخلطون فليس ذلك من شأنهم، فيترك المجاهدة في الإخلاص) رأسا (لأن المخلط إلى ذلك أحوج من المتقي؛ لأن المتقي إن فسدت نوافله بقيت فرائضه كاملة تامة) محفوظة عن الفساد (والمخلط لا تخلو فرائضه عن النقصان والحاجة إلى الجبران بالنوافل، فإن لم يسلم صار مأخوذا بالفرائض، وهلك به، فالمخلط إلى الإخلاص) في أعماله (أحوج) من المتقي .

(وقد روى) أبو رقية (تميم) بن أوس بن حارثة بن سور بن جذيمة بن رزاح بن عدي بن الدار (الداري) رضي الله عنه، قدم المدينة سنة تسع، وأسلم، وذكر للنبي -صلى الله عليه وسلم- قصة الجساسة والدجال، فحدث النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك على المنبر، وعد تلك من مناقبه، وانتقل إلى الشام بعد قتل عثمان، وسكن فلسطين، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- أقطعه بها قرية عينون، قال ابن حبان: مات بالشام، وقبره ببيت جبرين من بلاد فلسطين (عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يحاسب العبد يوم القيامة، فإن نقص، قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكمل به فرضه، وإن لم يكن له تطوع أخذ بطرفيه فألقي في النار) .

رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي وابن قانع والحاكم والبيهقي والضياء، ولفظهم: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمها كتبت له تامة، فإن لم يكن أتمها قال الله -عز وجل- لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك".

ورواه أيضا أحمد وابن أبي شيبة، عن رجل من الصحابة .

وفي رواية: "أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا -عز وجل- لملائكته، وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كانت انتقص منها شيء قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؛ فإن كان تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم" هكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة.

وروى الحاكم في الكنى من حديث ابن عمر: "أول ما افترض الله تعالى على أمتي الصلوات الخمس، وأول ما يرفع من أعمالهم الصوات الخمس، وأول ما يسألون عن الصوات الخمس، فمن كان ضيع شيئا منها يقول الله تبارك وتعالى: انظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صلاة تتمون بها ما نقص من الفريضة، وانظروا في صيام عبدي شهر رمضان، فإن كان ضيع شيئا منه فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صيام تتمون به ما نقص من الصيام، وانظروا في زكاة عبدي فإن كان ضيع شيئا منها فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صدقة تتمون بها ما نقص من الزكاة، فيؤخذ ذلك على فرائض الله، وذلك برحمة الله وعدله، فإن وجد فضل وضع في ميزانه، وقيل: ادخل الجنة مسرورا، وإن لم يوجد له شيء من ذلك أمرت به الزبانية، فأخذ بيديه ورجليه، ثم قذف به في النار".

وروى ابن عساكر من حديث أبي هريرة: "إن أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن سلمت سلم سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، ثم يقول: انظروا هل لعبدي من نافلة، فإن كانت له نافلة أتم بها الفريضة، ثم الفرائض كذلك، بعائدة الله تعالى ورحمته" وإسناده حسن .

ورواه الترمذي، وقال: حسن غريب، والنسائي، وابن ماجه بلفظ: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته قال الرب: انظروا هل لعبدي [ ص: 329 ] من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك" وقد تقدم شيء من ذلك في كتاب الصلاة .

(فيأتي المخلط يوم القيامة وفرضه ناقص، وعليه ذنوب كثيرة باجتهاده في جبر الفرائض) بالنوافل (وتكفير السيئات أحوج، ولا يمكن ذلك إلا بخلوص النوافل) حتى يقع بها الجبر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث