الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الزكاة في المعدن

جزء التالي صفحة
السابق

700 - مسألة : قال أبو محمد : ولا شيء في المعادن ، وهي فائدة ، لا خمس فيها ولا زكاة معجلة ، فإن بقي الذهب ، والفضة عند مستخرجها حولا قمريا ، وكان ذلك مقدار ما تجب فيه الزكاة - : زكاه ، وإلا فلا .

وقال أبو حنيفة : عليه في معادن الذهب ، والفضة ، والنحاس ، والرصاص ، [ ص: 228 ] والقزدير ، والحديد - : الخمس ، سواء كان في أرض عشر أو في أرض خراج ، سواء أصابه مسلم ، أو كافر ، عبد ، أو حر . قال : فإن كان في داره فلا خمس فيه ، ولا زكاة ، ولا شيء فيما عدا ذلك من المعادن - واختلف قوله في الزئبق ، فمرة رأى فيه الخمس ، ومرة لم ير فيه شيئا ، وقال مالك : في معادن الذهب ، والفضة : الزكاة معجلة في الوقت إن كان مقدار ما فيه الزكاة ولا شيء في غيرها ، ولا يسقط الزكاة في ذلك دين يكون عليه ; فإن كان الذي أصاب في معدن الذهب ، أو الفضة ندرة بغير كبير عمل ففي ذلك الخمس .

قال أبو محمد : احتج من رأى فيه الخمس بالحديث الثابت : { وفي الركاز الخمس }

وذكروا حديثا من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الركاز . فقال : هو الذهب الذي خلقه الله في الأرض يوم خلق السماوات والأرض } .

قال أبو محمد : هذا حديث ساقط ; لأن عبد الله بن سعيد متفق على إطراح روايته ثم لو صح لكان في الذهب خاصة . فإن قالوا : قسنا سائر المعادن المذكورة على الذهب . قلنا لهم : فقيسوا عليه أيضا معادن الكبريت ، والكحل ، والزرنيخ ، وغير ذلك ؟ فإن قالوا : هذه حجارة . قلنا : فكان ماذا ؟ ومعدن الفضة ، والنحاس أيضا حجارة ولا فرق [ ص: 229 ]

وأما الركاز فهو دفن الجاهلية فقط ; لا المعادن ، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك .

والعجب كله احتجاج بعضهم في هذا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده { عن النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة ما كان منها في الخراب والأرض الميتاء ففيه وفي الركاز الخمس } وهم لا يقولون بهذا ، وهذا كما ترى ، ولو كان المعدن ركازا لكان الخمس في كل شيء من المعادن ، كما أن الخمس في كل دفن للجاهلية ، أي شيء كان ; فظهر فساد قولهم وتناقضهم ؟ لا سيما في إسقاطهم الزكاة المفروضة بالخراج ، ولم يسقطوا الخمس في المعادن بالخراج وأوجبوا فيها خمسا في أرض العشر ، وعلى الكافر ، والعبد وفرقوا بين المعدن في الدار وبينه خارج الدار ، ولا يعرف كل هذا عن أحد قبلهم وهم يقولون : برد الأخبار الصحاح إذا خالفت الأصول وحكمهم هاهنا مخالف للأصول .

فإن قالوا : قد روي عن علي : أن فيه الخمس . قلنا : أنتم أول مخالف لهذا الحكم إن كان حجة ; لأن الخبر إنما هو في رجل استخرج معدنا فباعه بمائة شاة ، وأخرج المشتري منه ثمن ألف شاة فرأى علي الخمس على المشتري ; لا على المستخرج له .

وأما من رأى فيه الزكاة فاحتجوا - بحديث مالك عن ربيعة عن غير واحد من علمائهم { أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطع لبلال بن الحارث معادن القبلية - [ ص: 230 ] وهي في ناحية الفرع } .

قال : فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم .

قال أبو محمد : وليس هذا بشيء لأنه مرسل ، وليس فيه مع إرساله إلا إقطاعه عليه السلام تلك المعادن فقط ، وليس فيه أنه عليه السلام أخذ منها الزكاة ، ثم لو صح لكان المالكيون أول مخالف له ; لأنهم رأوا في الندرة تصاب فيه بغير كبير عمل : الخمس ; وهذا خلاف ما في هذا الخبر . ويسألون أيضا عن مقدار ذلك العمل الكبير وحد الندرة ؟ ولا سبيل إليه إلا بدعوى لا يجوز الاشتغال بها - فظهر أيضا فساد هذا القول وتناقضه . وقالوا أيضا : المعدن كالزرع يخرج شيء بعد شيء .

قال علي : قياس المعدن على الزرع كقياسه على الزكاة ، وكل ذلك باطل ولو كان القياس حقا لتعارض هذان القياسان ; وكلاهما فاسد ، أما قياسه على الركاز فيلزمهم ذلك في كل معدن ; وإلا فقد تناقضوا ، وأما قياسه على الزرع فيلزمهم أن يراعوا فيه خمسة أوسق وإلا فقد تناقضوا ، ويلزمهم أيضا أن يقيسوا كل معدن - من حديد أو نحاس - على الزرع ، واحتج كلتا الطائفتين بالخبر الثابت من طريق مسلم عن قتيبة ; ثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع ثنا عبد الرحمن بن أبي نعم قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : { بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها ، فقسمها بين أربعة نفر : عيينة بن بدر ، والأقرع بن حابس ، وزيد الخير ، وذكر رابعا ، وهو علقمة بن علاثة } .

فقال من رأى في المعدن الزكاة : هؤلاء من المؤلفة قلوبهم ، وحقهم في الزكاة لا في الخمس ; [ ص: 231 ] وقال الآخرون : علي من بني هاشم ، ولا يحل له النظر في الصدقة ، وإنما النظر في الأخماس .

قال علي : كلا القولين دعوى فاسدة ، ولو كانت تلك الذهب من خمس واجب ، أو من زكاة لما جاز ألبتة أخذها إلا بوزن وتحقيق ، لا يظلم معه المعطي ولا أهل الأربعة الأخماس ; فلما كانت لم تحصل من ترابها صح يقينا أنها ليست من شيء من ذلك ، وإنما كانت هدية من الذي أصابها ، أو من وجه غير هذين الوجهين ، فأعطاها عليه السلام من شاء ، وقد قدمنا أنه لا زكاة في مال غير الزرع إلا بعد الحول ، والمعدن من جملة الذهب والفضة ; فلا شيء فيها إلا بعد الحول ، وهذا قول الليث بن سعد ، وأحد أقوال الشافعي ، وقول أبي سليمان ، ورأى مالك أن من ظهر في أرضه معدن فإنه يسقط ملكه عنه ، ويصير للسلطان ، وهذا قول في غاية الفساد ; بلا برهان من قرآن ، ولا سنة صحيحة ، ولا رواية سقيمة ، ولا إجماع ; ولا قول صاحب ، ولا رأي له وجه ، وعلى هذا إن ظهر في مسجد أن يصير ملكه للسلطان ويبطل حكمه ولو أنه الكعبة وهذا في غاية الفساد .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام . } ، فصح أن من ظهر في أرضه معدن فهو له ، يورث عنه ويعمل فيه ما شاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث