الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                [ ص: 142 ] 17 - باب من أدرك من العصر ركعة قبل الغروب

                                فيه ثلاثة أحاديث :

                                الأول :

                                531 556 - حدثنا أبو نعيم : ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " .

                                التالي السابق


                                وقد خرجه فيما بعد من وجه آخر عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولفظه : " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " .

                                ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس ; ولهذا جعله مدركا لها بإدراك ركعة منها قبل غروب الشمس ، فإدراكها كلها قبل الغروب أولى أن يكون مدركا لها .

                                وقد سبق قول من قال : إن وقت العصر إلى غروب الشمس ، منهم : ابن عباس وعكرمة ، وهو رواية عن مالك والثوري وهو قول إسحاق .

                                قال إسحاق : آخر وقتها للمفرط ، وصاحب عذر هو قدر ما يبقى إلى غروب الشمس ركعة - : نقله عنه ابن منصور .

                                وحكي مثله عن داود .

                                [ ص: 143 ] وروي عن أبي جعفر محمد بن علي ما يشبهه .

                                وهو وجه ضعيف للشافعية مبني على قولهم : إن الصلاة كلها تقع أداء كما سيأتي .

                                والصحيح عندهم : أنه لا يجوز التأخير حتى يبقى من الوقت ركعة .

                                وإن قيل : إنها أداء - كمذهبنا ومذهب الأكثرين ، وأكثر العلماء - على أن تأخيرها إلى أن يبقى قدر ركعة قبل الغروب لا يجوز لغير أهل الأعذار ، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي ثور وحكاه عن العلماء .

                                وقد دل على ذلك ما خرجه مسلم في " صحيحه " من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " وقت العصر ما لم تصفر الشمس " .

                                ومن حديث العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا ، لا يذكر الله فيها إلا قليلا " .

                                وخرجه أبو داود - بمعناه ، وزاد : " حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني الشيطان - أو على قرني الشيطان " - وذكر باقيه .

                                فهذا يدل على [أن] تأخيرها إلى بعد اصفرار الشمس وتضيقها للمغرب غير جائز لمن لا عذر له .

                                وأجمع العلماء على أن من صلى بعض العصر ثم غربت الشمس أنه يتم صلاته ، ولا إعادة عليه .

                                وأجمعوا على أن عليه إتمام ما بقي منها ، وهو يدل على أن المراد بإدراكها إدراك وقتها .

                                [ ص: 144 ] واختلفوا في الواقع منها بعد غروب الشمس : هل هو أداء ، أو قضاء ؟ وفيه وجهان لأصحابنا والشافعية :

                                أحدهما : أنه قضاء ، وهو قول الحنفية ; لوقوعه خارج الوقت .

                                والثاني : أنه أداء ، وهو أصح عند أصحابنا والشافعية ; لقوله صلى الله عليه وسلم : " فقد أدركها " .

                                وللشافعية وجه آخر : أنها كلها تكون قضاء ، وهو ضعيف .

                                هذا كله إذا أدرك في الوقت ركعة فصاعدا ، فإن أدرك دون ركعة ، ففيه للشافعية طريقان :

                                أحدهما : أنه على هذا الخلاف - أيضا .

                                والثاني : أن الجميع قضاء ، وبه قطع أكثرهم .

                                وأما مذهب أصحابنا :

                                فقال أكثرهم : لا فرق بين أن يدرك في الوقت ركعة أو ما دونها ، حتى لو أدرك تكبيرة الإحرام كان كإدراك ركعة .

                                واستدلوا بحديث " من أدرك سجدة " ، وقالوا : المراد به قدر سجدة .

                                وفيه نظر ; فإن السجدة يراد بها الركعة ، وهو المراد من هذا الحديث ، والله أعلم .

                                وحكى بعضهم رواية عن أحمد ، أنه لا يكون مدركا لها في الوقت بدون إدراك ركعة كاملة ، وبذلك جزم ابن أبي موسى في " إرشاده " ، وجعله مذهب أحمد ولم يحك عنه فيه خلافا ، فعلى هذا ينبغي أن يكون الجميع قضاء إذا لم يدرك في الوقت ركعة ، وهو ظاهر قول الأوزاعي .



                                الخدمات العلمية