الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 435 ] 710 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أنزل الله عليه في أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه في حدودهم من الحكم بينهم فيها ، ومن الإعراض عنهم فيها ، وهل نسخ ذلك بقوله : وأن احكم بينهم بما أنـزل الله أم لا ؟

4539 - حدثنا محمد بن النعمان السقطي ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني ، عن الشعبي ، عن جابر بن عبد الله قال : زنى رجل من أهل فدك ، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة : أن سلوا محمدا عن ذلك ، فإن أمركم بالجلد فخذوه ، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه ، فسألوه عن ذلك ، فقال : أرسلوا إلي أعلم رجلين فيكم ، فجاؤوه برجل أعور ، يقال له : ابن صوريا ، وآخر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنتما أعلم من قبلكما ؟ " فقالا : قد نحلنا قومنا بذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما : " أليس عندكم التوراة فيها حكم الله ؟ " فقالا : بلى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فنشدتكما بالذي فلق البحر لبني إسرائيل ، وأنزل التوراة على موسى ، وأنزل المن والسلوى ، وظلل عليكم الغمام ، وأنجاكم من آل فرعون [ ص: 436 ] ما تجدون في التوراة من شأن الرجم ؟ " فقال أحدهما للآخر : ما نشدت بمثله قط ، ثم قالا : نجد أن النظر زنية ، والاعتناق زنية ، والقبلة زنية ، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدي ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة ، فقد وجب الرجم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هو ذاك " ، فأمر به فرجم ، ونزلت : فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط الآية .

ففي هذا الحديث أن الله تعالى جعل في الآية المتلوة فيه لنبيه الخيار في أن يحكم بين اليهود إذا جاؤوه ، وفي أن يعرض عنهم ، فلا [ ص: 437 ] يحكم بينهم .

فقال قوم : هذه آية محكمة ، وكان ما ذكر في هذا الحديث من رجم النبي ذلك اليهودي باختياره أن يرجمه ، وقد كان له أن لا يرجمه لقول الله : أو أعرض عنهم ، أي : فلا تحكم بينهم .

وقد خالفهم في ذلك آخرون من أهل العلم ، وذكروا أن هذه الآية منسوخة بقوله : وأن احكم بينهم بما أنـزل الله ولا تتبع أهواءهم ، ورووا ما قالوا في ذلك عن عبد الله بن عباس .

4540 - كما قد حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي الباغندي قال : حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي ، حدثنا عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : آيتان نسختا من هذه السورة ، يعني سورة المائدة : فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا ، إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم ، فردهم إلى أحكامهم ، فنزلت : وأن احكم بينهم بما أنـزل الله ولا تتبع أهواءهم ، قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم على كتابنا .

[ ص: 438 ] [ ص: 439 ] قال أبو جعفر : وكان حديث ابن عباس هذا قد حقق نسخ هذه الآية بالآية المتلوة في حديثه ، وكان حكم من بعد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من ولاة الأمور على مثل الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم منها في كل واحد من هذين القولين اللذين ذكرناهما ، وكان الأولى بالأحكام في ذلك عندنا - والله أعلم - هو الحكم بينهم لو لم تكن الآية منسوخة لا الإعراض عنهم ، لأنهم إذا حكموا بينهم ، شهد لهم الفريقان اللذان ذكرنا بالنجاة وترك مفروض عليهم في ذلك ، لأن من يقول : إنهم حكموا ، وعليهم أن يحكموا به ، يقول : قد أدوا المفترض عليهم في ذلك ، ويقول الآخرون : قد حكموا بما لهم أن يحكموا به ، وخرج الحكام بذلك عندهم من ترك مفترض إن كان عليهم فيه ، وإذا أعرضوا عنهم ، وتركوا الحكم بينهم ، فأحد الفريقين يقول : قد تركوا مفترضا عليهم ، والفريق الآخر يقول : قد تركوا ما لهم تركه ، وكان ما يوجب النجاة لهم عند الفريقين جميعا أولى بهم مما يوجب لهم النجاة عند أحد الفريقين ، ولا يوجبه لهم عند الفريق الآخر . هذا لو لم تكن الآية [ ص: 440 ] منسوخة ، فإذا وجب بحديث ابن عباس الذي ذكرنا مع اتصال إسناده وحسن سياقته أن تكون منسوخة بالآية التي تلونا بعدها ، كان الحكم بينهم أولى ، وكان التمسك بها أحرى ، ووجدنا قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنـزل الله يحتمل أن يكون المراد : وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذا تحاكموا إليك ، وأن يكون على معنى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله بوقوفك على ما كان بينهم مما يوجب ذلك الحكم عليهم ، وإن لم يتحاكموا إليك ، فنظرنا ، هل روي في ذلك ما يدل على أحد هذين الاحتمالين . ؟

4541 - فوجدنا فهدا قد حدثنا قال : حدثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي قال : حدثنا أبي ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن البراء رضي الله عنه قال : مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي قد حمم وجهه وقد ضرب يطاف به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما شأن هذا ؟ " فقالوا : زنى ، فقال : " ما تجدون حد الزنى في كتابكم ؟ " قالوا : يحمم وجهه ، ويعزر ويطاف به ، فقال : " أنشدكم بالله ما تجدون حده في كتابكم ؟ " فأشاروا إلى رجل منهم ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الرجل : نجد في التوراة الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكرهنا أن نقيم الحد على سفلتنا ونترك أشرافنا ، فاصطلحنا على شيء ، فوضعنا هذا . فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : أنا أولى من أحيا ما أماتوا من أمر الله تعالى .

[ ص: 441 ] وكان في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ذلك اليهودي بلا تحاكم من اليهود إليه فيه ، فدل ذلك على أن أولى الاحتمالين بالآية التي تلوناها الموافق لهذا الحديث منهما ، وأن المراد بقوله : وأن احكم بينهم بما أنـزل الله ولا تتبع أهواءهم أي : وأن احكم عليهم بما أنزل عليك في الكتاب الذي أنزل عليك بعد علمك بوجوب ذلك على من يحكم به عليه ، تحاكموا في ذلك قبل أن تحكم بينهم فيه أو لم يتحاكموا إليك فيه ، والله نسأله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية