الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم

جزء التالي صفحة
السابق

( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ) أخبر أنه لم يتعد أمر الله في أن أمر بعبادته ، وأقر بربوبيته . وفي قوله : ( ربي وربكم ) براءة مما ادعوه فيه ، وفي الإنجيل قال [ ص: 60 ] يا معاشر بني المعمودية ؟ قوموا بنا إلى أبي وأبيكم ، وإلهي وإلهكم ، ومخلصي ومخلصكم . وقال أبو عبد الله الرازي : كان الأصل أن يقال : ما أمرتهم إلا ما أمرتني به ، إلا أنه وضع القول موضع الأمر; نزولا على موجب الأدب . وقال الحسن : إنما عدل لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معا ، ودل على أن الأصل ما ذكر ( أن ) المفسرة انتهى . قال الحوفي وابن عطية : ( وأن ) في ( أن اعبدوا ) مفسرة لا موضع لها من الإعراب ، ويصح أن يكون بدلا من ( ما ) ، وصح أن يكون بدلا من الضمير في به ، زاد ابن عطية أنه يصح أن يكون في محل خفض على تقديره : . ( أن اعبدوا ) ، وأجاز أبو البقاء الجر على البدل من الهاء ، والرفع على إضمار ( هو ) ، والنصب على إضمار ( أعني ) ، أو بدلا من موضع ( به ) . قال : ولا يجوز أن تكون بمعنى ( أن ) المفسرة; لأن القول قد صرح به ، و ( أن ) لا تكون مع التصريح بالقول . وقال الزمخشري : ( أن ) في قوله : ( أن اعبدوا الله ) إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد من مفسر ، والمفسر إما فعل القول ، وإما فعل الأمر ، وكلاهما لا وجه له; أما فعل القول ، فيحكى بعده الكلام من غير أن يوسط بينهما حرف التفسير ، لا تقول : ما قلت لهم إلا [ ص: 61 ] ( أن اعبدوا الله ربي وربكم ) ، ولكن ما قلت لهم إلا اعبدوا الله ، وأما فعل الأمر ، فمسند إلى ضمير الله تعالى ، فلو فسرته باعبدوا الله ربي وربكم ، لم يستقم; لأن الله لا يقول : اعبدوا الله ربي وربكم ، وإن جعلتها موصولة بالفعل ، لم يخل من أن تكون بدلا من ما أمرتني به ، أو من الهاء في به ، وكلاهما غير مستقيم; لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه ، ولا يقال ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله ، بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته; لأن العبادة لا تقال ، وكذلك إذا جعلته بدلا من الهاء; لأنك لو أقمت ( أن اعبدوا الله ) لم يصح لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته . فإن قلت : فكيف تصنع ؟ قلت : يحمل فعل القول على معناه; لأن معنى ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بـ ( أن اعبدوا الله ربي وربكم ) ويجوز أن تكون موصولة عطفا على بيان الهاء ، لا بدلا انتهى . وفيه بعض تلخيص . أما قوله : وأما فعل الأمر إلى آخر المنع ، وقوله لأن الله تعالى ، لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم ، فإنما لم يستقم; لأنه جعل الجملة وما بعدها مضمومة إلى فعل الأمر ، ويستقيم أن يكون فعل الأمر مفسرا بقوله : ( اعبدوا الله ) ، ويكون ( ربي وربكم ) من كلام عيسى ، على إضمار أعني; أي أعني ربي وربكم ، لا على الصفة التي فهمها الزمخشري فلم يستقم ذلك عنده . وأما قوله : لأن العبادة لا تقال ، فصحيح ، لكن ذلك يصح على حذف مضاف; أي ما قلت لهم إلا القول الذي أمرتني به ، قول عبادة الله; أي القول المتضمن عبادة الله . وأما قوله لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته ، فلا يلزم في كل بدل أن يحل محل المبدل منه ، ألا ترى إلى تجويز النحويين : زيد مررت به أبي عبد الله ، ولو قلت : زيد مررت بأبي عبد الله ، لم يجز ذلك عندهم ، إلا على رأي الأخفش . وأما قوله عطفا على بيان الهاء ، فهذا فيه بعد; لأن عطف البيان أكثره بالجوامد الأعلام ، وما اختاره الزمخشري وجوزه غيره من كون ( أن ) مفسرة ، لا يصح لأنها جاءت بعد ( إلا ) ، وكل ما كان بعد ( إلا ) المستثنى بها ، فلا بد أن يكون له موضع من الإعراب ، ( وأن ) التفسيرية لا موضع لها من الإعراب ، وانظر إلى ما تضمنت محاورة عيسى ، وجوابه مع الله تعالى ، لما قرع سمعه ما لا يمكن أن يكون ، نزه الله تعالى ، وبرأه من السوء ، ومن أن يكون معه شريك ، ثم أخبر عن نفسه أنه لا يمكن أن يقول ما ليس له بحق ، فأتى بنفي لفظ عام ، وهو لفظ ( ما ) المندرج تحته كل قول ليس بحق ، حتى هذا القول المعين ، ثم تبرأ تبرءا ثالثا ، وهو إحالة ذلك على علمه تعالى ، وتفويض ذلك إليه ، وعيسى يعلم أنه ما قاله ، ثم لما أحال على العلم ، أثبت علم الله به ، ونفى علمه بما هو لله . وفيه إشارة إلى أنه لا يمكن أن يهجس ذلك في خاطري ، فضلا عن أن أفوه به وأقوله ، فصار مجموع ذلك نفي هذا القول ، ونفي أن يهجس في النفس ، ثم علل ذلك بأنه تعالى مستأثر بعلم الغيب ، ثم لما نزه الله تعالى ، وانتفى عنه قول ذلك ، وأن يخطر ذلك في نفسه ، انتقل إلى ما قاله لهم ، فأتى به محصورا بـ ( إلا ) ، معذوقا بأنه هو الذي أمره الله به أن يبلغهم عنه .

( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ) أي رقيبا ، كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من قول ذلك ، وأن يتدينوا به ، وأتى بصيغة فعيل للمبالغة كثير الحفظ عليهم ، والملازمة لهم ، ( وما ) ظرفية ، ( ودام ) تامة أي ما بقيت فيهم; أي شهيدا في الدنيا .

( فلما توفيتني ) قيل : هذا يدل على أنه توفاه وفاة الموت قبل أن يرفعه ، وليس بشيء لأن الأخبار تظافرت برفعه حيا ، وأنه في السماء حي ، وأنه ينزل ويقتل الدجال ، ومعنى ( توفيتني ) قبضتني إليك ، بالرفع . وقال الحسن : الوفاة وفاة الموت ، ووفاة النوم ، ووفاة الرفع . قال الزمخشري : ( كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ) تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة ، وأنزلت عليهم من البينات ، وأرسلت إليهم الرسل انتهى . وفيه دسيسة الاعتزال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث