الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة بيع المكاتب

جزء التالي صفحة
السابق

( 8796 ) مسألة ; قال : ويجوز بيع المكاتب وهذا قول عطاء ، والنخعي ، والليث ، وابن المنذر . وهو قديم قولي الشافعي ، قال : ولا وجه لقول من قال : لا يجوز . وحكى أبو الخطاب ، عن أحمد ، رواية أخرى ، أنه لا يجوز بيعه . وهو قول مالك ، وأصحاب الرأي ، والجديد من قولي الشافعي ; لأنه عقد يمنع استحقاق كسبه ، فيمنع بيعه ، كبيعه وعتقه . وقال الزهري ، وأبو الزناد : يجوز بيعه برضاه ، ولا يجوز إذا لم يرض .

وحكي ذلك عن أبي يوسف ; لأن بريرة إنما بيعت برضاها وطلبها ، ولأن لسيده استيفاء منافعه برضاه ، ولا يجوز بغير رضاه ، كذلك بيعه . ولنا ، ما روى عروة ، عن عائشة ، أنها قالت : { جاءت بريرة إلي ، فقالت : يا عائشة ، إني كاتبت أهلي على تسع أواق ، في كل عام أوقية ، فأعينيني . ولم تكن قضت من كتابتها شيئا ، فقالت لها عائشة ، ونفست فيها : ارجعي إلى أهلك ، إن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا ، فعلت . فذهبت بريرة إلى أهلها ، فعرضت عليهم ذلك ، فأبوا ، وقالوا : إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ، ويكون ولاؤك لنا . فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا يمنعك ذلك منها ، ابتاعي وأعتقي ، إنما الولاء لمن أعتق . فقام رسول الله في الناس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : ما بال ناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله ، فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، قضاء الله أحق ، وشرطه أوثق ، وإنما الولاء لمن أعتق . } متفق عليه .

قال ابن المنذر : بيعت بريرة بعلم النبي صلى الله عليه وسلم وهي مكاتبة ، ولم ينكر ذلك ، ففي ذلك أبين البيان أن بيعه جائز ، ولا أعلم خبرا يعارضه ، ولا أعلم في شيء من الأخبار دليلا على عجزها . وتأوله الشافعي على أنها [ ص: 387 ] كانت قد عجزت ، وكان بيعها فسخا لكتابتها . وهذا التأويل بعيد يحتاج إلى دليل في غاية القوة ، وليس في الخبر ما يدل عليه ، بل قولها : أعينيني على كتابتي . دلالة على بقائها على الكتابة ، ولأنها أخبرتها أن نجومها في كل عام أوقية ، فالعجز إنما يكون بمضي عامين عند من لا يرى العجز إلا بحلول نجمين ، أو بمضي عام عند الآخرين ، والظاهر أن شراء عائشة لها كان في أول كتابتها ، ولا يصح قياسه على أم الولد ; لأن سبب حريتها مستقر على وجه لا يمكن فسخه بحال ، فأشبه الوقف ، والمكاتب يجوز رده إلى الرق ، وفسخ كتابته إذا عجز ، فافترقا . قال ابن أبي موسى : وهل للسيد أن يبيع المكاتب بأكثر مما عليه ؟ على روايتين .

ولأن المكاتب عبد مملوك لسيده ، لم يتحتم عتقه ، فجاز بيعه ، كالمعلق عتقه بصفة ; والدليل على أنه مملوك ، قول النبي صلى الله عليه وسلم { المكاتب عبد ما بقي عليه درهم } . وأن مولاته لا يلزمها أن تحتجب منه ، بدليل قوله عليه السلام : { إذا كان لإحداكن مكاتب ، فملك ما يؤدي ، فلتحتجب منه } فيدل على أنها لا تحتجب قبل ذلك . وقد روينا في هذا عن نبهان مولى أم سلمة ، أنه قال : قالت لي أم سلمة : يا نبهان ، هل عندك ما تؤدي ؟ قلت : نعم . فأخرجت الحجاب بيني وبينها ، وروت هذا الحديث . قال فقلت : لا والله عندي ما أؤدي ، ولا أنا بمؤد . وإنما سقط الحجاب عنها منه ; لكونه مملوكها ، ولأنه يصح عتقه ، ولا يصح عتق من ليس بمملوك ، ويرجع عند العجز إلى كونه قنا ، ولو صار حرا ، ما عاد إلى الرق ، ويفارق إعتاقه ; لأنه يزيل الرق بالكلية ، وليس بعقد ، وإنما هو إسقاط للملك فيه ، وأما بيعه ، فلا يمنع مالكه بيعه ، وأما البائع ، فلم يبق له فيه ملك ، بخلاف مسألتنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث