الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الصلح في العارية الوديعة

( قال رحمه الله : ) وإذا قال المستودع : ضاعت الوديعة أو قال رددتها عليك فهو مصدق في ذلك لكونه أمينا ، فإن صالحه صاحبها بعد هذا الكلام على مال لم يجز الصلح في قول أبي يوسف رحمه الله ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .

والرواية في الأجير المشترك إذا ادعى الرد ، ثم صالح صاحبه على ما قال : فالأجير عنده أمين كالمودع وقال : محمد رحمه الله : الصلح صحيح والحاصل أن في هذه المسألة ثلاثة أوجه .

( أحدها : ) أن يدعي صاحبها عليه الاستهلاك ، وهو ينكر ذلك ، وفي هذا يجوز الصلح والاتفاق ; لأن صاحبها يدعي عليه دينا بسبب لو أقر به لزمه فهذا صلح مع الإنكار وذلك صحيح عندنا .

( والثاني : ) أن يقول المودع قد هلكت أو رددتها ، ولا يدعي صاحبها عليه الاستهلاك ولكنه يكذبه فيما يقول ففي هذا خلاف كما بينا . وجه قول محمد رحمه الله أن صاحبها يدعي عليه الضمان بالمنع بعد طلبه ، وذلك منه بمنزلة الغصب ، ولو ادعى غصبا على إنسان ، ثم صالحه على مال جاز الصلح بناء على زعم المدعي فهذا مثله ; لأن الثمن باق على المودع فهو بهذا الصلح بقي عليه بمال وذلك صحيح عندنا وأبو يوسف رحمه الله يقول : المودع أمثل فيثبت بخبره ما أخذ من دعوى الرد أو الهلاك ; لأن تأثير كونه أمينا في قبول قوله ، فصار ثبوت ذلك بقوله كثبوته بالبينة ، ولو ثبت ذلك بالبينة لم يجز الصلح بعد ذلك وتوجه اليمين على المودع لنفي التهمة عنه ; لأن البراءة تظهر بخبره بدليل أنه لو مات قبل أن يحلف كانت البراءة تامة ، وإذا ثبت حصول البراءة بخبره فهو كما لو أبرأ المغصوب منه الغاصب عن المستهلك ، ثم صالحه على مال ، وإنما يجوز بالصلح فداء اليمين التي هي حق المدعي خلفا عما فوت [ ص: 61 ] عليه المنكر للدعوى بزعمه ، وهذه اليمين ليست بتلك الصفة بل هي لنفي التهمة ويفدى مثلها بمال ، كالمرأة إذا أخبرت بانقضاء العدة فالقول قولها مع اليمين ، ولو صالحها الزوج على مال لم يجز .

( ألا ترى ) أن هذه اليمين تسقط بموته بخلاف يمين المنكر في الدعوى والخصومات ، فإن وارثه يقوم مقامه في ذلك حتى يحلف على العلم ولأن المودع سلطه على الإخبار بالرد والهلاك فقوله في ذلك كقول المنكر ، ولو أقر المودع بذلك ، ثم صالحه لم يجز الصلح ، والعذر عن اليمين ما ذكرنا .

( الثالث : ) فيما إذا قال المودع : رددتها ، وقال : المودع : استهلكتها ، ثم صالحه على مال ففي قول أبي يوسف رحمه الله : لا يجوز هذا الصلح أيضا ذكره في رواية أبي حفص رحمه الله في الجامع ، وفي قوله الآخر يجوز الصلح ، وهو قول محمد رحمه الله . وجه قوله الأول ما ذكرنا أن البراءة تحصل له بقوله رددتها وقوله في ذلك بمنزلة قول صاحبها ، والحكم الثابت بخبره لا يبطل بدعوى صاحبها الاستهلاك فكما أن قبل هذه الدعوى لو صالح لم يجز الصلح عنه فكذلك بعد هذه الدعوى . وجه قوله الآخر أن الرد وإن ثبت بخبره فصاحبها يدعي عليه شيئا آخر للضمان ، وهو الاستهلاك فصار ذلك كدعوى مبتدأة عليه فيجوز أن يصالحه على مال .

( ألا ترى ) أن اليمين هنا على ما يدعيه صاحبها بخلاف الأول فهناك اليمين على المودع من الرد وأن هذه اليمين لا تسقط بموته ولكن يحلف الوارث على علمه بالله ما استهلكتها كما يدعيه صاحبها بخلاف الأول ، وهذا لأن البراءة تثبت بقوله رددتها لكونه أمينا وذلك في حكم القبض بجهة الوديعة .

وفي الفصل الأول لا يدعي صاحبها لوجوب الدين عليه شيئا آخر وهنا يدعي ذلك قال : وإن جحد الطالب أن يكون المستودع قال هذه المقالة قبل الصلح فادعى المستودع أنه قد قالها فالصلح جائز ، وهذا التفريع على قول أبي يوسف رحمه الله خاصة ، فأما عند محمد رحمه الله فلا فائدة في هذا الاختلاف ; لأنه لا يجوز الصلح قبل هذه المقالة وبعدها .

وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن إقدام المستودع على الصلح طائعا التزام منه للمال بسبب تصحيح ظاهر فهو يريد بها تفريع ذلك أن يبطل ما التزمه فيها ، فلا يقبل قوله في ذلك كالمرأة إذا اختلعت من زوجها بعد الطلاق الرجعي ، ثم زعمت أن عدتها كانت قد انقضت قبل الخلع لا يقبل قولها ، فإن أقام المودع بينة بهذه المقالة برئ من الصلح ، وإن لم يكن له بينة فعلى الطالب اليمين ; لأنه يدعي عليه وجوب رد المال عليه فهو كالمختلعة إذا أقامت البينة على أن الزوج طلقها ثلاثا قبل الخلع .

فإن قيل : هو مناقض في الدعوى هنا أيضا شائع في بعض [ ص: 62 ] ما قد تم به فينبغي أن لا تقبل بينته ، ولا يحلف خصمه كالبائع إذا زعم أنه كان باع العين من فلان قبل أن يبيعه من هذا المشتري بخلاف الخلع ، فإن هناك هي مناقضة في الدعوى أيضا ولكن البينة على الإطلاق مقبولة من غير الدعوى . والجواب أن يقول : هو غير مناقض في دعواه ; لأن قبوله الصلح لا يكون إقرارا منه بوجوب شيء عليه ولكنه يدعي خلاف ما يشهد له الظاهر ; لأن العقود في الظاهر محمولة على الصحة ، فلا يقبل قوله في ذلك إلا بالبينة ، وعند عدم البينة القول قول خصمه مع اليمين لكون الظاهر حجة وشاهدا له .

وإن كانت الوديعة قائمة بعينها وهي مائة درهم فصالحه منها على مائة درهم بعد إقرار أو إنكار لم يجز إذا قامت البينة على الوديعة ; لأنها عين في يد المودع فيكون الصلح عنها معاوضة ، ومعاوضة المائة بالمائتين باطل ، ولا يمكن تصحيحه بطريق الإبراء والإسقاط ; لأن العين لا تحتمل ذلك ، وإن لم تقم بينة وكان المودع منكرا فالصلح جائز عند دعوى الدين عند إنكار المودع وعجز المدعي عن الدار ، وإنه بمنزلة البيع فلهذا صح العقد بدون الإضافة إلى الموكل ، ثم المقصود من الصلح قطع المنازعة وقطع المنازعة واجب ما أمكن باعتبار معنى البيع ، وإذا صح الصلح غير مضاف إلى الموكل انقطعت المنازعة بينهما فوجب المصير إلى ذلك استحسانا والله أعلم بالصواب

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث