الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


القول في وقت ذبح الأضحية

مسألة : قال الشافعي : ولا وقت للذبح يوم الأضحى إلا في قدر صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك حين حلت الصلاة وقدر . خطبتين خفيفتين وإذا كان هذا القدر فقد حل الذبح لكل أحد حيث كان فأما صلاة من بعده فليس فيها وقت .

[ ص: 85 ] قال الماوردي : اختلف الفقهاء في أول وقت الأضحية على أربعة مذاهب :

أحدها : وهو مذهب الشافعي أن أول وقتها في الأمصار والقرى للحاضر والمسافر واحد ، وهو معتبر بوقت الصلاة لا بفعلها ، فإذا طلعت الشمس وارتفعت حتى خرجت عن كراهة التنفل بالصلاة ومضى بعد ذلك قدر ركعتين وخطبتين دخل وقت النحر ، وجاز ذبح الأضحية فيه سواء صلى الإمام في المصر ، أو لم يصل .

واختلف أصحابنا في تقدير زمان الركعتين والخطبتين على وجهين :

أحدهما : أن الركعتين من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في العيد وخطبتيه ، فإنه كان يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بسورة " ق " وفي الثانية بسورة " اقتربت " وكان يخطب خطبتين يستوفي فيها التحميد والمواعظ وبيان الأضاحي والوصية بتقوى الله تعالى ، وقراءة آية ، فيكون اعتبار وقت صلاته وخطبتيه هو المشروط في دخول الوقت .

والوجه الثاني : أن يعتبر بأقل ما يجزئ في صلاة ركعتين ، وأقل ما يجزئ في خطبتين ، ولا اعتبار بما كانت عليه صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان يطيل مرة ، ويخفف أخرى ، ويقدم تارة ويؤخر أخرى ، وإنما الاعتبار بتحديد مشروع لا يختلف .

ثم اختلف أصحابنا بعد هذا ، هل كان وقتها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اعتبار قدر الصلاة يحكمها فيمن بعده من الأئمة على وجهين :

أحدهما : على أن الحكم فيهما سواء .

والوجه الثاني : في أنه عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - معتبر بصلاته ، وفي عهد من بعده معتبر بقدر الصلاة ، فهذا شرح مذهب الشافعي وأصحابه فيه .

والمذهب الثاني : وهو قول أبي حنيفة : أنه معتبر في الأمصار بصلاة الأئمة فيها ، وفي القرى ، والأسفار معتبر بطلوع الفجر ، فإن ضحى أهل الأمصار قبل صلاة الأئمة كان شاة لحم ، ولم تكن أضحية .

والمذهب الثالث : وهو قول مالك أنه في الأمصار معتبر بصلاة الإمام ونحره وفي القرى ، والأسفار معتبر بصلاة الأئمة في أقرب البلاد بهم ، فإن ذبح أهل الأمصار قبل ذبح الإمام كانت شاة لحم ولم تكن أضحية .

والمذهب الرابع : وهو قول عطاء أنه في وقت جميع الناس معتبر بطلوع الشمس من يوم النحر ، واستدل من ذهب إلى قول أبي حنيفة ومالك برواية البراء بن عازب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : لا ذبح قبل صلاة الإمام .

وبرواية جرير بن عبد الله البجلي ، قال : شهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلم أن ناسا ذبحوا قبل الصلاة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كان منكم ذبح قبل الصلاة فليعد [ ص: 86 ] ذبيحته ، ومن لم يذبح فليذبح على اسم الله .

قالوا : وتقديرها بفعل الصلاة يقين وتقديرها بزمان الصلاة اجتهاد ، فكان اعتبار وقتها باليقين أولى من اعتباره بالاجتهاد : ولأن تقديرها بالفعل متفق عليه ، وبالزمان مختلف فيه ، والأخذ بالاتفاق أولى من العمل بالاختلاف .

ودليلنا ما رواه الشافعي عن عبد الوهاب بن عبد المجيد ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي عن البراء بن عازب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام يوم النحر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " لا يذبحن أحد حتى يصلي " ، فقام خالي فقال : يا رسول الله هذا يوم اللحم فيه مكروه ، وإني ذبحت نسيكتي فأطعمت أهلي وجيراني ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد فعلت فأعد ذبحا آخر قال : عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم ، فقال : هو خير نسيكتيك لن تجزئ جذعة عن أحد بعدك .

فموضع الدلالة فيه : أنه علق التحريم بصلاة المضحي لا بصلاة الإمام والمضحي ، يجوز أن يصلي العيد منفردا ، وليس يعتبر فعله للصلاة اتفاقا ، فدل على أنه أراد وقت الصلاة .

ومن القياس : أن كل عبادة تعلقت بالوقت في حق أهل القرى تعلقت بالوقت في حق أهل الأمصار ، كالصلاة طردا والكفارات عكسا : ولأن كل ما كان وقتا للذبح في حق أهل القرى ، كان وقتا للذبح في حق أهل الأمصار ، كما بعد الصلاة طردا وعكسه دلالة عليهم في أهل القرى أن كل ما لم يكن وقتا لذبح أهل الأمصار لم يكن وقتا لذبح أهل القرى ، كما قبل الفجر : ولأن ما توقت من العبادات إذا تقدر آخره بالوقت تقدر أوله بالوقت كالصلاة طردا والزكاة عكسا : ولأن أحد طرفي زمان الذبح ، فوجب أن يكون مقدرا بالوقت كالطرف الأخير .

فأما الجواب عن قوله : لا ذبح قبل صلاة الإمام فمن وجهين :

أحدهما : أن الإمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى ، فوجب أن يعتبر وقت صلاته وهو ما قلناه .

والثاني : أن المراد به قبل وقت الصلاة الإمام كما قال : من أدى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر .

يريد : من أدرك ركعة من وقت العصر ، وإنما جعلناه على أحد هذين الجوابين في حق أهل المصر كما عدلوا به عن ظاهره في حق أهل القرى ، وكذلك الجواب عن الحديث الآخر .

وأما الجواب عن قولهم : إن اعتبارها بفعل الصلاة يقين وبزمانها اجتهاد . فهو أن [ ص: 87 ] اعتبارها بزمان الصلاة أولى : لأنه يتماثل ولا يختلف وبفعل الصلاة يختلف .

وأما الجواب عن قولهم : إنه متفق عليه ، فهو أن دلائل الشرع هي المعتبرة دون المذاهب المتعددة : لحدوث المذاهب عن الأدلة فلم يجز أن تجعل المذاهب أدلة . وأما الجواب عن صلاة الظهر في يوم الجمعة ، فهو أن فعلها معتبر بفوات الجمعة ، ولذلك تعلق بفوات فعلها دون وقتها ، وليس وقت الأضحية بمثابتها ، وعلى أنهما يتساويان إذا لم يصل العيد ، ولم يصل الجمعة جاز ذبح الأضحية ، وجازت صلاة الظهر ، ولو تعلقا في وقتهما بفعل الصلاة لم تجزئ إذا لم تقم الصلاة ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث