الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب كسب الحجام

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : ولا بأس بكسب الحجام ، فإن قيل : فما معنى نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - السائل عن كسبه وإرخاصه في أن يطعمه رقيقه وناضحه ؟ قيل : لا معنى له إلا واحد ، وهو أن للمكاسب حسنا ودنيئا ، فكان كسب الحجام دنيئا فأحب له تنزيه نفسه عن الدناءة لكثرة المكاسب التي هي أجمل منه ، فلما زاده فيه أمره أن يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه تنزيها له لا تحريما عليه ، وقد حجم أبو طيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه ، ولو كان حراما لم يعطه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه [ ص: 153 ] لا يعطي إلا ما يحل إعطاؤه ، ولآخذه ملكه ، وقد روي أن رجلا ذا قرابة لعثمان قدم عليه ، فسأله عن معاشه ، فذكر له غلة حجام أو حجامين ، فقال : إن كسبكم لوسخ ، أو قال : لدنس ، أو لدنيء ، أو كلمة تشبهها .

قال الماوردي : اعلم أن الحاجة إلى المكاسب داعية لما فطر الله تعالى عليه الخلق من الحاجة إلى الطعام ، والشراب ، والكسوة لنفسه ، ومن يلزمه الإنفاق عليه من مناسب ومصاحب ، وأصول المكاسب المألوفة ثلاثة : زراعة ، وتجارة ، وصناعة ، فينبغي للمكتسب بها أن يختار لنفسه أطيبها ، لقول الله تعالى : ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم [ البقرة : 267 ] .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من لم يبال من أين مطعمه ولا من أين مشربه لم يبال الله من أي أبواب النار أدخله .

واختلف الناس في أطيبها ، فقال قوم : الزراعات ، وهو عندي أشبه : لأن الإنسان فيها متوكل على الله ، في عطائه ، مستسلم لقضائه .

وقال آخرون : التجارة أطيبها ، وهو أشبه بمذهب الشافعي : لتصريح الله تعالى بإحلاله في كتابه ، بقوله : وأحل الله البيع [ البقرة : 275 ] .

واقتداء بالصحابة رضي الله عنهم في اكتسابهم بها .

وقال آخرون : الصناعة ، لاكتساب الإنسان فيها بكد يديه .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن من الذنوب ما لا يكفره صوم ولا صلاة ، ولكن يكفره عرق الجبين في طلب الحرفة .

فأما الزراعة فلا مدخل لها في تحريم ولا كراهية ، وهذا أول شيء على أنها أطيب المكاسب ، وأما التجارة ، فتنقسم ثلاثة أقسام : حلال ، وهو : البيوع الصحيحة . وحرام : وهو البيوع الفاسدة . ومكروه : وهو الغش والتدليس .

وأما الصناعة فتنقسم ثلاثة أقسام .

حلال : وهو ما أبيح من الأعمال التي لا دنس فيها كالكتابة والنجارة والبناء .

وحرام : وهو ما حظر من الأعمال كالتصاوير والملاهي .

ومكروه : وهو ما باشر فيه النجاسة كالحجام والجزار ، وكناس الحشوش والأقذار ، والنص فيه وارد في الحجام ، وهو أصل نظائره ، والنص فيه ما رواه معمر عن [ ص: 154 ] الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أجر الحجام فنهاه عنه ، فشكا من حاجتهم ، فقال : اعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك .

فذهب بعض أصحاب الحديث إلى أنه حرام على الأحرار حلال للعبيد : لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن السادة دون العبيد ، واعتمدوا فيه على رواية رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كسب الحجام خبيث ومهر البغي خبيث ، وثمن الكلب خبيث فلما وصفه بالخبث ، وقرنه بالحرام كان حراما .

والدليل على فساد ما ذهبوا إليه ما رواه علي بن أبي طالب عليه السلام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأمرني أن أعطي الحجام أجرة .

وروى أنس بن مالك أن أبا طيبة حجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر له بصاع من تمر ، وأمر مواليه أن يخففوا عنه من خراجه . قال جابر : وكان خراجه ثلاثة آصع من تمر في كل يوم ، فخففوا عنه في كل يوم صاعا .

ووجه الدليل منه : أنه لو حرم كسبه على آخذه حرم دفعه على معطيه ، فلما استجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر بدفعه إليه دل على جواز أخذه .

فإن قيل : إنما حجمه أبو طيبة متطوعا تقربا إلى الله بخدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك شرب دمه ، فقال له : قد حرم الله جسمك على النار ، وكان ما أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - مواساة ، ولم يكن أجرة ، فعنه جوابان :

أحدهما : إن ما أعطاه مقابلة على عمله ، صار عوضا ينصرف عن حكم المواساة .

والثاني : أن أبا طيبة كان مملوكا لا يصح تطوعه بعمله ولا يستحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تطوعه : ولأنه لم يزل الناس على هذا في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه إلى وقتنا هذا في سائر الأمصار يتكسبون بهذا ، فلا ينكره مستحسن في حق الله تعالى ، فدل على انعقاد الإجماع به ، وارتفاع الخلاف فيه .

ولأن الحاجة إليه داعية ، والضرورة إليه ماسة : لأنه لا يقدر الإنسان على حجامة نفسه إذا احتاج ، وما كان بهذه المنزلة لم يمنع منه الشرع : لما فيه من إدخال الضرر على الخلق ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا ضرر ولا ضرار : ولأن كل كسب حل للعبيد حل للأحرار كسائر الأكساب .

فأما الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم - : كسب الحجام خبيث فهو أن اسم الخبث يتناول الحرام تارة والدنيء أخرى كما قال تعالى : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون [ ص: 155 ] [ البقرة : 267 ] يعني الدنيء ، وكقوله من بعد : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه [ البقرة : 267 ] ، فيحمل على الدنيء دون الحرام : بدليل ما قلناه ، وليس هو إلى الحرام بموجب لاشتراكهما في حكم التحريم : لأنه لما ضم إلى ما يحرم على الأحرار والعبيد ، وهذا لا يحرم على العبيد ، فجاز أن لا يحرم على الأحرار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث