الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : فلنسألن الذين أرسل إليهم الآيتين .

                                                                                                                                                                                                                                      أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث ، عن ابن عباس : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين قال : نسأل الناس عما أجابوا المرسلين ، [163ظ] ونسأل المرسلين عما بلغوا ، فلنقصن عليهم بعلم قال : يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد عن فرقد : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين قال : أحدهما الأنبياء ، وأحدهما الملائكة ، فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين قال : ذلك قول الله .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : فلنسألن الذين أرسل إليهم يقول : الناس ؛ نسألهم عن لا إله إلا الله ، ولنسألن المرسلين قال : جبريل .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 315 ] وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سفيان الثوري في قوله : فلنسألن الذين أرسل إليهم قال : هل بلغكم الرسل ؟ ولنسألن المرسلين قال : ماذا ردوا عليكم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي حاتم ، عن القاسم أبي عبد الرحمن ، أنه تلا هذه الآية فقال : يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال ، يقول ربك : ألم أجعل لك جسدا ففيم أبليته ؟ ألم أجعل لك علما ففيم عملت ؟ ألم أجعل لك مالا ففيم أنفقته ؛ في طاعتي أم في معصيتي ؟ ألم أجعل لك عمرا ففيم أفنيته؟

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ ، عن وهيب بن الورد قال : بلغني أن أقرب الخلق إلى الله إسرافيل ، والعرش على كاهله ، فإذا نزل الوحي دلي اللوح من نحو العرش فيقرع جبهة إسرافيل ، فينظر فيه فيرسل إلى جبريل فيدعوه ، فيرسله فإذا كان يوم القيامة دعي إسرافيل فيؤتى به ترتعد فرائصه ، فيقال له : ما صنعت فيما أدى إليك اللوح ؟ فيقول : أي رب ، أديته إلى جبريل ، فيدعى جبريل فيؤتى به ترعد فرائصه ، فيقال له : ما صنعت فيما أدى إليك إسرافيل ؟ فيقول : أي رب ، بلغت الرسل ، فيدعى [ ص: 316 ] بالرسل فيؤتى بهم ترعد فرائصهم فيقال لهم : ما صنعتم فيما أدى إليكم جبريل ؟ فيقولون : أي رب بلغنا الناس ، قال : فهو قوله : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أبو الشيخ في العظمة ، عن أبي سنان قال : أقرب الخلق من الله اللوح ، وهو معلق بالعرش ، فإذا أراد الله أن يوحي بشيء كتب في اللوح ، فيجيء اللوح حتى يقرع جبهة إسرافيل ، وإسرافيل قد غطى وجهه بجناحه ، لا يرفع بصره إعظاما لله ، فينظر فيه ، فإن كان إلى أهل السماء دفعه إلى ميكائيل ، وإن كان إلى أهل الأرض دفعه إلى جبريل ، فأول من يحاسب يوم القيامة اللوح ، يدعى به ترعد فرائصه فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم ، فيقول ربنا : من يشهد لك ؟ فيقول : إسرافيل ، فيدعى إسرافيل ترعد فرائصه فيقال له : هل بلغك اللوح ؟ فإذا قال : نعم ، قال اللوح : الحمد لله الذي نجاني من سوء الحساب ، ثم كذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أبو الشيخ في العظمة ، عن وهب بن منبه قال : إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل : يا إسرافيل هات ما وكلتك به ، فيقول : نعم يا رب ، في الصور كذا وكذا ثقبة ، وكذا روح ؛ للإنس منها كذا وكذا ، وللجن منها [ ص: 317 ] كذا وكذا ، وللشياطين منها كذا وكذا ، وللوحوش منها كذا وكذا ، وللطير منها كذا وكذا ، وللبهائم منها كذا وكذا ، وللهوام منها كذا وكذا ، وللحيتان منها كذا وكذا ، فيقول الله عز وجل : خذه من اللوح ، فإذا هو مثلا بمثل لا يزيد ولا ينقص ، ثم يقول الله عز وجل : هات ما وكلتك به يا ميكائيل ، فيقول : نعم يا رب ، أنزلت من السماء كذا وكذا كيلة ، وزنة كذا وكذا مثقالا ، وزنة كذا وكذا قيراطا ، وزنة كذا وكذا خردلة ، وزنة كذا وكذا ذرة ، أنزلت في سنة كذا وكذا كذا وكذا ، وفي شهر كذا وكذا كذا وكذا ، وفي جمعة كذا وكذا كذا وكذا ، وفي يوم كذا وكذا كذا وكذا ، وفي ساعة كذا وكذا كذا وكذا ، أنزلت للزرع منه كذا وكذا ، وأنزلت للشياطين منه كذا وكذا ، وأنزلت للإنس منه كذا وكذا ، وأنزلت للبهائم كذا وكذا ، وأنزلت للوحوش كذا وكذا ، وللطير كذا وكذا ، وللحيتان كذا وكذا ، وللهوام كذا وكذا ، فذلك كله كذا وكذا . فيقول : خذه من اللوح ، فإذا هو مثلا بمثل لا يزيد ولا ينقص ثم يقول : يا جبريل هات ما وكلتك به ، فيقول : نعم يا رب أنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية ، في شهر كذا وكذا في جمعة كذا وكذا في يوم كذا وكذا ، وأنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية ، وكذا وكذا سورة ، فيها كذا وكذا آية ، فذلك كذا وكذا آية ، فذلك كذا وكذا حرفا ، وأهلكت كذا وكذا مدينة ، وخسفت بكذا وكذا ، [ ص: 318 ] فيقول : خذه من اللوح ، فإذا هو مثلا بمثل لا يزيد ولا ينقص ، ثم يقول : هات ما وكلتك به يا عزرائيل ، فيقول : نعم يا رب فبضت روح كذا وكذا إنسي وكذا وكذا جني ، وكذا وكذا شيطان ، وكذا وكذا غريق ، وكذا وكذا حريق ، وكذا وكذا كافر ، وكذا وكذا شهيد ، وكذا وكذا هديم ، وكذا وكذا لديغ ، وكذا وكذا في سهل ، وكذا وكذا في جبل ، وكذا وكذا طيرا ، وكذا وكذا هوام ، وكذا وكذا وحش ، فذلك كذا وكذا ، جملته كذا وكذا ، فيقول : خذه من اللوح ، فإذا هو مثلا بمثل لا يزيد ولا ينقص .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أحمد ، عن معاوية بن حيدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن ربي داعي وإنه سائلي : هل بلغت عبادي ؟ وإني قائل : رب إني قد بلغتهم ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب ، ثم إنكم تدعون مفدمة أفواهكم بالفدام ، إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن طاوس ، أنه قرأ هذه الآية فقال : الإمام يسأل عن الناس ، والرجل يسأل عن أهله ، والمرأة تسأل عن بيت زوجها ، والعبد يسأل عن مال سيده .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وابن مردويه ، عن ابن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام يسأل عن [ ص: 319 ] الناس ، والرجل يسأل عن أهله ، والمرأة تسأل عن بيت زوجها ، والعبد يسأل عن مال سيده .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن حبان ، وأبو نعيم ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله سائل كل راع عما استرعاه ، أحفظ ذلك أم ضيعه ، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فأعدوا للمسائل جوابا ، قالوا : وما جوابها ؟ قال : أعمال البر .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الطبراني في الكبير ، عن المقدام : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يكون رجل على قوم إلا جاء يقدمهم يوم القيامة ، بين يديه راية يحملها وهم يتبعونه ، فيسأل عنهم ويسألون عنه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الطبراني ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من أمير يؤمر على عشرة إلا سئل عنهم يوم القيامة . [ ص: 320 ] وأخرج الطبراني ، عن ابن مسعود قال : إن الله سائل كل ذي رعية عما استرعاه ، أقام أمر الله فيهم أم أضاعه ، حتى إن الرجل ليسأل عن أهل بيته .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الطبراني في الأوسط ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ينظر في صلاته ، فإن صلحت فقد أفلح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية