الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                        ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا

                                                                                                                                                                                                                                        (66 ) يذكر تعالى نعمته على العباد بما سخر لهم من الفلك والسفن والمراكب، وألهمهم كيفية صنعتها، وسخر لها البحر الملتطم يحملها على ظهره لينتفع العباد بها في الركوب والحمل للأمتعة والتجارة. وهذا من رحمته بعباده؛ فإنه لم يزل بهم رحيما رءوفا، يؤتيهم من كل ما تعلقت به إرادتهم ومنافعهم.

                                                                                                                                                                                                                                        (67 ) ومن رحمته الدالة على أنه وحده المعبود دون ما سواه أنهم إذا مسهم الضر في البحر فخافوا من الهلاك لتراكم الأمواج ضل عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء والأموات، فكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقت من الأوقات لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر، وصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات، وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال.



                                                                                                                                                                                                                                        فلما كشف الله عنهم الضر ونجاهم إلى البر؛ نسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل، وأشركوا به من لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع، وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم.

                                                                                                                                                                                                                                        وهذا من جهل الإنسان وكفره؛ فإن الإنسان كفور للنعم، إلا من هدى الله فمن عليه بالعقل السليم واهتدى إلى الصراط المستقيم، فإنه يعلم أن الذي يكشف الشدائد، وينجي من الأهوال هو الذي يستحق أن يفرد، وتخلص له سائر الأعمال في الشدة والرخاء واليسر والعسر.

                                                                                                                                                                                                                                        وأما من خذل ووكل إلى عقله الضعيف، فإنه لم [ ص: 931 ] يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة وإنجاءه في تلك الحال، فلما حصلت له النجاة وزالت عنه المشقة ظن بجهله أنه قد أعجز الله، ولم يخطر بقلبه شيء من العواقب الدنيوية فضلا عن أمور الآخرة.

                                                                                                                                                                                                                                        (68 - 69 ) ولهذا ذكرهم الله بقوله: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا أي: فهو على كل شيء قدير إن شاء أنزل عليكم عذابا من أسفل منكم بالخسف أو من فوقكم بالحاصب وهو العذاب الذي يحصبهم فيصبحوا هالكين، فلا تظنوا أن الهلاك لا يكون إلا في البحر، وإن ظننتم ذلك فأنتم آمنون من أن يعيدكم في البحر تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح أي: ريحا شديدة جدا تقصف ما أتت عليه، فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا أي: تبعة ومطالبة؛ فإن الله لم يظلمكم مثقال ذرة.

                                                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية