الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                        وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا

                                                                                                                                                                                                                                        (29) أي: قل للناس يا محمد: هو الحق من ربكم أي: قد تبين الهدى من الضلال، والرشد من الغي، وصفات أهل السعادة وصفات أهل الشقاوة، وذلك بما بينه الله على لسان رسوله، فإذا بان واتضح ولم يبق فيه شبهة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ؛ أي: لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين، بحسب توفيق العبد وعدم توفيقه، وقد أعطاه الله مشيئة بها يقدر على الإيمان والكفر، والخير [ ص: 959 ] والشر، فمن آمن فقد وفق للصواب، ومن كفر فقد قامت عليه الحجة، وليس بمكره على الإيمان، كما قال تعالى لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي وليس في قوله: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الإذن في كلا الأمرين، وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار الكفر بعد البيان التام، كما ليس فيها تركه قتال الكافرين. ثم ذكر تعالى مآل الفريقين فقال: إنا أعتدنا للظالمين : بالكفر والفسوق والعصيان نارا أحاط بهم سرادقها ؛ أي: سورها المحيط بها، فليس لهم منفذ ولا طريق ولا مخلص منها، تصلاهم النار الحامية.

                                                                                                                                                                                                                                        وإن يستغيثوا ؛ أي: يطلبوا الشراب؛ ليطفئ ما نزل بهم من العطش الشديد؛ يغاثوا بماء كالمهل ؛ أي: كالرصاص المذاب، أو كعكر الزيت من شدة حرارته. يشوي الوجوه ؛ أي: فكيف بالأمعاء والبطون، كما قال تعالى يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد .

                                                                                                                                                                                                                                        بئس الشراب الذي يراد؛ ليطفئ العطش، ويدفع بعض العذاب، فيكون زيادة في عذابهم، وشدة عقابهم، وساءت النار مرتفقا وهذا ذم لحالة النار، أنها ساءت المحل، الذي يرتفق به، فإنها ليست فيها ارتفاق، وإنما فيها العذاب العظيم الشاق، الذي لا يفتر عنهم ساعة، وهم فيه مبلسون قد أيسوا من كل خير، ونسيهم الرحيم في العذاب، كما نسوه.

                                                                                                                                                                                                                                        (30) ثم ذكر الفريق الثاني فقال: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ؛ أي: جمعوا بين الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وعمل الصالحات من الواجبات والمستحبات. إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا وإحسان العمل: أن يريد العبد العمل لوجه الله، متبعا في ذلك شرع الله. فهذا العمل لا يضيعه الله، ولا شيئا منه، بل يحفظه للعاملين، ويوفيهم من الأجر بحسب عملهم وفضله وإحسانه . (31) وذكر أجرهم بقوله: أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك .

                                                                                                                                                                                                                                        أولئك أي: أولئك الموصوفون بالإيمان والعمل الصالح لهم الجنات العاليات التي قد كثرت أشجارها فأجنت من فيها، وكثرت أنهارها فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة، والمنازل الرفيعة، وحليتهم فيها الذهب، ولباسهم فيها الحرير الأخضر من السندس - وهو الغليظ من الديباج – والإستبرق - وهو ما رق منه - متكئين فيها على الأرائك، وهي السرر المزينة، المجملة [ ص: 960 ] بالثياب الفاخرة؛ فإنها لا تسمى أريكة حتى تكون كذلك، وفي اتكائهم على الأرائك ما يدل على كمال الراحة، وزوال النصب والتعب، وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون، وتمام ذلك الخلود الدائم والإقامة الأبدية، فهذه الدار الجليلة نعم الثواب للعاملين وحسنت مرتفقا يرتفقون بها، ويتمتعون بما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من الحبرة والسرور، والفرح الدائم، واللذات المتواترة، والنعم المتوافرة، وأي مرتفق أحسن من دار أدنى أهلها يسير في ملكه ونعيمه وقصوره وبساتينه ألفي سنة؟! ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم، قد أعطي جميع أمانيه ومطالبه، وزيد من المطالب ما قصرت عنه الأماني، ومع ذلك فنعيمهم على الدوام متزايد في أوصافه وحسنه، فنسأل الله الكريم أن لا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان بشر ما عندنا من التقصير والعصيان.

                                                                                                                                                                                                                                        ودلت الآية الكريمة وما أشبهها على أن الحلية عامة للذكور والإناث، كما ورد في الأحاديث الصحيحة؛ لأنه أطلقها في قوله يحلون وكذلك الحرير ونحوه.

                                                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية