الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم [ ص: 458 ] شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون

                                                          * * *

                                                          تبين في الآيات السابقة اتباع القبلة في حال المقيمين ، فبينت حيث يقيم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبينت حيث يقيم المسلمون في الأماكن الإسلامية ، كل في مكان إقامته ، فقال فيما تلونا من قبل : وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره

                                                          وفي النص السامي يبين أن القبلة لا بد من الاتجاه إليها في السفر كما يجب الاتجاه إليها في حال الإقامة ، فإذا خرج من مكان إقامته اتجه إليها ، فلا تسقط فرضيتها في السفر ; ولذا قال تعالى : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " من " هنا أي من أي مكان خرجت ، وفي أي مكان حللت ، فول وجهك شطر المسجد الحرام ، أي ناحيته ; إذ لا فرق بين مكان ومكان ولا سفر ولا إقامة ، فالاتجاه ضروري ، أي أن السفر لا يسوغ ترك الاتجاه شطر البيت أي ناحيته ووجهته .

                                                          وذكر ذلك النص لتأكيد الاتجاه ، وأنه شرط لصحة الصلاة دائم مستمر لا فرق بين سفر وحضر ، ولا فرق بين راكب وراجل ، ولقد روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في سفر فأراد أن يصلي على راحلته استقبل القبلة وكبر ثم صلى حيث توجهت به " ، أي أنه كان يلاحظ دائما أن يكون ناحية القبلة .

                                                          وقوله تعالى : فول وجهك الفاء هنا في معنى جواب الشرط .

                                                          [ ص: 459 ] وقد أكد الله تعالى القبلة إلى البيت الحرام ، فقال : وإنه للحق من ربك والضمير يعود على تولية الوجه ، وقد أثبت الله تعالى بهذا أنه الحق ، وأكده بإن واللام ، والجملة الاسمية ، وإسناد هذا الحق لله تعالى ، والتعبير عن الله جل جلاله للدلالة بربك للإشارة إلى أنه اقتضته تربيته لك ، وقيامه على شؤونك ، وأنه سار على حكمته ، ولأنه رأى تقلب وجهك في السماء ، وإن ذلك الحق ثابت في كتبهم ، فإنه ثابت في التوراة أن القبلة تتحول إلى فاران أي إلى مكة .

                                                          وبعد أن أكد سبحانه وتعالى وجوب الاتجاه إلى القبلة في السفر والإقامة - بين سبحانه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه تحت سلطان علمه وحكمته ، وأنه رقيب على المؤمنين ليس بغافل عنهم ليتحروا القبلة ويتعرفوها ، ولا يصلوا إلا بعد هذا التحري فقال تعالت كلماته : وما الله بغافل عما تعملون

                                                          نفى الله تعالى وجل جلاله عن نفسه الغفلة ، أي أثبت العلم الكامل ، بتأكيد نفي أن يقع فعل في الوجود على غير علم منه ، باستغراق النفي ، وبذكر لفظ الجلالة الذي يتصف بكل كمال ، ويستحيل عليه أي نقص ، وبالباء الدالة على استغراق النفي .

                                                          وإن هذا الكلام السامي قد يكون إنذارا ، ولكنه موجه إلى المؤمنين ، وليس موجها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بدليل أن الخطاب كان باللفظ الدال على الجمع ، عما تعملون

                                                          وقد أكد سبحانه وتعالى الأمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بتكراره ، وذكر الأمر للمؤمنين أجمعين تعميما للأماكن ، حيثما كانوا في سفر أو إقامة كما أشرنا ، فقال تعالى : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وكان التكرار في شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لتعدد أسفاره ، وغزواته ، وأن القبلة الاتجاه إليها شرط لصحة الصلاة في كل الأحوال إلا أن يكون ذلك في حال الخوف ، وتكون صلاة الخوف ، ولا يمكن الاتجاه إلى القبلة ، إذ يستدبر العدو ، فيأتيهم من حيث لا يشعرون ، وقد بين الله تعالى صلاة الخوف فقال تعالى : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم [ ص: 460 ] معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا

                                                          * * *

                                                          وقد تشير هذه النصوص الكريمة إلى أن استقبال القبلة إذا تعذر في حال الحرب جاز الاتجاه إلى غيرها من غير استدبار للضرورة والله تعالى هو الواقي .

                                                          وإن الله سبحانه وتعالى كرر طلب الاتجاه إلى البيت الحرام حيثما كانوا ، ومن حيث خرجوا في سفرهم وفي مغازيهم ، وكرر ذلك تأكيدا للطلب لكيلا يرتاب مرتاب ، ولكي يكون حجة على الناس ، ولا يكون لهم حجة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، ولذا قال تعالى : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا أي أكدنا الاتجاه إلى البيت من أجل ألا يكون للناس حجة في عدم العلم ، ودليل عليكم في عدم تحويل القبلة إلى الكعبة ، وأن يسيروا على القبلة التي كنتم عليها ، وهي إلى بيت المقدس ، والحجة هي التي يستدل بها المخالف ، وذلك لأن اليهود والمنافقين لجوا في التساؤل والمناقشة وتوهين ذلك التحويل ، فأكد الله تعالى التوجه إلى البيت الحرام ، والحجة التي نفاها الله تعالى هي حجة عدم العلم فأكده .

                                                          وقد استثنى الله تعالى من الذين لا تقوم لهم قائمة الذين ظلموا فقال : إلا الذين ظلموا وهذا الاستثناء أهو استثناء متصل أم استثناء منقطع بمعنى لكن ; لقد قال الطبري : إنه استثناء متصل بمعنى أن الذين ظلموا لا تنتفي حجتهم ، وإن كانت واهية داحضة عند ربهم ، وقال : المعنى لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة حيث قالوا : " ما ولاهم " ، وقالوا : تحير محمد في دينه ، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه ، وغير ذلك من الأقوال التي لا تنبعث إلا من عابد وثن أو من يهودي أو منافق ، أي أنه لا حجة عليكم إلا المماراة وما يحسبونه حججا . وهو أقوال واهية [ ص: 461 ] تدل على ضعف الإيمان عند قائلها وأنهم يقولون ما لا يؤمنون به ، ويكون الذين ظلموا هم اليهود والمنافقون .

                                                          وقال بعضهم : إن الاستثناء منقطع ، ويكون المعنى : لئلا يكون للناس حجة عليكم ، لكن الذين ظلموا ، لا يقنعهم دليل ولا تعظهم حجة ، بل إنهم يلجون في الباطل بأوهام باطلة ، فلا تنتظر منهم أن يلزموا أنفسهم بدليل مهما كانت قوته ; لأنهم معاندون جاحدون مكابرون .

                                                          ولذا قال : فلا تخشوهم واخشوني الخشية نوعان : خشية الله تعالى وهي طمأنينة في القلوب تبعث على التوقي مما يغضب الله تعالى ، وهذه هي الخشية من الله تعالى وقد أمرنا بها ، وأن تمتلئ قلوبنا بالاطمئنان مع التوقي مما يغضب الله .

                                                          والخشية الأخرى الخوف والفزع ، وهي ما نهانا الله تعالى عنه ، فنهى أن نخاف أو أن نفزع أو أن نتوقع الأذى من هؤلاء الظالمين ، وأن نخشى الله تعالى فتمتلئ نفوسنا بالاطمئنان والتقوى .

                                                          كان التأكيد للاتجاه إلى البيت الحرام لذلك ، ولأمر جليل آخر ، أشار إليه بقوله تعالى : ولأتم نعمتي عليكم أي كانت القبلة لكيلا يكون للناس حجة عليكم . ولأتم نعمتي عليكم إن نعم الله تعالى تتوالى على النبي ومن معه من المؤمنين ومن تمامها نعمة الاتجاه إلى الكعبة ، إذ إنها تضمنت إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذ كان يقلب وجهه في السماء ليوليه قبلة يرضاها ، ولما فيه من تشريف البيت الحرام ، ولما فيه من إحياء ملة إبراهيم عليه السلام ، ولما فيه من تأليف للعرب ، ولأن ذلك إيذان بفتح مكة وإزالة دولة الأوثان ، وإقامة دعائم الإسلام ، وتلك كبرى النعم .

                                                          وذكر الله تعالى أمرا آخر ، وهو جماع الأمور كلها ، وسبيل الحق والإيمان وهو رجاء الهداية الكاملة ، فهذا من طرقها ولعلكم تهتدون الرجاء من الناس لا من الله ، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

                                                          * * *

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية