الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
[ ص: 2 ] قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله : إملاء اعلم أن الخمر حرام بالكتاب ، والسنة .

: أما الكتاب فقوله تعالى { : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ، والميسر } إلى أن قال { فهل أنتم منتهون } ، وسبب نزول هذه الآية سؤال عمر رضي الله عنه على ما روي أنه { قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : الخمر مهلكة للمال مذهبة للعقل فادع الله تعالى يبينها لنا فجعل يقول اللهم بين لنا بيانا شافيا فنزل قوله تعالى { يسألونك عن الخمر ، والميسر قل فيهما إثم كبير ، ومنافع للناس } فامتنع منها بعض الناس ، وقال بعضهم : نصيب من منافعها ، وندع المأثم فقال عمر رضي الله عنه : اللهم زدنا في البيان ، فنزل قوله تعالى { لا تقربوا الصلاة ، وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } فامتنع بعضهم ، وقالوا : لا خير لنا فيما يمنعنا من الصلاة ، وقال بعضهم : بل نصيب منها في غير وقت الصلاة فقال عمر : اللهم زدنا في البيان فنزل قوله تعالى { إنما الخمر ، والميسر } الآية فقال عمر رضي الله عنه : انتهينا ربنا } . والخمر هو النيء من ماء العنب المشتد بعدما غلى ، وقذف بالزبد

اتفق العلماء رحمهم الله على هذا ، ودل عليه قوله تعالى { : إني أراني أعصر خمرا } أي عنبا يصير خمرا بعد العصر ، والميسر القمار ، والأنصاب ذبائحهم باسم آلهتهم في أعيادهم ، والأزلام القداح واحدها زلم كقولك قلم ، وأقلام ، وهذا شيء كانوا يعتادونه في الجاهلية إذا أراد أحدهم أمرا أخذ سهمين مكتوب على أحدهما أمرني ربي ، والآخر نهاني ربي فجعلهما في وعاء ثم أخرج أحدهما فإن خرج الأمر ، وجب عليه مباشرة ذلك الأمر ، وإن خرج النهي حرم عليه مباشرته ، وبين الله تعالى أن كل ذلك رجس .

والرجس ما هو محرم العين ، وإنه من عمل الشيطان يعني أن من لا ينتهي عنه متابع للشيطان مجانب لما فيه رضا الرحمن ، وفي قوله عز ، وجل { : فاجتنبوه } أمر بالاجتناب منه ، وهو نص في التحريم ثم بين المعنى فيه بقوله عز ، وجل { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة [ ص: 3 ] والبغضاء في الخمر ، والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله ، وعن الصلاة } ، وكان هذا إشارة إلى الإثم الذي بينه الله تعالى في الآية الأولى بقوله عز ، وجل ، : { وإثمهما أكبر من نفعهما } ، وفي قوله { : فهل أنتم منتهون } أبلغ ما يكون من الأمر بالاجتناب عنه ، وقال تعالى { : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ، وما بطن ، والإثم } ، والإثم من أسماء الخمر قال القائل .

شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول

، وقيل : هذا إشارة إلى قوله ، { وإثمهما أكبر من نفعهما } ، والسنة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { لعن الله في الخمر عشرا } الحديث ، وذلك دليل نهاية التحريم ، وقال : عليه الصلاة والسلام { شارب الخمر كعابد الوثن } ، وقال : عليه الصلاة والسلام { الخمر أم الخبائث } ، وقال : عليه الصلاة والسلام { إذا ، وضع الرجل قدحا فيه خمر على يده لعنته ملائكة السموات والأرض فإن شربها لم تقبل صلاته أربعين ليلة ، وإن داوم عليها فهو كعابد الوثن } ، وكان جعفر الطيار رحمه الله يتحرز عن هذا في الجاهلية ، والإسلام ، ويقول العاقل يتكلف ليزيد في عقله فأنا لا أكتسب شيئا يزيل عقلي ، والأمة أجمعت على تحريمها ، وكفى بالإجماع حجة هذه حرمة قوية باتة حتى يكفر مستحلها ، ويفسق شاربها . .

التالي السابق


الخدمات العلمية