الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله عز وجل:

أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا

قرأ الجمهور: "لمساكين" بتخفيف السين، جمع مسكين، واختلف في صفتهم -فقالت فرقة: كانت لقوم تجار، ولكنهم من حيث هم مسافرون على قلت وفي لجة بحر وبحال ضعف عن مدافعة غصب جائر، عبر عنهم بـ "مساكين"; إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وهذا كما تقول لرجل غني -إذا وقع في وهلة أو خطب-: مسكين. وقالت [ ص: 646 ] فرقة: كانوا عشرة إخوة أهل عاهات، خمسة منهم عاملون في السفينة، وخمسة لا قدرة بهم على العمل.

وقرأت فرقة: "لمساكين" بتشد السين، واختلف في تأويل ذلك -فقالت فرقة: أراد بالمساكين ملاحي السفينة، وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل المركب، وكل الخدمة يصلح لإمساكه، فسمي الجميع مساكين، وقالت فرقة: أراد بالمساكين دبغة المسوك وهي الجلود واحدها مسك.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

والأظهر في ذلك القراءة الأولى، وأن معناها أن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق عليهم، واحتج الناس بهذه الآية في أن المسكين الذي له البلغة من العيش، كالسفينة لهؤلاء، وأنه أصلح حالا من الفقير، واحتج من يرى خلاف هذا بقول الشاعر:


أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد



قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وتحرير هذا عندي أنهما لفظان يدلان على ضعف الحال جدا، ومع المسكنة انكشاف وذل بسؤال، ولذلك جعلهما الله تعالى صنفين في قسم الصدقات، فأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو: "ليس المسكين بهذا الطواف" فجعل المساكين في اللغة أهل الحاجة الذين قد كشفوا وجوههم، وأما قوله تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله فجعل الفقراء الذين لم يكشفوا وجوههم. وقد تقدم القول في هذه المسألة بأوعب من هذا.

[ ص: 647 ] وقوله تعالى: وكان وراءهم ملك ، قال قوم: معناه: أمامهم، وقالوا: "وراء" من الأضداد. وقال ابن جبير ، وابن عباس : وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة، وقرأ عثمان بن عفان رضي الله عنه: "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة".

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وقوله: "وراءهم" هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعى بها الزمن، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو الإمام، وبين اليد لما يأتي بعده في الزمن، والذي يأتي بعد هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر ببادئ الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: إن هؤلاء وعملهم وسعيهم يلي بعده في الزمن غصب من الملك، ومن قرأ: "أمامهم" أراد: في المكان، أي أنهم كانوا يسيرون إلى بلده. وقوله تعالى في التوراة والإنجيل إنهما "بين يدي القرآن" مطرد على ما قلنا في الزمان، وقوله سبحانه: من ورائهم جهنم مطرد كما قلنا مراعاة الزمان، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلاة أمامك" يريد في المكان، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمن، فتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ. ووقع لقتادة في كتاب الطبري : وكان وراءهم ملك ، قال قتادة : أمامهم، ألا ترى أنه يقول: من ورائهم جهنم وهي بين أيديهم.

[ ص: 648 ] وهذا القول غير مستقيم، وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها. قاله الزجاج . ويجوز أن كان رجوعهم في طريقهم على الغاصب فكان وراءهم حقيقة. وقيل: اسم هذا الغاصب هدد بن بدد، وقيل: اسمه الجلندي، وهذا كله غير ثابت. وقوله تعالى: كل سفينة عموم معناه الخصوص في الجياد منها الصحاح المارة به.

التالي السابق


الخدمات العلمية