الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 305 ] 904 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله في الإمام : " إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين " . هل ذلك الحكم باق على حاله ، أو قد نسخ بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بغيره

5634 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، حدثنا مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك فصلى جالسا ، وصلى وراءه قوم قياما ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا .

[ ص: 306 ]

5635 - وحدثنا الحسين بن نصر ، حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث أيضا .

5636 - وحدثنا علي بن شيبة ، حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، وحدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا محمد ابن الأصبهاني ، قالا : حدثنا حميد بن عبد الرحمن بن حميد ، عن أبيه ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ، وأبو بكر خلفه ، إذا كبر رسول الله كبر أبو بكر يسمعنا ، فبصر بنا قياما . فقال : اجلسوا ، أومأ بذلك إليهم ، فلما قضى الصلاة ، قال : كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم بعظمائهم ، ائتموا بأئمتكم ، فإن صلوا قياما ، فصلوا [ ص: 307 ] قياما ، وإن صلوا جلوسا ، فصلوا جلوسا .

5637 - وحدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن يزيد ، ومالك ، وابن سمعان : أن ابن شهاب أخبرهم قال : أخبرني أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا ، فصرعه ، فجحش شقه الأيمن ، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة من الصلوات وهو جالس ، فصلينا خلفه جلوسا ، فلما انصرف ، قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا .

[ ص: 308 ]

5638 - وحدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال : ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة ، فصرعه على جذم نخلة ، فانفلت فرسه ، فأتينا نعوده ، فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسا ، فقمنا خلفه ، فسكت عنا ، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده ، [ ص: 309 ] فوجدناه يصلي المكتوبة جالسا ، فقمنا خلفه ، فأشار إلينا فقعدنا ، فلما قضينا الصلاة قال : إذا صلى الإمام جالسا ، فصلوا جلوسا ، وإذا صلى الإمام قائما ، فصلوا قياما ، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائهم .

5639 - وحدثنا الربيع المرادي ، حدثنا شعيب بن الليث . وحدثنا محمد بن عبد الحكم ، أخبرنا أبي ، وشعيب بن الليث ، ثم اجتمعا ، فقالا : حدثنا الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلينا وهو قاعد ، وأبو بكر يكبر يسمع الناس ، فالتفت إلينا فرآنا قياما فأومأ إلينا فقعدنا ، فلما سلم ، قال : إن فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا ، ائتموا بأئمتكم فإن صلى الإمام قائما فصلوا قياما ، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا .

[ ص: 310 ]

5640 - وحدثنا أبو أمية ، حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا هشيم ، أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإن صلى قائما فصلوا قياما ، وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين [ ص: 311 ] .

5641 - وحدثنا نصر بن مرزوق ، حدثنا الخصيب بن ناصح ، حدثنا وهيب بن خالد ، عن مصعب بن محمد القرشي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين .

5642 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا سعيد بن عامر الضبعي ، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله [ ص: 312 ] .

5643 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن يعلى بن عطاء قال : سمعت أبا علقمة يحدث ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير فقد عصاني ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا .

5644 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا عبد الله بن حمران ، وحدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، قالا : حدثنا عقبة بن أبي الصهباء الباهلي ، قال : سمعت سالما يقول : حدثني عبد الله بن عمر : أنه كان يوما من الأيام عند رسول الله [ ص: 313 ] صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه ، فقال : ألستم تعلمون أني رسول الله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، نشهد أنك رسول الله . قال : ألستم تعلمون أن الله تعالى أنزل في كتابه : أن من أطاعني فقد أطاع الله قالوا : بلى نشهد أن من أطاعك فقد أطاع الله ، قال : فإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم ، فإن صلوا قعودا ، فصلوا قعودا .

فقال قائل : فهذه الآثار قد جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجيئا متواترا من وجوه صحاح مقبولة ، ثم قد عمل به بعده غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أسيد بن حضير .

كما حدثنا يونس ، أخبرنا أنس بن عياض ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار : أن أسيد بن حضير كان يؤم قومه بني عبد الأشهل ، فخرج عليهم بعد شكوه ، فأمروه أن يتقدم فيصلي بهم . فقال : إني لا أستطيع أن [ ص: 314 ] أصلي قائما ، فصلى قاعدا وصلوا قعودا ، ومنهم : جابر بن عبد الله .

كما حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، [ ص: 315 ] حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار ، عن يحيى بن سعيد ، قال : أخبرني أبو الزبير المكي ، عن جابر بن عبد الله : أنه اشتكى بمكة ، ثم خرج بعيد ، فصلى جالسا ، وصلينا خلفه جلوسا .

فكان جوابنا له في ذلك : أنه قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ، غير أنه قد جاء عنه أنه استعمل بعدها خلاف ما استعمله فيها في مرضه الذي توفي فيه .

5645 - كما حدثنا عبد الملك بن مروان الرقي ، قال : حدثنا الفريابي .

5646 - وكما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، قالا : حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن أبي إسحاق ، عن أرقم بن شرحبيل قال : سافرت مع ابن عباس من المدينة إلى الشام ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مرض مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة ، فقال : ادع لي عليا ، فقالت : ألا ندعو لك أبا بكر ؟ قال : ادعوه ، فقالت حفصة : ألا ندعو لك عمر ؟ فقال : ادعوه ، فقالت أم الفضل : ألا ندعو لك العباس ؟ قال : ادعوه ، فلما حضروا رفع رأسه فقال : ليصل بالناس أبو بكر فتقدم أبو بكر يصلي بالناس ، ووجد رسول [ ص: 316 ] الله صلى الله عليه وسلم خفة فخرج يهادى بين رجلين ، فلما أحس به أبو بكر سبحوا ، فذهب أبو بكر يتأخر ، فأشار إليه النبي عليه السلام مكانك ، فاستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث انتهى أبو بكر من القرآن ، وأبو بكر قائم والنبي صلى الله عليه وسلم جالس ، فائتم أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة حتى ثقل ، فخرج يهادى بين رجلين ، وإن رجليه لتخطان بالأرض ، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم .

فكان في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائم ، والناس أيضا كذلك .

5647 - وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا زائدة بن قدامة ، حدثنا موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله - يعني ابن عتبة - ، قال : [ ص: 317 ] دخلت على عائشة فقلت : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : بلى ، كان الناس عكوفا في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء الآخرة ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس ، فكان يصلي بهم تلك الأيام ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة ، فخرج يهادى بين رجلين لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه أن لا يتأخر ، وقال لهما : أجلساني إلى جنبه ، فأجلساه إلى جنب أبي بكر ، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر .

[ ص: 31810 ] فكان في هذه الآثار ما قد ذكرناه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا بالناس وهم قيام ، فدل ذلك على نسخ ما كان منه قبل ذلك في الآثار الأول .

فقال قائل : إن ما كان في هذه الآثار التي بدأت بذكرها كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الصلاة وهو مأموم لا إمام ، وذكر في ذلك [ ص: 319 ] .

5648 - ما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أخبرنا شبابة بن سوار ، حدثنا شعبة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدا .

[ ص: 320 ] [ ص: 321 ]

5649 - وما قد حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا يحيى بن أيوب ، حدثني حميد ، حدثني ثابت البناني ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد برد يخالف بين طرفيه ، فكانت آخر صلاة صلاها .

[ ص: 322 ] قال : فكان في حديث عائشة ، وأنس هذين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة مأموما لا إماما .

فكان جوابنا له في ذلك : أن الأولى بنا في الآثار إذا وقع فيها مثل ما وقع في هذا أن نحملها على الاتفاق وأن نصرف وجوهها إلى ما احتملت صرفها إليه ، وأن لا نحملها على التضاد والتباين ما وجدنا السبيل إلى ذلك .

وكان في حديث عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، وعن عائشة : أن أبا بكر قد كان يصلي بالناس تلك الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيها متخلفا عن الصلاة لمرضه القاطع له عن ذلك ، فاحتمل أن يكون ما كان منه في حديثي ابن عباس ، والأسود ، وعبيد الله ، عن عائشة على صلاة كان منه ما كان منه فيها وهو الإمام ، وأبو بكر مأموم .

وكان الذي في حديثي أنس ومسروق ، عن عائشة في صلاة أخرى من تلك الصلاة التي صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر رضي الله عنه .

ولما توجه هذا المعنى في هذه الآثار ، عقلنا بذلك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان صلى للناس جالسا وكانوا خلفه قياما ، وحقق ذلك ما في حديث الأرقم ، عن ابن عباس من أخذه صلى الله عليه وسلم من حيث كان انتهى إليه أبو بكر رضي الله عنه ولا يجوز ذلك إلا وهو الإمام في تلك الصلاة ، وذلك عليه بما كان أبو بكر انتهى إليه من القراءة فيها ، فثبت بذلك أنه كان فيها إماما لا مأموما ، لأن المأموم لا يقرأ خلف الإمام [ ص: 323 ] فيما يجهر فيه بالقراءة ، إلا أنه قالت طائفة : يقرأ بأم القرآن خاصة .

وفي حديث الأسود ، عن عائشة : أن جلوسه كان عن يسار أبي بكر ، وكان ذلك جلوس الإمام لا جلوس المأموم ، لأن أبا بكر رضي الله عنه عاد به إلى يمينه ، وذلك مقام المأموم لا مقام الإمام ، وكان معقولا بجلوسه عن يسار أبي بكر لا خلفه على أنه أراد بذلك الإمامة في تلك الصلاة لا الائتمام فيها ، ولو أراد الائتمام بغيره لجلس خلفه كما فعل في يوم بني عمرو بن عوف لما ذهب ليصلح بينهم فجاء أبو بكر يصلي بالناس .

5650 - كما قد حدثنا محمد بن علي بن داود ، حدثنا إسحاق بن هشام التمار ، أخبرنا حماد بن زيد ، حدثنا عبيد الله بن عمر بن حفص ، عن أبي حازم ، قال : فحدثني بما أنكرته - يعني أبا حازم - قال : حدثني سهل بن سعد الساعدي ، قال : كان قتال فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر ، ثم أتاهم ليصلح بينهم ، فقال : يا بلال ، إن حضرت الصلاة ولم آت ، فمر أبا بكر يصلي بالناس . فلما حضر العصر ، ولم يجئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن بلال ، ثم أقام ، ثم قال : يا أبا بكر تقدم ، فتقدم أبو بكر ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل الناس يصفقون ، وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لم يلتفت ، فلما رأى التصفيق لا يمسك التفت ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليه رسول الله أن امكث ، فتأخر أبو بكر ، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم فصلى بالقوم ، فلما قضى صلاته قال : يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أومأت إليك ؟ قال : فلم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم النبي صلى الله عليه وسلم . قال : فقال للقوم : إذا نابكم في [ ص: 324 ] صلاتكم شيء فالتسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء .

[ ص: 325 ]

5651 - وكما حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب : أن مالكا أخبره ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ، فجاءت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقال : أتصلي بالناس ، فأقيم ؟ قال : نعم ، فصلى أبو بكر ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة ، فتخلص حتى وقف في الصف ، فصفق الناس ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثر الناس التصفيق التفت ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليه رسول الله أن امكث مكانك ، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى بالصف ، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما انصرف ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ قال أبو بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق ؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح ، فإذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيق للنساء [ ص: 326 ] [ ص: 327 ] .

5652 - وكما حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا سفيان ، حدثنا أبو حازم ، قال : سمعت سهل بن سعد ، يقول : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بين بني عمرو بن عوف ، ثم ذكر مثله ، غير أنه قال : إنما التصفيق للنساء ، والتسبيح للرجال ، فمن نابه في صلاته شيء ، فليقل : سبحان الله .

قال أبو جعفر : أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لما أراد أن يكون مأموما في تلك الصلاة قام مقام المأموم ، فدل ذلك : أنه كان في صلاته في مرضه لما أمرهم أن يقعدوه إلى جنب أبي بكر كان ذلك لإرادته أن يكون هو الإمام في تلك الصلاة لا مأموما فيها ، وكذلك كان منه لما كان عبد الرحمن بن عوف يصلي بالناس .

5653 - كما حدثنا الحسين بن نصر قال : سمعت يزيد بن [ ص: 328 ] هارون ، أخبرنا ابن عون ، عن عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه . وابن عون ، عن ابن سيرين يرفعه إلى المغيرة بن شعبة قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فلما كان من السحر أناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته ، ثم نزل فتوارى عني قدر ما يقضي الرجل حاجته ، ثم جاء فقال لي : أمعك ماء ؟ قلت : نعم ، إداوة أو سطيحة فيها ماء ، فصببت عليه ، فغسل وجهه وعليه جبة له شامية ، فذهب يخرج يده منها ، فضاق كما الجبة ، فأخرج يديه من تحت الجبة ، وربما رمى بالجبة عن يديه ، فغسل يديه ، ومسح عمامته ، ودلك الناصية بشيء ، ومسح على خفيه ، ثم ركبنا فأدرك في صلاة الغداة ، وعبد الرحمن بن عوف يؤمهم وقد صلى ركعة ، فذهبت لأوذنه فنهاني ، وصلينا خلفه ركعة ، وقضينا الركعة التي سبقنا بها [ ص: 329 ] [ ص: 330 ] .

5654 - وكما حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أزهر بن سعد السمان ، عن ابن عون ، عن الشعبي ، حدثني عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه ، قال : كنا في مسير ، فقرع النبي صلى الله عليه وسلم ظهري بعصا كانت معه ، فذهبت معه ، فعدل وعدلت معه فانطلقنا حتى أتينا ثنية من الأرض فنزل فانطلق حتى توارى عني ثم جاء فقال : أمعك ماء ؟ قال : ومعي سطيحة ماء ، فأفرغت منها على يديه ، فغسلهما ، وغسل وجهه ، ثم ذكر بقية الحديث ، فأدركنا عبد الرحمن بن عوف ، وقد أم الناس ، وصلى ركعة ، فذهبت لأؤذنه فمنعني ، وصلينا ما أدركنا وقضينا ما سبقنا .

أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة لما أراد أن يكون مأموما فيها قام مقام المأموم ، ولم يتجاور إلى جنب الإمام ، فدل ذلك : أن ما كان منه صلى الله عليه وسلم من جلوسه إلى جنب أبي بكر في الصلاة [ ص: 331 ] التي كان أبو بكر يؤم الناس فيها أراد بذلك أن يكون هو الإمام فيها .

وما في حديث مسروق عن عائشة ، وما في حديث أنس عن صلاة أبي بكر في مرضه ذلك ، فذلك عندنا - والله أعلم - في صلاة أخرى - والله أعلم - لأن في حديث ابن عباس ، وعائشة أن أبا بكر قد كان يصلي بالناس تلك الأيام ، فدل ذلك : أنه كان صلى بهم صلوات لها عدد ، فاحتمل أن يكون صلى بعضها خلف أبي بكر ، وبعضها بأبي بكر وبالناس حتى تتفق الآثار المروية في ذلك ، ولا يضاد شيء منها شيئا .

وإن فيما قد بينا من إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا والناس قيام كان أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وزفر ، ومحمد بن إدريس الشافعي رحمهم الله تعالى يذهبون إليه في إجازة إمامة القاعد الذي يركع ويسجد للقائمين الذين يركعون ويسجدون ; لأن القعود الذي فيه الركوع والسجود لما كان بدلا عن القيام كان البدل كالمبدل منه ، وكان فاعل البدل كفاعل المبدل ، فجاز أن يكون إماما لأهله هذا هو القياس في هذا الباب .

وقد كان مالك بن أنس ، ومحمد بن الحسن يذهبان في ذلك إلى أن لا يؤم قاعد قائما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويذهب إلى أن الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الصلاة خاصا ليس لأحد من أمته ذلك سواه ، وليس لأحد أن يخص شيئا كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بما يوجب له من توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عليه ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية