الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              5432 [ ص: 543 ] 49 - باب: هل يستخرج السحر؟

                                                                                                                                                                                                                              وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه.

                                                                                                                                                                                                                              5765 - حدثني عبد الله بن محمد قال: سمعت ابن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج يقول: حدثني آل عروة، عن عروة فسألت هشاما عنه، فحدثنا عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا. فقال: "يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم، رجل من بني زريق حليف ليهود، كان منافقا. قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة. قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر، تحت رعوفة، في بئر ذروان". قالت: فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - البئر حتى استخرجه فقال: "هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رءوس الشياطين". قال: فاستخرج، قالت: فقلت: أفلا؟ أي تنشرت. فقال: "أما والله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا". [انظر: 3175 - مسلم: 2189 - فتح 10 \ 232]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ثم ساق حديث عائشة - رضي الله عنها - في سحره - صلى الله عليه وسلم - بطوله.

                                                                                                                                                                                                                              ومعنى (طب) أي: سحر، كنوا به عنه، و(يؤخذ عن امرأته) مشدد الخاء، أي: يحبس عنها حتى لا يصل إلى جماعها، والأخذة - بضم الهمزة: رقية الساحر. وقوله: (أو ينشر) بفتح الشين مشددة، أي: يرقى; لأن النشير: الرقية. وقد سئل عن النشرة. فقيل: من عمل

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 544 ] الشيطان، وهي ضرب من الرقى والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن، وقال الحسن: إن النشرة من السحر ، وقد نشرت عنه تنشيرا، وفي الحديث: هلا تنشرت؟ ويأتي.

                                                                                                                                                                                                                              و(راعوفة) البئر وأرعوفتها: حجر ناتئ على رأسها لا يستطاع قلعه يقوم عليه المستقي، ويقال: هو في أسفلها. قاله ابن سيده ، وقدمه ابن بطال على الأول ، وقال أبو عبيد : هي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت تكون باقية هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي فوقها. وقيل: هو حجر ناتئ في بعض البئر صلبا لا يمكنهم حفره فيترك على حاله .

                                                                                                                                                                                                                              وقال الأزهري في "تهذيبه": عن شمر عن خالد: راعوفة البئر: النطافة، قال: وهي مثل عين على قدر جحر العقرب نيط في أعلى الركية، فيجاوزونها في الحفر خمس قيم فأكثر، فربما وجدوا ماء كثيرا تبجسه، قال شمر: من ذهب بالراعوفة إلى النطافة فكأنه أخذه من رعاف الأنف، وهو: سيلان دمه وقطرانه، ويقال ذلك سيلان الذنين، ومن ذهب بها إلى الحجر الذي يتقدم طي البئر على ما ذكر عن الأصمعي، فهو من رعف الرجل أو الفرس إذا تقدم وسبق، وكذلك استرعف .

                                                                                                                                                                                                                              وادعى (ابن التين) أرعوفة، وفي أكثر الروايات: رعوفة، وأن

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 545 ] عند الأصيلي: راعوفة، وهو ما رأيناه في الأصول، قال: والذي ذكر أهل اللغة أن فيها لغتين: راعوفة وأرعوفة بالضم، ثم حكى الاختلاف فيها هل هي صخرة في أسفل البئر إذا احتفرت يجلس عليها المنقي، سميت بذلك لتقدمها وبروزها من قولهم: جاء فلان يرعف الخيل أي: يتقدمها، أو في جنبه لا يقدر الحافر قلعها فيتركها؟.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              قال المهلب : وقع هنا فاستخرج السحر، ووقع في باب السحر: أفلا استخرجته، (فأمر بها) ، قال: ("قد عافاني الله") فدفنت، وهو اختلاف من الرواة، ومدار الحديث على هشام بن عروة، وأصحابه مختلفون في استخراجه، فأثبته سفيان في روايته من طريقين في هذا الباب، وأوقف سؤال عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النشرة، ونفى الاستخراج عيسى بن يونس، وأوقف سؤالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الاستخراج، ولم يذكر أنه جاوب عن الاستخراج بشيء، وحقق أبو أسامة جوابه - صلى الله عليه وسلم - إذ سألته عائشة عن استخراجه بلا. ولا ذكر النشرة، والزيادة من سفيان مقبولة; لأنه أثبتهم، وقوي ثبوت الاستخراج في حديثه لتكرره فيه مرتين، فبعد من الوهم فيما حقق من الاستخراج، وفي ذكره النشرة في جوابه - عليه السلام - مكان الاستخراج، وفيه وجه آخر يحتمل أن يحكم بالاستخراج لسفيان ويحكم لأبي أسامة بقوله: لا، على أنه استخرج الجف بالمشاقة، ولم يستخرج صورة ما في الجف من المشط وما ربط به; لئلا يراه الناس فيتعلمون إن أرادوا استعمال السحر، فهو عندهم مستخرج من البئر وغير مستخرج من الجف.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 546 ] فصل:

                                                                                                                                                                                                                              اختلف السلف هل يسأل الساحر عن حل السحر (عن المسحور) ، فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري، وكرهه الحسن البصري وقال: لا يعلم ذلك إلا ساحر، ولا يجوز إتيان الساحر; لما روى سفيان عن أبي إسحاق عن هبيرة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: من مشى إلى كاهن أو ساحر فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد .

                                                                                                                                                                                                                              قال الطبري: وليس ذلك عندي سواء، وذلك أن مسألة الساحر عقد السحر مسألة منه أن يضر من لا يحل ضره، وذلك حرام، وحل السحر عن المسحور نفع له، وقد أذن الله لذوي العلل في العلاج من غير حصر معالجتهم منها على صفة دون صفة، فسواء كان المعالج مسلما تقيا أو مشركا ساحرا، بعد أن يكون الذي يتعالج به غير محرم، وقد أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التعالج وأمر به أمته، فقال: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله" فسواء كان علم ذلك وحله عند ساحر أو غير ساحر، وأما معنى نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن إتيان السحرة فإنما ذلك على التصديق لهم فيما يقولون على علم ممن أتاهم بأنهم سحرة أو كهان، فأما من أتاهم لغير ذلك وهو عالم به وبحاله فليس بمنهي عنه ولا عن إتيانه.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 547 ] فصل:

                                                                                                                                                                                                                              اختلفوا في النشرة أيضا، فذكر عبد الرزاق، عن عقيل بن معقل عن همام بن منبه قال: سئل جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النشرة فقال: من عمل الشيطان.

                                                                                                                                                                                                                              وقال عبد الرزاق: قال الشعبي: لا بأس بالنشرة العربية التي لا تضر إذا وطئت، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وشماله من كل، ثم يدبغه ويقرأ فيه ثم يغتسل به، وفي كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي وذوات ( قل ) ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل عاهة إن شاء الله، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله ، وقولها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (أفلا). أي: تنشرت دال على جوازها كما قال الشعبي، وأنها كانت معروفة عندهم لمداواة السحر وشبهه، ويدل قوله: ("أما الله فقد شفاني") وتركه الإنكار على عائشة على جواز استعمالها لو لم يشفه الله، فلا معنى لقول من أنكرها.

                                                                                                                                                                                                                              وقال القزاز: النشرة: الرقية، وهي كالتعويذ وهو التنشير، وفي الحديث أنه قال: ("فلعل طبا أصابه")، يعني سحرا، ثم نشره ب قل أعوذ برب الناس أي رقاه. وقال الداودي : قولها (فهلا تنشرت)، تعني: يغتسل بماء أو يعوذ نفسه.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية