الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      القسم الثالث : أن يعلم المكلف بوجوبه عليه لكن لم يدخل وقته إما أن يكون موسعا كما لو قال : اقتلوا المشركين غدا ، ثم نسخ عنهم في ذلك اليوم ، أو يكون على الفور ، ثم ينسخ قبل التمكن من الفعل ، أو يؤمر بالعبادة مطلقا ، ثم ينسخ قبل مضي وقت التمكن من فعلها . فهاهنا اختلفوا ، فذهب الجمهور من أصحابنا وغيرهم إلى الجواز ، ونقله القاضي أبو الطيب ، وسليم عن أكثر أصحابنا ، ونقله ابن برهان عن الأشعرية وجماعة من الحنفية . ونقله غيرهم عن معتزلة البصرة ، قال القاضي في " التقريب " : وهو قول جميع أهل الحق . [ ص: 227 ] وذهب أكثر الحنفية كما قاله ابن السمعاني ، والحنابلة ، والمعتزلة ، ومنهم من قيده بمعتزلة بغداد ، إلى المنع . وقال إلكيا الطبري : إنه قول الفقهاء ، ولهذا حد النسخ باللفظ الدال على زوال مثل الحكم الثابت في المستقبل . قال وإنما منعه الأشاعرة . وقال القاضي عبد الوهاب : وهو قول شيوخنا المتكلمين . قال ابن برهان : وإليه ذهب الصيرفي وكثير من أصحابنا ، وعامة المعتزلة وقال صاحب " المصادر " : إنه الصحيح ، وهكذا حكى القاضي أبو الطيب ، وابن السمعاني المنع عن الصيرفي . ونقل صاحب " الكبريت الأحمر " عن الصيرفي الجواز ، وهو الذي رأيته في كتابه . قال : وهو مذهب أبي بكر الدقاق ، وعليه مشايخ ما وراء النهر . وذكر البزدوي أن التمكن من أداء العبادة ليس بشرط في نسخها ، وإنما المشروط هو التمكن من العزم . وقال صاحب " اللباب " : اختلفوا في التمكن من الفعل ، هل هو شرط لجواز النسخ ؟ قال بعض المحققين من أصحابنا مثل : أبي بكر الجصاص ، والقاضي أبي زيد ، وغيرهما ، وعامة المعتزلة : إنه شرط . وقال بعض مشايخنا ، وعامة أصحاب الشافعي : ليس بشرط ، حتى لو كان الأمر معلقا بوقت جاز نسخه قبل مجيء الوقت . وكذلك إذا كان منجزا غير معلق ، لكن لما لم يتمكن من الامتثال به فيه وقع الخلاف . وأجمعوا على أن التمكن من الاعتقاد شرط . ا هـ .

                                                      وقال شمس الأئمة السرخسي : شرط جواز النسخ عندنا التمكن من عقد القلب ، وأما الفعل والتمكن منه فليس بشرط ، وعند المعتزلة التمكن من الفعل شرط . قال القاضي في " التقريب " : قال أهل الحق : لا نسخ على [ ص: 228 ] الحقيقة إلا قبل دخول الوقت . قال : واختلف المجوزون لنسخ الشيء قبل وقته ، فقيل : يجوز مطلقا ، وله أن ينهى عن نفس ما أمر به قبل دخول وقته . وقيل : إنما يجوز بشرط أن ينهى على غير الوجه المأمور بإيقاعه عليه ، فلا يجوز أن ينهى عنه في ذلك الوقت على ذلك الوجه الذي تناوله الأمر عليه . واختلفوا في وجه المغايرة على طرق : إنما يؤمر بالفعل بشرط بقاء الأمر ، فإذا نهي عنه قبل وقته زال الأمر به ، فصار لذلك مأمورا به على وجه ، ومنهيا عن إيقاعه على غير الوجه الذي تناوله الأمر . وقيل : إنما يؤمر بالفعل في الوقت مع انتفاء النهي عنه بدل الأول مع بقاء الأمر . وقيل : إنما يؤمر بالفعل بشرط أن لا يمنع منه . وقيل : بشرط أن يختاره المكلف ويعزم عليه ، فإذا نهى عنه فإنما ذلك لعلمه بأنه لا يختاره ، ثم قال القاضي : والمختار عدم القول بالحاجة إلى شيء من ذلك . قال بعضهم : وحاصل الخلاف يرجع إلى أن الأمر قبل التمكن هل هو ثابت موجود بالفعل فيصح نسخه ، أو غير ثابت فلا يصح ، كما تقدم في مسألة خطاب الكفار بالفروع ؟ واستشكل بعضهم فائدة الأمر على تقدير تجويز النسخ ، وأجيب بأن فائدته اعتقاد الوجوب ; لأن ما يجب لله يكون على محض الابتلاء ، ويتحقق الابتلاء في التكليف باعتقاد الوجوب . .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية