الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم الآيات .

                                                                                                                                                                                                                                      - أخرج عبد بن حميد ، وخشيش بن أصرم في "الاستقامة" ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن ابن عباس في قوله [ ص: 650 ] وإذ أخذ ربك من بني آدم الآية . قال : خلق الله آدم ، وأخذ ميثاقه أنه ربه ، وكتب أجله ورزقه ومصيبته ، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر ، فأخذ مواثيقهم أنه ربهم ، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم الآية ، قال : لما خلق الله آدم أخذ ذريته من ظهره كهيئة الذر ثم سماهم بأسمائهم ، فقال : هذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا ، وهذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا . ثم أخذ بيده قبضتين ، فقال : هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، واللاكائي في "السنة" ، عن ابن عباس في قوله : وإذ أخذ ربك الآية ، قال : إن الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر ، فقال لهم : من ربكم ؟ فقالوا : الله ربنا ، ثم أعادهم في صلبه حتى يولد كل من أخذ ميثاقه ، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 651 ] وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابن عباس قال : لما أهبط آدم عليه السلام حين أهبط بدحناء ، فمسح الله ظهره فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، ثم قال : ألست بربكم قالوا بلى ، فيومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد الرزاق ، وابن المنذر ، عن ابن عباس في الآية قال : مسح الله على صلب آدم فأخرج من صلبه ما يكون من ذريته إلى يوم القيامة وأخذ ميثاقهم أنه ربهم وأعطوه ذلك فلا يسأل أحد ؛ كافر ولا غيره من ربك؟ إلا قال : الله .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ واللالكائي في "السنة" ، عن عبد الله بن عمرو في قوله : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم " قال : أخذهم من ظهورهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس [ ص: 652 ] وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن منده في كتاب "الرد على الجهمية"، وأبو الشيخ ، عن ابن عباس في الآية قال : أخرج ذريته من صلبه كأنهم الذر في آذي من الماء .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، عن ابن عباس في الآية قال : إن الله ضرب بيمينه على منكب آدم ، فخرج منه مثل اللؤلؤ في كفه فقال : هذا للجنة . وضرب بيده الأخرى على منكبه الشمال، فخرج منه سود مثل الحمم ، فقال : هذا ذرء النار ، قال : وهي هذه الآية : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس [الأعراف : 179] .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن ابن عباس في الآية قال : مسح الله ظهر آدم وهو ببطن نعمان ؛ واد إلى جنب عرفة، فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، ثم أخذ عليهم الميثاق وتلا : " أن يقولوا يوم القيامة " . هكذا قرأها : " يقولوا " بالياء .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 653 ] وأخرج أبو الشيخ ، عن عبد الكريم بن أبي أمية قال : أخرجوا من ظهره مثل طريق النمل .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير ، وأبو الشيخ ، عن محمد بن كعب قال : أقروا له بالإيمان والمعرفة الأرواح قبل أن تخلق أجسادها .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي شيبة ، عن محمد بن كعب قال : خلق الله الأرواح قبل أن يخلق الأجساد فأخذ ميثاقهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن عبد البر في "التمهيد" من طريق السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وناس من الصحابة في قوله تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم قالوا : لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى ، فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال لهم : ادخلوا الجنة برحمتي . ومسح صفحة ظهره اليسرى ، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر ، فقال : ادخلوا النار ولا أبالي . فذلك قوله : وأصحاب اليمين [ الواقعة : 27] . [ ص: 654 ] وأصحاب الشمال [ الواقعة : 41] . ثم أخذ منهم الميثاق فقال : ألست بربكم قالوا بلى . فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية ، فقال هو والملائكة : شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل . قالوا : فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه ، وذلك قوله عز وجل : وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها [آل عمران : 83 ] . وذلك قوله : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين [الأنعام : 149 ] . يعني يوم أخذ الميثاق .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير ، عن أبي محمد رجل من أهل المدينة قال : سألت عمر بن الخطاب عن قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم . قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم كما سألتني ، فقال : "خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه ، ثم أجلسه فمسح ظهره بيده اليمنى فأخرج ذرءا ، فقال : ذرء ذرأتهم للجنة . ثم مسح ظهره بيده الأخرى - وكلتا يديه يمين - فقال : ذرء ذرأتهم للنار يعملون فيما شئت من عمل ، ثم أختم بأسوأ أعمالهم فأدخلهم النار" .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 655 ] وأخرج عبد بن حميد ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في "زوائد المسند" ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن منده في كتاب "الرد على الجهمية" ، واللالكائي ، وابن مردويه ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ، والضياء في "المختارة" ، وابن عساكر في "تاريخه" ، عن أبي بن كعب في قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم . إلى قوله : بما فعل المبطلون قال : جمعهم جميعا فجعلهم أرواحا في صورهم ، ثم استنطقهم فتكلموا ، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا : بلى . قال : فإني أشهد عليكم السماوات السبع وأشهد عليكم أباكمآدم ؛ أن تقولوا يوم القيامة : إنا لم نعلم بهذا . اعلموا أنه لا إله غيري ، ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئا، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي ، وأنزل عليكم كتبي . قالوا : شهدنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك . فأقروا، ورفع عليهم آدم ينظر إليهم ، فرأى الغني والفقير وحسن الصورة، ودون ذلك ، فقال : يا رب لولا سويت بين عبادك؟ قال : إني أحببت أن أشكر . ورأى الأنبياء فيهم مثل السرج ، عليهم النور، [ ص: 656 ] وخصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة أن يبلغوا؛ وهو قوله : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم الآية [الأحزاب : 7] ، وهو قوله : فطرت الله التي فطر الناس عليها [الروم : 30] : وفي ذلك قال : وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين [الأعراف : 102] . وفي ذلك قال فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل [يونس : 74] قال : فكان في علم الله يومئذ من يكذب به ومن يصدق به ، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم ، فأرسله الله إلى مريم في صورة بشر، فتمثل لها بشرا سويا [مريم : 17] ، قال أبي : فدخل من فيها .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج مالك في "الموطأ" وأحمد ، وعبد بن حميد ، والبخاري في "تاريخه" ، وأبو داود ، والترمذي ، وحسنه ، والنسائي ، وخشيش بن أصرم في "الاستقامة" وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، والآجري في "الشريعة" ، وأبو الشيخ ، والحاكم ، وابن مردويه، واللالكائي ، والبيهقي في [ ص: 657 ] "الأسماء والصفات" ، والضياء في "المختارة" عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم الآية ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال : "إن الله خلق آدم ، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للنار ، وبعمل أهل النار يعملون "، فقال الرجل : يا رسول الله ، ففيم العمل؟ فقال : "إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أحمد ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن مردويه ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة ، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها ، فنثرها بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا قال : ألست بربكم قالوا بلى شهدنا [ ص: 658 ] إلى قوله المبطلون .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير ، وابن منده في كتاب "الرد على الجهمية" ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم قال : أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس ، فقال لهم : ألست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة : (شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين )" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن منده ، وأبو الشيخ في "العظمة" ، وابن عساكر ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله لما خلق آدم مسح ظهره ، فخرت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، ونزع ضلعا من أضلاعه ، فخلق منه حواء ، ثم أخذ عليهم العهد : ألست بربكم قالوا بلى . ثم اختلس كل نسمة من بني آدم بنوره في وجهه وجعل فيه البلوى الذي [ ص: 659 ] كتب أنه يبتليه بها في الدنيا من الأسقام ، ثم عرضهم على آدم فقال : يا آدم هؤلاء ذريتك ، وإذا فيهم الأجذم ، والأبرص ، والأعمى ، وأنواع الأسقام فقال آدم : يا رب لم فعلت هذا بذريتي قال : كي تشكر نعمتي ، وقال آدم : يا رب من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نورا ؟ قال : هؤلاء الأنبياء من ذريتك ، قال : من هذا الذي أراه أظهرهم نورا ؟ قال : هذا داود ، يكون في آخر الأمم ، قال : يا رب كم جعلت عمره ؟ قال : ستين سنة ، قال : يا رب كم جعلت عمري ؟ قال : كذا وكذا ، قال : يا رب فزده من عمري أربعين سنة حتى يكون عمره مائة سنة ، قال : أتفعل يا آدم قال : نعم يا رب ، قال : فيكتب ويختم ، إنا كتبنا وختمنا ولم نغير ، قال : فافعل أي رب " ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فلما جاء ملك الموت إلى آدم ليقبض روحه قال : ماذا تريد يا ملك الموت؟ قال : أريد قبض روحك ، قال : ألم يبق من أجلي أربعون سنة ؟ قال : أولم تعطها ابنك داود ؟ قال : لا " . قال : فكان أبو هريرة يقول : نسي آدم ونسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته [ ص: 660 ] وأخرج ابن جرير ، عن جويبر قال : مات ابن للضحاك بن مزاحم -ابن ستة أيام- فقال : إذا وضعت ابني في لحده، فأبرز وجهه وحل عقده ، فإن ابني مجلس ومسؤول ، فقلت : عم يسأل ؟ قال : عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم ، حدثني ابن عباس أن الله مسح صلب آدم ، فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وتكفل لهم بالأرزاق ، ثم أعادهم في صلبه ، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول ، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول ، ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول ؛ على الفطرة .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، عن سلمان قال : إن الله لما خلق آدم مسح ظهره ، فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة ، فكتب الآجال ، والأرزاق ، والأعمال ، والشقوة ، والسعادة ، فمن علم السعادة فعل الخير ، ومجالس الخير ، ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، والطبراني ، وأبو الشيخ في "العظمة" ، وابن مردويه ، عن أبي أمامة ، أن [ ص: 661 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "خلق الله الخلق وقضى القضية ، وأخذ ميثاق النبيين ، وعرشه على الماء ، فأخذ أهل اليمين بيمينه ، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى - وكلتا يدي الرحمن يمين - فقال : يا أصحاب اليمين . فاستجابوا له فقالوا : لبيك ربنا وسعديك . قال : ألست بربكم قالوا : بلى قال : يا أصحاب الشمال ، فاستجابوا له فقالوا : لبيك ربنا وسعديك ، قال : ألست بربكم قالوا بلى فخلط بعضهم ببعض، فقال قائل منهم : رب لم خلطت بيننا؟ قال : ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون [المؤمنون : 63 ] . (أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) . ثم ردهم في صلب آدم ، فأهل الجنة أهلها ، وأهل النار أهلها " ، فقال قائل : يا رسول الله ، فما الأعمال ؟ قال : "يعمل كل قوم لمنازلهم " ، فقال عمر بن الخطاب : إذن نجتهد .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله آدم مسح ظهره ، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كل إنسان منهم [ ص: 662 ] وبيصا من نور ، ثم عرضهم على آدم ، فقال : أي رب من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريتك ، فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه ، فقال : أي رب ، من هذا ؟ فقال : هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك ، يقال له : داود . قال : أي رب ، وكم جعلت عمره ؟ قال : ستين سنة ، قال : أي رب، زده من عمري أربعين سنة ، فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت ، فقال : أولم يبق من عمري أربعون سنة ؟ قال : أولم تعطها ابنك داود ؟ قال : فجحد آدم فجحدت ذريته ، ونسي فنسيت ذريته" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن أبي الدنيا في "الشكر" ، وأبو الشيخ ، والبيهقي في "الشعب" ، عن الحسن قال : لما خلق الله آدم عليه السلام وأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى، وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى ، فدبوا على وجه الأرض ؛ منهم الأعمى ، والأصم والأبرص ، والمقعد ، والمبتلى بأنواع البلاء ، فقال آدم : يا رب ألا سويت بين ولدي ، قال : يا آدم ، إني أردت أن أشكر ، ثم [ ص: 663 ] ردهم في صلبه .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، والبيهقي في "الشعب" ، عن قتادة ، والحسن ، قالا : لما عرضت على آدم ذريته ، فرأى فضل بعضهم على بعض قال : أي رب ، أفهلا سويت بينهم ؟ قال : إني أحب أن أشكر ، يرى ذو الفضل فضله فيحمدني ويشكرني .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أحمد في "الزهد" ، عن بكر ، مثله .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير ، والبزار ، والطبراني ، والآجري في "الشريعة" ، وابن مردويه ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ، عن هشام بن حكيم ، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتبتدأ الأعمال أم قد قضي القضاء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله أخذ ذرية آدم من ظهورهم ، ثم أشهدهم على أنفسهم ، ثم أفاض بهم في كفيه ، فقال : هؤلاء في الجنة ، وهؤلاء في النار . [ ص: 664 ] فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الطبراني ، ، وابن مردويه ، عن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه حتى ملئوا الأرض ، وكانوا هكذا " فضم إحدى يديه على الأخرى .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" ، وابن مردويه ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "سألت ربي فأعطاني أولاد المشركين خدما لأهل الجنة ؛ وذلك [178 ظ] أنهم لم يدركوا ما أدرك آباؤهم من الشرك ، وهم في الميثاق الأول" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أحمد ، والبخاري ، ومسلم ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء ، أكنت مفتديا به؟ فيقول : نعم ، فيقول : قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم ألا تشرك بي، فأبيت إلا أن تشرك بي" .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 665 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، عن علي بن حسين ، أنه كان يعزل ، ويتأول هذه الآية : (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ) .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج سعيد بن منصور ، وابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العزل فقال : "لا عليكم ألا تفعلوا ؛ إن يكن مما أخذ الله منها الميثاق فكانت على صخرة نفخ فيها الروح" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أحمد ، وابن أبي حاتم ، عن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن العزل فقال : " لو أن الماء الذي يكون منه الولد صب على صخرة لأخرج الله منها ما قدر ؛ ليخلق الله نفسا هو خالقها" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد الرزاق ، عن ابن مسعود ، أنه سئل عن العزل فقال : "لو أخذ الله ميثاق نسمة من صلب رجل ، ثم أفرغه على صفا لأخرجه من ذلك الصفا ؛ فإن شئت فاعزل ، وإن شئت فلا تعزل .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد الرزاق ، عن إبراهيم النخعي قال : كانوا يقولون : إن النطفة التي [ ص: 666 ] قضى الله فيها الولد لو وقعت على صخرة لخرج منها الولد .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد الرزاق في "المصنف"، وأبو الشيخ ، عن فاطمة بنت حسين قالت : لما أخذ الله الميثاق من بني آدم ، جعله في الركن ، فمن الوفاء بعهد الله استلام الحجر .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أبو الشيخ ، عن جعفر بن محمد قال : كنت مع أبي؛ محمد بن علي فقال له رجل : يا أبا جعفر ، ما بدء خلق هذا الركن ؟ فقال : إن الله لما خلق الخلق قال لبني آدم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى فأقروا ، وأجرى نهرا أحلى من العسل ، وألين من الزبد ، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر ، فكتب إقرارهم ، وما هو كائن إلى يوم القيامة ، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر ، فهذا الاستلام الذي ترى إنما هو بيعة على إقرارهم الذي كانوا أقروا به .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير ، وأبو الشيخ ، عن ابن عباس قال : ضرب الله متن آدم ، فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية ، فقال : هؤلاء أهل [ ص: 667 ] الجنة . وخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء ، فقال : هؤلاء أهل النار . أمثال الخردل في صور الذر ، فقال : يا عباد الله ، أجيبوا الله ، يا عباد الله ، أطيعوا الله ، قالوا : لبيك أطعناك ، اللهم أطعناك ، اللهم أطعناك . وهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك : لبيك اللهم لبيك ، فأخذ عليهم العهد بالإيمان به ، والإقرار والمعرفة بالله وأمره .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الجندي في "فضائل مكة"، وأبو الحسن القطان في "الطوالات" ، والحاكم ، والبيهقي في "شعب الإيمان" وضعفه ، عن أبي سعيد الخدري قال : حججنا مع عمر بن الخطاب ، فلما دخل الطواف استقبل الحجر ، فقال : إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك ، ثم قبله ، فقال له علي بن أبي طالب : يا أمير المؤمنين ، إنه يضر وينفع ، قال : بم ؟ قال : بكتاب الله عز وجل ، قال : وأين ذلك من كتاب الله ؟ قال : قال الله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم [ ص: 668 ] إلى قوله : بلى . خلق الله آدم ، ومسح على ظهره ، فقررهم بأنه الرب ، وأنهم العبيد ، وأخذ عهودهم ومواثيقهم ، وكتب ذلك في رق ، وكان لهذا الحجر عينان ولسان ، فقال له : افتح فاك ، ففتح فاه فألقمه ذلك الرق ، فقال : اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة ، وإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود ، وله لسان ذلق ، يشهد لمن يستلمه بالتوحيد " ، فهو يا أمير المؤمنين ، يضر وينفع ، فقال عمر : أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أبو الشيخ ، عن ابن عباس في قوله : وإذ أخذ ربك الآية ، قال : أخذهم في كفه كأنهم الخردل ؛ الأولين والآخرين فقلبهم في يده مرتين أو ثلاثا ، يرفع يده ويطأطئها ما شاء الله من ذلك ، ثم ردهم في أصلاب آبائهم ، حتى أخرجهم قرنا بعد قرن ، ثم قال بعد ذلك : وما وجدنا لأكثرهم من عهد الآية [ ص: 669 ] [الأعراف : 102 ] ، ثم نزل بعد ذلك : واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به [المائدة : 7] .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج البيهقي في "الأسماء والصفات" ، عن عبد الله بن عمرو قال : لما خلق الله آدم نفضه نفض المزود ، فخر منه مثل النغف ، فقبض منه قبضتين ، فقال لما في اليمين : في الجنة ، وقال لما في الأخرى : "في النار" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن سعد ، وأحمد ، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ، ثم أخذ الخلق من ظهره ، فقال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي " ، فقال رجل : يا رسول الله ، فعلى ماذا نعمل ؟ قال : على مواقع القدر" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أحمد ، والبزار ، والطبراني ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "خلق الله آدم حين خلقه ، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء [ ص: 670 ] كأنهم الذر ، وضرب كتفه اليسرى ، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحممة ، فقال للذي في يمينه : إلى الجنة ولا أبالي ، وقال للذي في كتفه اليسرى : إلى النار ولا أبالي" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج البزار ، وخشيش في "الاستقامة" ، والطبراني ، والآجري ، وابن مردويه ، عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله جل ذكره يوم خلق آدم قبض من صلبه قبضتين ، فوقع كل طيب في يمينه وكل خبيث بيده الأخرى ، فقال : هؤلاء أصحاب الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء أصحاب النار ولا أبالي ، ثم أعادهم في صلب آدم ، فهم ينسلون على ذلك إلى الآن" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج البزار ، والطبراني ، وابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في القبضتين : "هذه في الجنة ولا أبالي" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج البزار ، والطبراني ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في [ ص: 671 ] القبضتين : "هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه "، قال : فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" والآجري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما خلق الله آدم ضرب بيده على شق آدم الأيمن ، فأخرج ذروا كالذر ، فقال : يا آدم ، هؤلاء ذريتك من أهل الجنة ، ثم ضرب بيده على شق آدم الأيسر ، فأخرج ذروا كالحمم ، ثم قال : هؤلاء ذريتك من أهل النار" .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج أحمد ، عن أبي نضرة ، أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له : أبو عبد الله . دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي ، فقالوا له : ما يبكيك؟ قال : سمعت رسول الله يقول : "إن الله قبض بيمينه قبضة ، وأخرى باليد الأخرى ، فقال : هذه لهذه ، وهذه لهذه ، ولا أبالي" ، فلا أدري في أي القبضتين أنا .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن مردويه ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله قبض قبضة فقال : للجنة برحمتي ، وقبض قبضة فقال : إلى النار ولا أبالي" .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 672 ] وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن الضحاك قال : إن الله أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى يوم القيامة ، فأخرجهم مثل الذر ، ثم قال : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى . قالت الملائكة : شهدنا ، ثم قبض قبضة بيمينه فقال : هؤلاء في الجنة ، ثم قبض قبضة أخرى فقال : هؤلاء في النار ولا أبالي .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن المنذر ، وأبو الشيخ ، عن ابن جريج في قوله : ( أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) ، قال : عن الميثاق الذي أخذ عليهم : ( أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل) . فلا يستطيع أحد من خلق الله من الذرية ( أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا) ، ونقضوا الميثاق ، وكنا نحن ذرية من بعدهم ، أفتهلكنا بذنوب آبائنا وبما فعل المبطلون ؟ .

                                                                                                                                                                                                                                      -

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية