الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب القسامة

( قال : رحمه الله ) وإذا وجد الرجل قتيلا في محلة قوم فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلا بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، ثم يغرمون الدية . بلغنا هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا أحاديث مشهورة منها حديث سهل بن أبي حثمة { أن عبد الله بن سهل وعبد الرحمن بن سهل [ ص: 107 ] وحويصة ومحيصة خرجوا في التجارة إلى خيبر وتفرقوا بحوائجهم فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلا في قليب من قلب خيبر يتشحط في دمه فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبروه فأراد عبد الرحمن ، وهو أخو القتيل أن يتكلم فقال عليه الصلاة والسلام الكبر الكبر ، فتكلم أحد عميه حويصة ومحيصة ، وهو الأكبر منهما وأخبره بذلك ، قال : ومن قتله قالوا : ومن يقتله سوى اليهود قال : تبركم اليهود بأيمانها ، فقالوا : لا نرضى بأيمان قوم كفار لا يبالون ما حلفوا عليه قال : عليه السلام أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم ، فقالوا : كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة } . وذكر الزهري عن سعيد بن المسيب { أن القسامة كانت من أحكام الجاهلية فقررها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتيل من الأنصار وجد في حي ليهود } وذكر الحديث إلى أن قال : فألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود الدية والقسامة وفي رواية { فكتب إليهم إما أن يدوه ، أو يأذنوا بحرب من الله ورسوله } . وذكر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل خيبر إن هذا قتيل وجد بين أظهركم فما الذي يخرجه عنكم فكتبوا إليه إن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل فأنزل الله على موسى عليه السلام أمرا ، فإن كنت نبيا فاسأل الله مثل ذلك فكتب إليهم أن الله تعالى أراني أن أختار منكم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، ثم يغرمون الدية قالوا : لقد قضيت فينا بالناموس يعني بالوحي }

وروى حنيف عن زياد بن أبي مريم قال : { جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني وجدت أخي قتيلا في بني فلان فقال : اختر من شيوخهم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا قال : وليس لي من أخي إلا هذا قال : نعم ومائة من الإبل } وفي الحديث أن رجلا وجد بين وداعة وأرحب وكان إلى وداعة أقرب فقضى عليهم عمر رضي الله عنه بالقسامة ، والدية فقال حارث بن الأصبع الوادعي : يا أمير المؤمنين لا أيماننا تدفع عن أموالنا ولا أموالنا تدفع عن أيماننا فقال : حقنتم دماءكم بأيمانكم وأغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم فهذه الآثار تدل على ثبوت حكم القسامة ، والدية في القتيل الموجود في المحلة على أهلها ونوع من المعنى يدل عليه أيضا ، وهو أن الظاهر أن القاتل منهم ; لأن الإنسان قلما يأتي من محلة إلى محلة ; ليقتل مختارا فيها ، وإنما تمكن القاتل منهم من هذا الفعل بقوتهم ونصرتهم فكانوا كالعاقلة فأوجب الشرع الدية عليهم صيانة لدم المقتول عن [ ص: 108 ] الهدر وأوجب القسامة عليهم لرجاء أن يظهر القاتل بهذا الطريق فيتخلص غير الجاني إذا ظهر الجاني ; ولهذا يستحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، ثم على أهل كل محلة حفظ محلهم عن مثل هذه الفتنة ; لأن التدبير في محلتهم إليهم فإنما وقعت هذه الحادثة لتفريط كان منهم في الحفظ حين تغافلوا عن الأخذ على أيدي السفهاء منهم ، أو من غيرهم فأوجب الشرع القسامة والدية عليهم لذلك ، ووجوب القسامة والدية على أهل المحلة مذهب علمائنا وقال مالك رضي الله عنه إذا كان بين أهل القتيل وأهل المحلة عداوة ظاهرة ولوث وتأثيره وكان العهد قريبا بدخوله في محلتهم إلى أن وجد قتيلا يؤمر الولي بأن يعين القاتل منهم باعتبار اللوث ، وتفسير اللوث : أن يكون عليه علامة القاتلين أو يكون هو مشهورا بعداوته ، ثم يحلف الولي خمسين يمينا بالله أنه قتله ، فإذا حلف اقتص له من القاتل ، وهو قول الشافعي في القديم وقال في الجديد : فإذا حلف قضي له بالدية في ماله ، وإذا انعدمت هذه المعاني أو أبى الولي أن يحلف ، فالحكم فيه ما هو الحكم في سائر الدعاوى واحتج مالك رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث سهل بن أبي حثمة { أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم . وفي رواية تحلفون وتستحقون . } وهذا تنصيص على أن اليمين على الولي ، وأنه يستحق القصاص .

وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قضى بالقود في القسامة } وقضى به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وعن بعض الصحابة قال : قتلنا قاتل ولينا في القسامة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا حجة سوى اللوث وفي الحديث المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر إلا في القسامة } ففي هذا الاستثناء تنصيص على أن في القسامة اليمين على المدعي ، فإذا حلف ترجح معنى الصدق في جانبه فيستحق المدعى ، وهو القود ، ثم قال الشافعي رضي الله عنه نرجح جانبه ، ولكن بحجة فيها ضرب شبهة ، والقصاص عقوبة يندرئ بالشبهة فيجب المال وهذا ; لأن اليمين حجة من يشهد له الظاهر كما في سائر الدعاوى فإن الظاهر يشهد للمدعى عليه ; لأن الأصل براءة ذمته فأما في القسامة ، فالظاهر يشهد للمدعي عند قيام اللوث وقرب العهد فيكون اليمين حجة له وحجتنا ما روينا من الآثار المشهورة وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { لو أعطي الناس بدعواهم } الحديث .

وقد بينا في كتاب الدعوى أن اليمين ليست بحجة صالحة لاستحقاق فلس بها فكيف تكون حجة لاستحقاق نفس خصوصا في موضع يتيقن بأن الحالف مجازف يحلف على ما لم يعاينه بحال محتمل في نفسه ، وهو اللوث ، وإنما اليمين مشروعة لإبقاء ما كان على ما كان فلا [ ص: 109 ] يستحق بها ما لم يكن مستحقا ، فأما قوله أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم فلا تكاد تصح هذه الزيادة ، وقد قال جماعة من أهل الحديث ، أوهم سهل بن أبي حثمة ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم } ولو ثبت فإنما قال ذلك على طريق الإنكار عليهم لا على طريق الأمر لهم بذلك فإنه لو كان على سبيل الأمر لكان يقول أتحلفون فتستحقون دم صاحبكم فأما قوله أتحلفون وتستحقون فعلى سبيل الإنكار كقوله تعالى { أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } الآية ، وكذلك قوله تحلفون معناه أتحلفون كقوله { تريدون عرض الدنيا } معناه أتريدون وكان عليه الصلاة والسلام رأى منهم الرغبة في حكم الجاهلية حين أبوا أيمان اليهود وبقولهم : لا نرضى بيمين قوم كفار . فقال ذلك على سبيل الزجر فلما عرفوا كراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك رغبوا عنه بقولهم : كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد ، ثم يحتمل أن يكون اليهود ادعوا عليهم بنقل القتيل من محلة أخرى إلى محلتهم فصاروا مدعى عليهم ; فلهذا عرض عليهم اليمين ، والحديث الآخر لا يكاد يصح لما روي عن أيوب مولى أبي قلابة قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز وعنده رؤساء الناس فخوصم إليه في قتيل وجد في محلة وأبو قلابة جالس عند السرير أو خلف السرير فقال الناس قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقود في القسامة وأبو بكر وعمر ، والخلفاء بعدهم فنظر إلى أبي قلابة ، وهو ساكت فقال : ما تقول قال : عندك رؤساء الناس وأشراف العرب أرأيتم لو شهد ثم رجلان من أهل دمشق على رجل من أهل حمص أنه سرق ولم يرياه أكنت تقطعه فقال : لا قال : أرأيتم لو شهد أربعة من أهل حمص على رجل من أهل دمشق أنه زنى ولم يروه أكنت ترجمه فقال : لا فقال : والله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسا بغير نفس إلا رجلا كفر بالله بعد إيمانه ، أو زنى بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس ، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة ، والدية على أهل خيبر في قتيل وجد بين أظهرهم فانقاد عمر بن عبد العزيز لذلك وهذا ; لأن أمراء بني أمية كانوا يقضون بالقود في القسامة على ما روي عن الزهري قال : القود في القسامة من أمور الجاهلية أول من قضى به معاوية ; فلهذا بالغ أبو قلابة في إنكار ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم إلا في القسامة يعني الأيمان مكررة في القسامة بخلاف سائر الدعاوى معناه لا تنقطع الخصومة باليمين في القسامة ، بل يقضى بالدية بعدها بخلاف سائر الدعاوى ، ثم إنما يقضى بالدية على عاقلة أهل المحلة في ثلاث سنين ; لأن حالهم هنا دون حال من باشر القتل خطأ [ ص: 110 ] وإذا كانت الدية هناك على عاقلته في ثلاث سنين فهاهنا أولى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث