الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

غزوة الفتح

9739 عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عثمان الجزري ، عن مقسم قال معمر : وكان يقال لعثمان الجزري المشاهد عن مقسم مولى ابن عباس قال : لما كانت المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش زمن الحديبية وكانت سنين ذكر أنها كانت حرب بين بني بكر وهم حلفاء قريش ، وبين خزاعة وهم حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعانت قريش حلفاءه على خزاعة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " والذي نفسي بيده لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي وأهل بيتي " وأخذ في الجهاز إليهم ، فبلغ ذلك قريشا فقالوا لأبي سفيان : ما تصنع وهذه الجيوش تجهز إلينا ؟ انطلق فجدد بيننا وبين محمد كتابا ، وذلك مقدمه من الشام فخرج أبو سفيان حتى قدم المدينة ، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هلم فلنجدد بيننا وبينك كتابا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فنحن على أمرنا الذي كان ، وهل أحدثتم من حدث ؟ " فقال أبو سفيان : لا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فنحن على [ ص: 375 ] أمرنا الذي كان بيننا " ، فجاء علي بن أبي طالب فقال : هل لك على أن تسود العرب ، وتمن على قومك فتجيرهم ، وتجدد لهم كتابا ؟ فقال : ما كنت لأفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ، ثم دخل على فاطمة فقال : هل لك أن تكوني خير سخلة في العرب ؟ أن تجيري بين الناس ، فقد أجارت أختك على رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها أبا العاص بن الربيع فلم يغير ذلك ، فقالت فاطمة : ما كنت لأفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ، ثم قال ذلك للحسن والحسين : أجيرا بين الناس قولا : نعم ، فلم يقولا شيئا ، ونظرا إلى أمهما وقالا : نقول ما قالت أمنا ، فلم ينجح من واحد منهم ما طلب ، فخرج حتى قدم على قريش فقالوا : ماذا جئت به ؟ قال : جئتكم من عند قوم قلوبهم على قلب واحد ، والله ما تركت منهم صغيرا ولا كبيرا ، ولا أنثى ، ولا ذكرا ، إلا كلمته ، فلم أنجح منهم شيئا قالوا : ما صنعت شيئا ارجع فرجع وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قريشا ، حتى إذا كان ببعض الطريق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لناس من الأنصار : " انظروا أبا سفيان فإنكم ستجدونه " ، فنظروه فوجدوه ، فلما دخل العسكر جعل المسلمون يجأونه ، ويسرعون إليه ، فنادى : [ ص: 376 ] يا محمد إني لمقتول ، فأمر بي إلى العباس ، وكان العباس له خدنا وصديقا في الجاهلية ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم إلى العباس ، فبات عنده ، فلما كان عند صلاة الصبح ، وأذن المؤذن ، تحرك الناس ، فظن أنهم يريدونه قال : يا عباس ما شأن الناس ؟ قال : تحركوا للمنادي للصلاة قال : فكل هؤلاء إنما تحركوا لمنادي محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم قال : فقام العباس للصلاة وقام معه ، فلما فرغوا قال : يا عباس ما يصنع محمد شيئا إلا صنعوا مثله ؟ قال : نعم ، ولو أمرهم أن يتركوا الطعام والشراب حتى يموتوا جوعا لفعلوا ، وإني لأراهم سيهلكون قومك غدا ، قال يا عباس فادخل بنا عليه فدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم ، وعمر بن الخطاب خلف القبة ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الإسلام ، فقال أبو سفيان : كيف أصنع بالعزى ؟ فقال عمر من خلف القبة : تخرأ عليها فقال : وأبيك إنك لفاحش ، وإني لم آتك يا ابن الخطاب إنما جئت لابن عمي ، وإياه أكلم قال : فقال العباس : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل من أشراف قومنا ، وذوي أسنانهم ، وأنا أحب أن تجعل له شيئا يعرف ذلك له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " قال : فقال أبو سفيان : أداري ؟ أداري ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم ، ومن وضع سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن " ، فانطلق مع العباس حتى إذا كان ببعض الطريق فخاف منه العباس بعض الغدر فجلسه على أكمة حتى مرت به [ ص: 377 ] الجنود قال : فمرت به كبكبة فقال : من هؤلاء يا عباس ؟ فقال : هذا الزبير بن العوام على المجنبة اليمنى قال : ثم مرت كبكبة أخرى فقال : من هؤلاء يا عباس ؟ قال : هم قضاعة وعليهم أبو عبيدة بن الجراح قال : ثم مرت به كبكبة أخرى ، فقال : من هؤلاء يا عباس ؟ قال : هذا خالد بن الوليد على المجنبة اليسرى قال : ثم مرت به قوم يمشون في الحديد فقال : من هؤلاء يا عباس ؟ التي كأنها حرة سوداء قال : هذه الأنصار عندها الموت الأحمر فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار حوله ، فقال : أبو سفيان سر يا عباس فلم أر كاليوم صباح قوم في ديارهم قال : ثم انطلق فلما أشرف على مكة نادى وكان شعار قريش يا آل غالب أسلموا تسلموا ، فلقيته امرأته هند فأخذت بلحيته وقالت : يا آل غالب اقتلوا الشيخ الأحمق ، فإنه قد صبأ ، فقال : والذي نفسي بيده لتسلمن أو ليضربن عنقك قال : فلما أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على مكة كف الناس أن يدخلوها حتى يأتيه رسول العباس ، فأبطأ عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لعلهم يصنعون بالعباس ما صنعت ثقيف بعروة بن مسعود ، فوالله إذا لا أستبقي منهم أحدا " قال : ثم جاءه رسول العباس فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أصحابه بالكف فقال : " كفوا السلاح إلا خزاعة عن بكر ساعة " ، ثم أمرهم فكفوا ، فأمن الناس كلهم [ إلا ] ابن أبي سرح ، وابن خطل ومقيسا الكناني [ ص: 378 ] وامرأة أخرى ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لم أحرم مكة ولكن حرمها الله ، وإنها لم تحلل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي إلى يوم القيامة ، وإنما أحلها الله [ لي ] في ساعة من نهار " .

قال : ثم جاءه عثمان بن عفان بابن أبي سرح فقال : بايعه يا رسول الله فأعرض عنه ، ثم جاء من ناحية أخرى فأعرض عنه ، ثم جاءه أيضا فقال : بايعه يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد أعرضت عنه ، وإني لأظن بعضكم سيقتله " فقال رجل من الأنصار : فهلا أومضت إلي يا رسول الله قال : " إن النبي لا يومض " وكأنه رآه غدرا
.

قال الزهري : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقاتل بمن معه صفوف قريش بأسفل مكة حتى هزمهم الله ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع عنهم ، فدخلوا في الدين ، فأنزل الله إذا جاء نصر الله والفتح حتى ختمها .

قال معمر : قال الزهري ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من قريش وهي كنانة ومن أسلم يوم الفتح قبل حنين ، وحنين واد في قبل الطائف ذو مياه ، وبه من المشركين يومئذ عجز هوازن ومعهم ثقيف ، ورأس المشركين يومئذ مالك بن عوف النضري ، فاقتتلوا بحنين ، فنصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، وكان يوما شديدا [ ص: 379 ] على الناس ، فأنزل الله لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين الآية .

قال معمر : قال الزهري : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم فلذلك بعث خالد بن الوليد يومئذ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث