الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه في سقيفة بني ساعدة

جزء التالي صفحة
السابق

بيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه في سقيفة بني ساعدة

9758 عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر ، فلما كان آخر حجة حجها عمر - ونحن بمنى - أتاني عبد الرحمن بن عوف في منزلي عشيا ، فقال : لو شهدت أمير المؤمنين اليوم أتاه رجل فقال : يا أمير المؤمنين إني سمعت فلانا يقول : لو قد مات أمير المؤمنين قد بايعت فلانا فقال عمر : إني لقائم عشية في الناس فنحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون [ ص: 440 ] أن يغتصبوا المسلمين أمرهم " قال : فقلت يا أمير المؤمنين ، إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك ، وإني أخشى إن قلت فيهم اليوم مقالة أن يطيروا بها كل مطير ولا يعوها ، ولا يضعوها على مواضعها ، ولكن أمهل يا أمير المؤمنين حتى تقدم المدينة ، فإنها دار السنة والهجرة ، وتخلص بالمهاجرين والأنصار فتقول ما قلت متمكنا فيعوا مقالتك ويضعوها على مواضعها . قال : فقال عمر : أما والله إن شاء الله لأقومن به في أول مقام أقومه في المدينة " قال : فلما قدمنا المدينة وجاء الجمعة هجرت لما حدثني عبد الرحمن بن عوف ، فوجدت سعيد بن زيد قد سبقني بالتهجير جالسا إلى جنب المنبر فجلست إلى جنبه ، تمس ركبتي ركبته قال : فلما زالت الشمس خرج علينا عمر رحمه الله قال فقلت وهو مقبل : أما والله ليقولن أمير المؤمنين على هذا المنبر مقالة لم يقل قبله ، قال فغضب سعيد بن زيد [ و ] قال : وأي مقالة يقول لم يقل قبله ؟ قال : [ ص: 441 ] فلما ارتقى عمر المنبر أخذ المؤذن في أذانه ، فلما فرغ من أذانه قام عمر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد ، فإني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها ، لا أدري لعلها بين يدي أجلي : إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل معه الكتاب ، فكان مما أنزل الله عليه آية الرجم ، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، وإني خائف أن يطول بالناس زمان فيقول قائل : والله ما الرجم في كتاب الله ، فيضل أو يترك فريضة أنزلها الله ، ألا وإن الرجم حق على من زنى إذا أحصن وقامت البينة وكان الحمل أو الاعتراف .

ثم قد كنا نقرأ : " ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم " أو فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم " ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم صلوات الله عليه ، فإنما أنا عبد الله فقولوا : عبد الله ورسوله " ، ثم إنه بلغني أن فلانا منكم يقول : إنه لو قد مات أمير المؤمنين قد بايعت فلانا ، فلا يغرن امرأ أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة [ ص: 442 ] - وقد كانت كذلك - إلا أن الله وقى شرها ، وليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر ، إنه كان من خيرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن عليا والزبير ومن معه تخلفوا عنه في بيت فاطمة ، وتخلفت عنا الأنصار بأسرها في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر رحمه الله ، فقلت : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم ، فلقينا رجلين صالحين من الأنصار قد شهدا بدرا ، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ قلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار قالا : فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم قال : قلت : فاقضوا ولنأتينهم ، فأتيناهم فإذا هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة بين أظهرهم رجل مزمل ، قلت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة قلت : وما شأنه ؟ قالوا : هو وجع قال : فقام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، [ ص: 443 ] ثم قال : أما بعد ، فنحن الأنصار ، وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر قريش رهط منا ، وقد دفت إلينا دافة منكم ، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويحضونا من الأمر ، وكنت قد رويت في نفسي ، وكنت أريد أن أقوم بها بين يدي أبي بكر ، وكنت أدارئ من أبي بكر بعض الحد وكان هو أوقر مني وأجل ، فلما أردت الكلام قال : على رسلك ، فكرهت أن أعصيه ، فحمد الله أبو بكر رضي الله عنه ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : والله ما ترك كلمة كنت رويتها في نفسي إلا جاء بها أو بأحسن منها في بديهته ، ثم قال : أما بعد ، فما ذكرتم فيكم من خير يا معشر الأنصار فأنتم له أهل ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش فهو أوسط العرب دارا ونسبا ، وإني قد رضيت لكم هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم قال : فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح قال : فوالله ما كرهت مما قال شيئا إلا هذه الكلمة ، كنت لأن أقدم فيضرب عنقي لا يقربني ذلك [ ص: 444 ] إلى إثم أحب إلي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر ، فلما قضى أبو بكر مقالته قام رجل من الأنصار فقال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ، وإلا أجلبنا الحرب فيما بيننا وبينكم جذعا ، قال معمر : قال قتادة : فقال عمر بن الخطاب : لا يصلح سيفان في غمد واحد ، ولكن منا الأمراء ومنكم الوزراء ، قال معمر : قال الزهري في حديثه بالإسناد : فارتفعت الأصوات بيننا ، وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف فقلت : يا أبا بكر ابسط يدك أبايعك قال : فبسط يده فبايعته ، فبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار قال : ونزونا على سعد حين قال قائل : قتلتم سعدا قال : قلت : قتل الله سعدا وإنا والله ما رأينا فيما حضرنا من أمرنا أمرا كان أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم أن يحدثوا بيعة بعدنا ، فإما أن نبايعهم [ ص: 445 ] على ما لا نرضى ، وإما أن نخالفهم فيكون فسادا ، فلا يغرن امرأ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، فقد كانت كذلك غير أن الله وقى شرها ، وليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر ، فمن بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فإنه لا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا " .

قال معمر : قال الزهري : وأخبرني عروة أن الرجلين الذين لقياهم من الأنصار عويم بن ساعدة ومعن بن عدي ، والذي قال : أنا " جذيلها المحكك وعذيقها المرجب الحباب بن المنذر " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث