الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الأول ضمان المغصوب

جزء التالي صفحة
السابق

وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة على تحريم الغصب ، وفيه بابان .

الأول : في الضمان ، وفيه أربعة أطراف . [ ص: 4 ]

الأول : في الموجب للضمان ، والغصب وإن كان موجبا للضمان ، فلا ينحصر الموجب فيه ، بل الإتلاف أيضا مضمن ، وكذلك الاستعارة والاستيام وغيرهما ، والإتلاف يكون بالمباشرة أو بالتسبب . وما له مدخل في الهلاك ، فقد يضاف إليه الهلاك حقيقة ، وقد لا . وما لا فقد يقصد بتحصيله حصول ما يضاف إليه الهلاك حقيقة ، وقد لا لأن الذي يضاف إليه الهلاك يسمى علة والإتيان به مباشرة ، وما لا يضاف إليه الهلاك ويقصد بتحصيله ما يضاف إليه ، يسمى سببا ، والإتيان به تسببا . وهذا القصد والتوقع قد يكون لتأثيره بمجرده فيه ، وهو علة العلة ، وقد يكون بانضمام أمور إليه وهي غير بعيدة الحصول . فمن المباشرة : القتل ، والأكل ، والإحراق . ومن التسبب : الإكراه على إتلاف مال الغير . ومنه ما إذا حفر بئرا في محل عدوان ، فتردت فيها بهيمة ، أو عبد ، أو حر ، فإن رداه غيره ، فالضمان على المباشر المردي ، لأن المباشرة مقدمة على السبب ، وسيأتي تمام هذا وبيان محل العدوان في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى .

فرع

لو فتح رأس زق فضاع ما فيه نظر إن كان

[ مطروحا ] على الأرض فاندفق ما فيه بالفتح ، ضمن . وإن كان منتصبا لا يضيع ما فيه لو بقي كذلك ، لكنه سقط ، نظر إن سقط بفعله بأن كان يحرك الوكاء ويجذبه حتى أفضى إلى السقوط ضمن ، وكذا لو سقط بما يقصد تحصيله بفعله بأن فتح رأسه ، فأخذ ما فيه في التقاطر شيئا فشيئا ، حتى ابتل أسفله وسقط ، ضمن . وإن سقط بعارض كزلزلة ، أو هبوب ريح ، أو وقوع طائر ، فلا ضمان ، ولو فتح رأسه فأخذ ما فيه في الخروج ، ثم جاء آخر ونكسه مستعجلا ، فضمان الخارج بعد النكس ، هل هو [ ص: 5 ] عليهما كالجارحين ، أم على الثاني فقط كالحاز مع الجارح ؟ فيه وجهان . أصحهما : الثاني . هذا إذا كان ما في الزق مائعا . فإن كان جامدا فطلعت الشمس فأذابته وضاع ، أو ذاب بمرور الزمان وتأثير حرارة الريح فيجب الضمان على الأصح . ويجري الوجهان ، فيما لو أزال أوراق العنب وجرد عناقيده للشمس فأفسدتها ، وفيما لو ذبح شاة رجل فهلكت سخلتها أو حمامة فهلك فرخها ، لفقد ما يصلح لهما . ولو جاء آخر وقرب نارا من الجامد فذاب وضاع ، فوجهان . أحدهما : لا ضمان على واحد منهما ، وأصحهما : يضمن الثاني . ويجري الوجهان فيما لو قرب الفاتح أيضا النار ، وفيما لو كان رأس الزق مفتوحا فجاء رجل وقرب منه النار .

فرع

لو حل رباط سفينة فغرقت بالحل ، ضمن ، ولو غرقت بحادث كهبوب ريح أو غيره ، لم يضمن . وإن لم يظهر حادث ، فوجهان . وليكن الأمر كذلك في مسألة الزق إذا لم يظهر حادث لسقوطه .

فرع

فتح قفصا عن طائر وهيجه حتى طار ضمنه . فإن لم يزد على الفتح فثلاثة أقوال . أظهرها : إن طار في الحال ضمن ، وإلا فلا . والثاني : يضمن مطلقا . والثالث : لا يضمن مطلقا . وفي ما جمع في فتاوى القفال - تفريعا على وجوب الضمان إذا طار في الحال - : أنه لو وثبت هرة بمجرد فتح القفص ودخلته وقتلت الطائر لزمه الضمان ، لأنه في معنى إغراء الهرة ، وأنه لو كان القفص مغلقا فاضطرب بخروج الطائر وسقط فانكسر ، لزم الفاتح ضمانه . وأنه لو كسر الطائر في خروجه [ ص: 6 ] قارورة رجل ، لزمه ضمانها ، لأن فعل الطائر منسوب إليه ، وأنه لو كان شعير في جراب مشدود الرأس ، بجنبه حمار ، ففتح رأسه فأكله الحمار في الحال ، لزم الفاتح ضمانه ، ولو حل رباط بهيمة أو فتح باب الإصطبل فخرجت وضاعت ، فالحكم على ما ذكرنا في القفص . ولو خرجت في الحال وأتلفت زرع رجل ، قال القفال : إن كان نهارا لم يضمن الفاتح ، وإن كان ليلا ضمن ، كدابة نفسه . وقال العراقيون : لا يضمن ، إذ ليس عليه حفظ بهيمة الغير عن الزروع .

قلت : قطع ابن كج بما قاله القفال . والله أعلم .

ولو حل قيد العبد المجنون ، أو فتح باب السجن ، فذهب فهو كما لو حل رباط البهيمة . وإن كان العبد عاقلا ، نظر ، إن لم يكن آبقا فلا ضمان ، لأن له اختيارا صحيحا ، فذهابه محال عليه ، وإن كان آبقا فلا ضمان أيضا على الأصح ، وقيل : هو كحل رباط البهيمة ، ففيه التفصيل .

فرع

لو وقع طائر على جداره فنفره لم يضمن ، لأنه كان ممتنعا قبله ، التفصيل ولو رماه في الهواء فقتله ضمنه ، سواء هواء داره وغيره ، إذ ليس له منع الطائر من هواء ملكه .

فرع

لو فتح باب الحرز فسرق غيره ، أو دل سارقا فسرق ، أو أمر غاصبا فغصب ، أو بنى دارا فألقت الريح فيها ثوبا وضاع ، فلا ضمان عليه : ولو حبس المالك عن ماشيته حتى تلفت فلا ضمان ، لأنه لم يتصرف في المال ، كذا قالوه ، [ ص: 7 ] ولعل صورته فيما إذا لم يقصد منعه عن الماشية ، وإنما قصد حبسه فأفضى الأمر إلى هلاكها ، لأن المتولي قال : لو كان له زرع ونخيل ، وأراد سوق الماء إليها فمنعه ظالم من السقي حتى فسدت ، ففي الضمان الوجهان فيما لو فتح الزق عن جامد فذاب بالشمس وضاع .

قلت : الأصح في صورتي الحبس عن الماشية والسقي : أنه لا ضمان ، بخلاف فتح الزق لما ذكرنا أنه لم يتصرف في المال . والله أعلم .

ولو غصب هادي القطيع فتبعه القطيع ، أو غصب البقرة فتبعها العجل ، لم يضمن القطيع والعجل على الأصح .

فرع

لو نقل صبيا حرا إلى مضبعة ، فاتفق سبع فافترسه ، فلا ضمان لإحالة الهلاك على اختيار الحيوان ومباشرته . ولو نقله إلى مسبعة فافترسه سبع ، فلا ضمان أيضا ، هذا هو المذهب والمعروف في كتب الأصحاب ، وذكر الغزالي فيه وجهين ، وليس بمعروف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث