الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الطرف الرابع الضمان في الاختلاف وفيه تسع مسائل

جزء التالي صفحة
السابق

الطرف الرابع : في الاختلاف ، وفيه مسائل .

الأولى : ادعى الغاصب تلف المغصوب ، وأنكر المالك . فالصحيح أن القول قول الغاصب مع يمينه ، وقيل : قول المالك بيمينه ، فعلى الصحيح إذا حلف الغاصب ، هل للمالك تغريمه المثل أو القيمة ؟ وجهان . أصحهما : نعم .

الثانية : اتفقا على الهلاك واختلفا في قيمته ، صدق الغاصب لأن الأصل براءته ، وعلى المالك البينة ، وينبغي أن يشهد الشهود أن قيمته كذا ، أما إذا أراد إقامة البينة على صفات العبد ليقومه المقومون بتلك الصفات ففي قول : يقبل ويقوم بالأوصاف ، وينزل على أقل الدرجات كالسلم ، والمشهور : المنع ، للتفاوت . قال الإمام : لكن يستفيد المالك بالبينة على الأوصاف إبطال دعوى الغاصب مقدارا حقيرا لا يليق بتلك الصفات ، ويصير كما لو أقر الغاصب بصفات في العبد تقتضي النفاسة ، ثم قومه بحقير لا يليق بها ، لا يلتفت إليه ، بل يؤمر بالزيادة إلى أن يبلغ حدا يجوز أن يكون قيمة لمثل ذلك الموصوف . ولو قال المالك : قيمته ألف ، وقال الغاصب : بل خمسمائة ، وجاء المالك ببينة أنها أكثر من خمسمائة من غير تقدير ، فقيل : لا تسمع هكذا ، والأكثرون سمعوها ، قالوا : وفائدة السماع أن يكلف الغاصب زيادة على خمسمائة إلى حد لا تقطع البينة بزيادة عليه ، ولو قال المالك : لا أدري كم قيمته ، لم تسمع دعواه حتى يبين . وكذا لو قال الغاصب : أعلم أنه دون ما ذكره ، ولا أعرف قدره ، لم تسمع حتى يبين ، فإذا بين حلف عليه . الثالثة : قال المالك : كان العبد كاتبا أو محترفا ، فأنكر الغاصب ، فالصحيح أن القول قول الغاصب ، وقيل : قول المالك ، لأنه أعرف بملكه . ولو ادعى الغاصب به عيبا وأنكر المالك ، نظر ، إن ادعى عيبا حادثا فقال : كان أقطع أو سارقا ، ففي المصدق قولان ، أظهرهما : المالك . وإن ادعى عيبا خلقيا ، فقال : كان أكمه أو ولد أعرج أو عديم اليد ، فالمصدق الغاصب على الصحيح ، لأن [ ص: 29 ] الأصل العدم ، ويمكن المالك البينة . والثاني : يصدق المالك نظرا إلى غلبة السلامة .

والثالث : يفرق بين ما يندر من العيوب وغيره .

الرابعة : رد المغصوب وبه عيب ، وقال : غصبته هكذا ، وقال المالك : حدث العيب عندك ، صدق الغاصب ، قاله المتولي .

قلت : وقاله ابن الصباغ أيضا ، ونقله في البيان . والله أعلم .

الخامسة : تنازعا في الثياب التي على العبد ، صدق الغاصب ، لثبوت يده .

السادسة : قال : غصبت داري بالكوفة ، فقال : غصبتها بالمدينة ، فالقول قول المدعى عليه أنه لم يغصب بالكوفة . وأما دار المدينة ، فإن وافقه المدعي عليها ثبتت ، وإلا فيبطل إقراره بها ، لتكذيبه .

قلت : ومثله لو قال : غصبت مني عبدا فقال : بل جارية ، ونحو ذلك . والله أعلم .

السابعة : غصب خمرا محترمة فهلكت عنده ، فقال المغصوب منه : هلكت بعد التخلل ، فقال الغاصب : قبله ، صدق الغاصب .

الثامنة : قال : طعامي الذي غصبته كان جديدا ، فقال الغاصب : بل عتيقا ، صدق الغاصب بيمينه . فإن نكل حلف المالك ، ثم له أخذ العتيق لأنه دون حقه .

التاسعة : باع عبدا فجاء زيد وادعى أنه ملكه وأن البائع كان غصبه منه ، فلا شك أن له دعوى عين العبد على المشتري . وفي دعواه القيمة على البائع ما ذكرناه في الإقرار . فإن ادعى العين على المشتري فصدقه أخذ العبد منه ، ولا رجوع له بالثمن على البائع . وإن كذبه المشتري ، فأقام زيد بينة ، أخذه ورجع المشتري بالثمن على البائع . وإن لم يقم بينة ونكل المشتري ، حلف زيد وأخذه ، ولا رجوع للمشتري بالثمن ، لتقصيره بالنكول . وإن صدقه البائع دون المشتري ، لم يقبل [ ص: 30 ] إقرار البائع على المشتري ويبقى البيع بحاله ، إلا أن يكون إقراره بالغصب في زمن الخيار ، فيجعل ذلك فسخا للبيع . ثم لو عاد العبد إلى البائع بإرث أو رد بعيب ، لزمه تسليمه إلى زيد . وإن صدقه البائع والمشتري جميعا ، سلم العبد إلى زيد ، وعلى البائع رد الثمن أو بدله إن كان تالفا . ولو جاء المدعي بعدما أعتق المشتري العبد وصدقه البائع والمشتري ، لم يبطل العتق ، سواء وافقهما العبد أو خالفهما ، لأن في عتقه حقا لله تعالى ، بخلاف ما لو كاتبه المشتري ، ثم توافقوا على تصديق المدعي ، لأن الكتابة قابلة للفسخ . وللمدعي في مسألة الإعتاق قيمة العبد على البائع إن اختص بتصديقه ، وإذا أوجبنا الغرم للحيلولة فيما إذا أقر به لزيد ثم لعمرو ، وعلى المشتري إن اختص بتصديقه ، وعلى من شاء منهما إن صدقاه جميعا . وقرار الضمان على المشتري ، إلا أن تكون القيمة في يد البائع أكثر ، فلا يطالب المشتري بالزيادة .

ولو مات المعتق وقد كسب مالا ، فهو للمدعي ، لأن المال خالص حق آدمي ، وقد توافقوا أنه مستحقه ، بخلاف العتق ، كذا أطلقوه . قال الإمام : وهو محمول على كسب يستقل به العبد ، فأما كسب يحتاج إلى إذن السيد ، فلا يستحقه المدعي ، لاعترافه بخلوه عن الإذن .

قلت : ولو ادعى الغاصب رد المغصوب حيا وأقام به بينة ، فقال المالك : بل مات عندك وأقام به بينة ، تعارضت البينتان وسقطتا ، وضمن الغاصب ، لأن الأصل بقاء الغصب . ولو قال : غصبنا من زيد ألفا ، ثم قال : كنا عشرة أنفس ، وخالفه زيد ، قال في البيان : قال بعض أصحابنا : القول قول الغاصب بيمينه ، لأن الأصل براءته مما زاد . والله أعلم . [ ص: 31 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث