الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( قلت ) : ومما يدل على أنهم أرادوا حذف الزيادة كما قال الداني : قول الحلواني فيما رواه الأهوازي ، عنه ، عن القواس حيث استثنى الكلم الثلاث ومدها مدا وسطا كما قدمنا ، والله أعلم .

وها أنا أذكر كلا من هذه المراتب على التعيين ومذاهب أهل الأداء فيها لكل من أئمة القراء ورواتهم ، منبها على الأولى من ذلك ، ثم أذكر النصوص ليأخذ المتقن بما هو أقرب ، ويرجع عن التقليد إلى الأصوب ، والله المستعان .

[ ص: 321 ] ( فالمرتبة الأولى ) قصر المنفصل ، وهي حذف المد العرضي ، وإبقاء ذات حرف المد على ما فيها من غير زيادة ، وذلك هو القصر المحض ، وهي لأبي جعفر وابن كثير بكمالها من جميع ما علمناه ورويناه من الكتب والطرق ، حسبما تضمنه كتابنا سوى تلخيص أبي معشر ، وكامل الهذلي ، فإن عبارتهما تقتضي الزيادة له على القصر المحض ، كما سيأتي نصهما ، واختلف ، عن قالون والأصبهاني ، عن ورش ، وعن أبي عمرو من روايتيه ، وعن يعقوب ، وعن هشام من طريق الحلواني . وعن حفص ، من طريق عمرو بن الصباح ، أما قالون فقطع له بالقصر أبو بكر بن مجاهد وأبو بكر بن مهران وأبو طاهر بن سوار وأبو علي البغدادي وأبو العز في إرشاديه من جميع طرقه . وكذلك ابن فارس في جامعه ، والأهوازي في وجيزه ، وسبط الخياط في مبهجه من طريقيه ، وابن خيرون في كفايته ، وجمهور العراقيين . وكذلك أبو القاسم الطرسوسي ، وأبو الطاهر بن خلف ، وبعض المغاربة ، وقطع له به من طريق الحلواني ابن الفحام صاحب " التجريد " ، و " مكي " صاحب " التبصرة " ، و " المهدوي " صاحب " الهداية " ، وابن بليمة في تلخيصه ، وكثير من المؤلفين كابني غلبون والصفراوي ، وهو أحد الوجهين في " التيسير " و " الشاطبية " ، وبه قرأ الداني على أبي الفتح فارس بن أحمد ، وأما الأصبهاني ، عن ورش فقطع له بالقصر أكثر المؤلفين من المشارقة والمغاربة ، كابن مجاهد ، وابن مهران ، وابن سوار وصاحب " الروضة " ، وأبي العز وابن فارس ، وسبط الخياط والداني ، وغيرهم ، وهو أحد الوجهين في الإعلان ، نص عليهما تخييرا بعد ذكره القصر ، وأما أبو عمرو فقطع له بالقصر من روايتيه ابن مهران ، وابن سوار وابن فارس وأبو علي البغدادي وأبو العز ، وابن خيرون ، والأهوازي ، وصاحب " العنوان " ، وشيخه ، والأكثرون ، وهو أحد الوجهين عند ابن مجاهد من جهة الرواية ، وفي " جامع البيان " من قراءته على أبي الفتح أيضا ، وفي " التجريد " و " المبهج " و " التذكار " ، إلا أنه مخصوص بوجه الإدغام . نص على ذلك سبط الخياط وأبو الفتح بن شيطا ، والقصاع في طرق التجريد وغيرهم [ ص: 322 ] وهو الصحيح الذي لا نعلم نصا بخلافه ، وهو الذي نقرأ به ونأخذ ، وقطع له بالقصر من رواية السوسي فقط ابن سفيان وابن شريح ، والمهدوي ، ومكي ، وصاحبا " التيسير " و " الشاطبية " ، وابن بليمة ، وسائر المغاربة . وكذا ابنا غلبون ، والفراوي ، وغيرهم ، وهو المشهور عنه ، وأحد الوجهين للدوري في " الكافي " و " الإعلان " و " الشاطبية " وغيرهما ، وأما يعقوب فقطع له بالقصر ابن سوار ، والمالكي وابن خيرون وأبو العز ، وجمهور العراقيين ، وكذلك الأهوازي وابنا غلبون ، وصاحبا " التجريد " في مفردته ، وكذلك الداني ، وابن شريح ، وغيرهم ، وهو المشهور عنه ، وأما هشام فقطع له بالقصر من طريق ابن عبدان عن الحلواني أبو العز القلانسي ، وقطع له به من طريق الحلواني ابن خيرون ، وابن سوار ، والأهوازي وغيرهم ، وهو المشهور عند العراقيين عن الحلواني من سائر طرقه ، وقطع به ابن مهران لهشام بكماله ، وكذلك في " الوجيز " ، وأما حفص فقطع له بالقصر أبو علي البغدادي من طريق زرعان ، عن عمرو ، عنه ، وكذلك ابن فارس في جامعه ، وكذلك صاحب " المستنير " من طريق الحمامي ، عن الولي ، عنه ، وكذلك أبو العز من طريق الفيل ، عنه ، وهو المشهور عند العراقيين من طريق الفيل .

( والمرتبة الثانية ) فوق القصر قليلا ، وقدرت بألفين ، وبعضهم بألف ونصف ، وهو مذهب الهذلي ، وعبر عنه ابن شيطا بزيادة متوسطة ، وسبط الخياط بزيادة أدنى وأبو القاسم بن الفحام بالتمكين من غير إشباع ، ثم هذه المرتبة هي في المتصل لأصحاب قصر المنفصل مثل الدوري ، والسوسي عند من جعل مراتب المتصل أربعا كصاحب " التيسير " و " التذكرة " ، و " تلخيص " العبارات وغيرهم كما تقدم ، وهي في المنفصل عند صاحب " التيسير " لأبي عمرو من رواية الدوري ، وذلك قرأته على أبي الحسن وأبي القاسم الفارسي ولقالون بخلاف عنه فيه ، وبهذه المرتبة قرأ على أبي الحسن من طريق أبي نشيط وهي في " الهادي " و " الهداية " و " التبصرة " ، و " تلخيص العبارات " وعامة كتب والد المغاربة لقالون ، وروي بلا خلاف [ ص: 323 ] وكذا في " الكافي " ، إلا أنه قال : وقرأت لها بالقصر وهي في " المبهج " ليعقوب ، وهشام وحفص من طريق عمرو ، ولأبي عمرو إذا أظهر ، وفي " التذكار " لنافع وأبي جعفر والحلواني ، عن هشام والحمامي ، عن الولي ، عن حفص ولأبي عمرو إذا ظهر ، وفي " الروضة " لخلف ، وفي اختياره ، وللكسائي سوى قتيبة ، وفي " غاية " أبي العلاء لأبي جعفر ونافع وأبي عمرو ويعقوب ، والحلواني ، عن هشام ، والولي ، عن حفص ، وفي " تلخيص الطبري " لابن كثير ، ولنافع غير ورش وللحلواني ، عن هشام ، ولأبي عمرو ويعقوب ، وفي " الكامل " لقالون من طريق الحلواني وأبي نشيط ، وللسوسي وغيره ، عن أبي عمرو ، وللحلواني ، عن أبي جعفر - يعني في رواية ابن وردان - وللقواس عن ابن كثير - يعني قنبلا وأصحابه .

( والمرتبة الثالثة ) فوقها قليلا ، وهي التوسط عند الجميع ، وقدرت بثلاث ألفات وقدرها الهذلي وغيره بألفين ونصف ، ونقل عن شيخه عبد الله بن محمد الطيرائي الذراع قدر ألفين . وهو ممن يقول : إن التي قبلها قدر ألف ونصف ، ثم هذه المرتبة في " التيسير " و " التذكرة " و " تلخيص العبارات " لابن عامر والكسائي في الضربين ، وكذا في " جامع البيان " سوى قتيبة عن الكسائي . وهي عند ابن مجاهد للباقين سوى حمزة والأعمش ، وسوى من قصر ، وأحد الوجهين لأبي عمرو من جهة الأداء ، وكذلك هي للباقين سوى حمزة وورش ، أي : من طريق الأزرق عند من جعل المد في الضربين مرتبتين : طولى ووسطى ، كصاحب " العنوان " وشيخه الطرسوسي ، وهو اختيار الشاطبي . وكذلك هي عند هؤلاء في المتصل لمن قصر المنفصل ، وهي فيهما عند صاحب " التجريد " للكسائي ، ولعاصم من قراءته على عبد الباقي ، ولابن عامر من قراءته على الفارسي ولأبي نشيط ، عن قالون ، وللأصبهاني ، عن ورش ، ولأبي عمرو بكماله من قراءته على الفارسي والمالكي ، يعني من رواية الإظهار ، وهي في المنفصل عند صاحب " المبهج " للكوفيين سوى حمزة ، وسوى عمرو ، عن حفص ، ولابن عامر سوى هشام ، وعند صاحب [ ص: 324 ] " المستنير " للعبسي ، عن حمزة ، ولعلي بن مسلم ، عن سليم ، عنه ، ولسائر من يقصره سوى حمزة غير من تقدم عنه ، وغير الأعشى وقتيبة والحمامي ، عن النقاش ، عن ابن ذكوان . وكذا في جامع ابن فارس سوى حمزة والأعشى ، وكذا عند ابن خيرون سوى حمزة والأعشى والمصريين ، عن ورش ، وفي " الروضة " لعاصم سوى الأعشى ، ولقتيبة عن الكسائي والمصريين ، عن ورش ، وفي " الروضة " لعاصم سوى الأعشى ، ولقتيبة عن الكسائي ، وفي " الوجيز " للكسائي وابن ذكوان ، وفي إرشاد أبي العز لمن يمد المنفصل سوى حمزة والأخفش ، عن ابن ذكوان ، وهي في " الكامل " لابن عامر ، وللأصبهاني ، عن ورش ولبقية أصحاب أبي جعفر ، وللدوري وغيره ، عن أبي عمرو ، ولحفص من غير طريق عمرو ، ولباقي أصحاب ابن كثير يعني البزي ، وغيره في " مبسوط " ابن مهران ، لسائر القراء غير ورش ، وحمزة ، والأعشى ، وفي " روضة " أبي علي ، لعاصم في غير رواية الأعشى .

( والمرتبة الرابعة ) فوقها قليلا وقدرت بأربع ألفات عند بعض من قدر الثالثة بثلاث ، وبعضهم بثلاث ونصف ، وقال الهذلي : مقدار ثلاث ألفات عند الجميع ، أي : عند من قدر الثالثة بألفين ونصف ، ثم هذه المرتبة في الضربين لعاصم عند صاحب " التيسير " و " التذكرة " ، وابن بليمة ، وكذا في " التجريد " من قراءته على عبد الباقي ، ولابن عامر أيضا من قراءته على الفارسي سوى النقاش ، عن الحلواني ، عن هشام كما سيأتي ، وهي في المنفصل لعاصم أيضا عند صاحب " الوجيز " و " الكفاية الكبرى " و " الهادي " ، و " الهداية " و " الكافي " و " التبصرة " ، وعند ابن خيرون لعاصم ، ولحمزة من طريق الرزاز ، عن إدريس ، عن خلف ، عنه ، وفي غاية أبي العلاء لحمزة وحده ، وفي تلخيص أبي معشر لورش وحده ، وفي " الكامل " لأبي بكر ، ولحفص من طريق عبيد ، والأخفش عن ابن ذكوان ، وللدوري عن الكسائي ، وفي مبسوط ابن مهران للأعشى ، عن أبي بكر ، وفي روضة [ ص: 325 ] أبي علي المالكي لابن عامر فقط ، ولم يكن طريق الحلواني عن هشام فيها ، بل الداجوني فقط .

( والمرتبة الخامسة ) فوقها قليلا ، وقدرت بخمس ألفات ، وبأربع ونصف ، وبأربع بحسب اختلافهم في تقدير ما قبلها ، وهي في الضربين لحمزة ولورش من طريق الأزرق عند صاحب " التيسير " و " التذكرة " و " تلخيص العبارات " ، و " العنوان " وشيخه ، وغيرهم ، وفي " جامع البيان " لحمزة من رواية خلاد وورش من طريق المصريين ، وفي " التجريد " لحمزة وورش من طريق الأزرق ويونس ، ولهشام من طريق النقاش ، عن الحلواني ، وهي قراءته على الفارسي ، انفرد بذلك عنه في " الروضة " لأبي علي لحمزة والأعشى فقط ، وهي في المنفصل عند صاحب " المبهج " لحمزة وحده ، وفي " المستنير " لحمزة سوى العبسي وعلي بن سلم ، عن سليم عنه ، ولقتيبة عن الكسائي ، وللأعشى عن أبي بكر قال : وكذلك ذكر شيوخنا عن الحمامي ، عن النقاش ، عن ابن ذكوان ، وفي " الروضة " لحمزة والأعشى ، وكذا في جامع ابن فارس ، وفي إرشاد أبي العز لحمزة والأخفش عن ابن ذكوان ، وفي كفايته لحمزة ، والأعشى ، وقتيبة والحمامي على ابن عامر - يعني في رواية ابن ذكوان - وفي كتابي ابن خيرون لحمزة والأعشى وقتيبة والمصريين ، عن ورش ، وفي غاية أبي العلاء للأعشى وحده ، وفي تلخيص أبي معشر لحمزة وحده . وكذا في مبسوط ابن مهران ، وفي " الوجيز " لحمزة وورش ، وفي " التذكار " لحمزة والأعشى وقتيبة والحمامي ، عن النقاش ، عن الأخفش ، عن ابن ذكوان ، وفي " الكامل " لمن لم يذكر لحمزة في المرتبة الآتية ، وهم من لم يسكت عنه ، وللأعشى عن أبي بكر ، ولقتيبة غير النهاوندي ، وينبغي أن تكون هذه المرتبة في المتصل للجماعة كلهم ، عن من لم يجعل فيه تفاوتا ، وإلا فيلزمهم تفضيل مد المنفصل ، إذ لا مرتبة فوق هذه لغير أصحاب السكت في المشهور ولا قائل به . وكذا يكون لهم أجمعين في المد اللازم للازم المذكور ، إذ سببه أقوى بالإجماع .

[ ص: 326 ] ( مرتبة سادسة ) فوق ذلك قدرها الهذلي بخمس ألفات ، ونقل ذلك عن ابن غلبون ، وقيل بأقل ، والصحيح أنها على ما تقدم وهي في " الكامل " للهذلي ، عن حمزة لرجاء وابن قلوقا ، وابن رزين ، وخلف ، من طريق إدريس والمحفي وغيرهم من أصحاب السكت عنه وللشموني عن الأعشى غير ابن أبي أمية ، وللزند ولأبي ، عن قتيبة ، ولورش غير الأصبهاني عنه ، وغير من يأتي في المرتبة السابعة ، وهذه المرتبة أيضا في غاية أبي العلاء لقتيبة عن الكسائي ، وفي مبسوط ابن مهران لورش ، وهي أيضا في " جامع البيان " لحمزة في غير رواية خلاد ولأبي بكر من رواية الشموني ، عن الأعشى ، عنه ولحفص في رواية الأشناني ، عن أصحابه ، عنه ، وللكسائي في رواية قتيبة ; لأن هؤلاء يسكتون على الساكن ، بل الهمزة فهم لذلك أشد تحقيقا وأبلغ تمكينا .

( قلت ) : وقد خلف هذا القول في " التيسير " ومفرداته فجعل مد حمزة في رواية خلف وخلاد وسائر رواته واحدا ، والصواب - والله أعلم - أن هذه المرتبة ، إنما تتأتى لأصحاب السكت مطلقا ، فإن من يسكت على حروف المد قبل الهمز كما يسكت على الساكن غيره قبل الهمز - لا بد لهم من زيادة قدر السكت بعد المد ، فمن ألحق هذه الزيادة بالمد زاد مرتبة على المرتبة الخامسة ، ومن لم يلحقها بالمد لم يتجاوز المرتبة الخامسة ، ومن عدل عن ذلك فقد عدل عن الأصوب والأقوى ، والله تعالى أعلم .

( مرتبة سابعة ) فوق ذلك وهي الإفراط قدرها الهذلي بست ألفات ، وذكرها في كامله لورش فيما رواه الحداد ، وابن نفيس ، ، وابن سفيان وابن غلبون ، وقد وهم عليهم في ذلك ، وانفرد بهذه المرتبة ، وشذ عن إجماع أهل الأداء ، وهؤلاء الذين ذكرهم ، فالأداء عنهم مستفيض ، ونصوصهم صريحة بخلاف ما ذكره ، ولم يتجاوز أحد منهم المرتبة الخامسة ، وكلهم سوى بين ورش من طريق الأزرق وبين حمزة ، وسيأتي حكاية نصوصهم ، والله الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث