الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              5712 [ ص: 396 ] 53 - باب: من أخبر صاحبه بما يقال فيه

                                                                                                                                                                                                                              6059 - حدثنا محمد بن يوسف، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمة، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله. فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فتمعر وجهه وقال: " رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر". [انظر: 3150 - مسلم: 1062 - فتح: 10 \ 475]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمة، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله. فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فتمعر وجهه وقال: "رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر".

                                                                                                                                                                                                                              الشرح:

                                                                                                                                                                                                                              (هذا الحديث سلف في فضائل موسى - عليه السلام - ) .

                                                                                                                                                                                                                              فيه من الفقه: أنه يجوز للرجل أن يخبر أهل الفضل والستر من إخوانه بما يقال فيهم مما لا يليق; ليعرفهم بذلك من يؤذيه من الناس وينقصه، ولا حرج عليه في مقالته بذلك وتبليغه له، وليس ذلك من باب النميمة; لأن ابن مسعود حين أخبر الشارع بقول الأنصاري فيه وتجويره له في القسمة لم يقل له: أتيت بما لا يجوز، ونممت الأنصاري، والنميمة حرام، بل رضي ذلك، وجاوبه عليه بقوله: "يرحم الله موسى" إلى آخره وإنما جاز لابن مسعود نقل ذلك إليه; لأن الأنصاري في تجويره له استباح إثما عظيما، وركب (حراما جسيما) ، فلم يكن لحديثه

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 397 ] حرمة، ولم يكن نقله من باب النميمة. وقد قال مالك في الرجل يمر بالرجل يقذف غائبا: فليشهد عليه إن كان معه غيره. وقال في قوم سمعوا رجلا يقذف رجلا فرفعوه إلى الإمام: فلا ينبغي له أن يحده حتى يجيء الطالب ولو كان هذا نميمة لم تجز الشهادة; لأنها كبيرة وهي مسقطة للشهادة .

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              قوله: (فتمعر وجهه). بتشديد العين المهملة، ولأبي ذر: (فتمغر) . أي: (تغير) من الغضب.

                                                                                                                                                                                                                              وفيه من الفقه: أن أهل الفضل والخير قد يعز عليهم ما يقال فيهم من الباطل، ويكبر عليهم، فإن ذلك جبلة في البشر فطرهم الله عليها، إلا أن أهل الفضل يتلقون ذلك بالصبر الجميل، اقتداء بمن تقدمهم من المؤمنين، ألا ترى أنه - عليه السلام - قد اقتدى في ذلك بصبر موسى - عليه السلام - .

                                                                                                                                                                                                                              وقد روي عن الحسن البصري أنه قيل له: فلان اغتابك، فكافأه، كما سلف.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: ("لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر"). قيل: قالوا: هو آدر، فمر يغتسل عريانا ووضع ثوبه على حجر ففر الحجر فتبعه فجاز على بني إسرائيل، فبرأه الله مما قالوا .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 398 ] وقيل: قال قارون لامرأة ذات جمال وحسب: هل لك أن أشركك في أهلي ومالي! أن تأتيني إذا كنت في ملأ تقولين: اكفني موسى، فإنه أرادني على نفسي؟. فلما وقفت عليه بدل الله قلبها، فقالت: قال لي قارون كذا. فنكس رأسه، وأيقن بالهلاك. فأخبر موسى، فكان شديد الغضب يخرج شعره من ثوبه فتوضأ وصلى، وجعل يدعو ويبكي ويقول: يا رب أراد فضيحتي، فأوحى الله إليه: أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت. فأقبل إلى قارون، (فلما رآه) قال: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيه، فساخت به الأرض وبداره إلى الكعبين، فقال: يا موسى ارحمني. فقال: خذيه، فساخت به وبداره، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة .

                                                                                                                                                                                                                              وقال علي: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشد حبا. وأوذي في ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت الملائكة بموته، حتى علمت بنو إسرائيل أنه مات، فدفنوه فلم يعلم موضع قبره إلا الرخم، فجعله الله أصم أبكم .




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية