الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      مسألة [ السنن عند الشافعي ثلاثة أقسام ] قال الشافعي في " الرسالة " : لا أعلم خلافا بين أهل العلم أن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى ثلاثة أقسام : [ ص: 9 ] أحدها : ما أنزل الله فيه نص كتاب ، فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل نص الكتاب . والثاني : ما أنزل الله فيه جملة كتاب ، فبين عن الله ما أراد ، وهذان الوجهان لم يختلفوا فيهما . والثالث : ما سن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وليس فيه نص كتاب ، واختلفوا فيه ، فمنهم من قال : جعل الله [ له بما ] فرض من طاعته ، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه ، أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب . ومنهم من قال : لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب . ومنهم من قال : بل جاءته رسالة الله فأثبت سنته بفرض الله . ومنهم من قال : ألقي في روعه كما سن . انتهى .

                                                      وبالقول الثاني جزم أبو الحكم بن برجان ، وبنى عليه كتابه المسمى " بالإرشاد " ، وبين كثيرا من ذلك مفصلا ، وقال : كل حديث ففي القرآن الإشارة إليه تعريضا أو تصريحا ، وما قال منشئ فهو في القرآن أو فيه أصله قرب أو بعد ، فهمه من فهمه ، وعمه عنه من عمه . قال تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } ألا يسمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم : { لأقضين بينكما بكتاب الله } . وقضى بالرجم ، وليس هو نصا في كتاب الله ، ولكن تعريض مجمل في قوله : { ويدرأ عنها [ ص: 10 ] العذاب } وأما تعيين الرجم من عموم ذلك العذاب ، وتفسير هذا المجمل فهو مبين بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيه ، وبأمره به ، وموجود في عموم قوله : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } . وقوله : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } وهكذا جميع قضائه وحكمه . وإنما يدرك الطالب من ذلك بقدر اجتهاده وبذل وسعه ، ويبلغ منه الراغب فيه حيث بلغه ربه تبارك وتعالى ; لأنه واهب النعم . قال : وقد نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المطلب بمواضع كثيرة من خطابه . منها قوله عن الجنة : { فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، بله ما أطلعكم الله عليه } ، ثم قال : اقرءوا إن شئتم : { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } وحديثه الآخر : { اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، فمن كان من أهل السعادة فهو يعمل لها ، ومن كان من أهل الشقاوة فهو يعمل لها } ، ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى . وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى . وأما من بخل واستغنى . وكذب بالحسنى . فسنيسره للعسرى } . ومنها قوله : { إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها } ، ثم قال : اقرءوا إن شئتم : { وظل ممدود } فأعلم صلى الله عليه وسلم بمواضع حديثه من القرآن ، ونبههم على مصداق خطابه من الكتاب ; ليستخرج علماء أمته معاني حديثه منه ، طلبا لليقين وحرصا منه عليه السلام على أن يزيل عنهم الارتياب ، وأن يرتقوا في الأسباب .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية