الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي

جزء التالي صفحة
السابق

باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي وقال عبد الوارث عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه وقال داود عن إبراهيم الصائغ سئل عطاء عن امرأة من أهل العهد أسلمت ثم أسلم زوجها في العدة أهي امرأته قال لا إلا أن تشاء هي بنكاح جديد وصداق وقال مجاهد إذا أسلم في العدة يتزوجها وقال الله تعالى لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وقال الحسن وقتادة في مجوسيين أسلما هما على نكاحهما وإذا سبق أحدهما صاحبه وأبى الآخر بانت لا سبيل له عليها وقال ابن جريج قلت لعطاء امرأة من المشركين جاءت إلى المسلمين أيعاوض زوجها منها لقوله تعالى وآتوهم ما أنفقوا قال لا إنما كان ذاك بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل العهد وقال مجاهد هذا كله في صلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش

4983 حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب وقال إبراهيم بن المنذر حدثني ابن وهب حدثني يونس قال ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن إلى آخر الآية قالت عائشة فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلقن فقد بايعتكن لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط غير أنه بايعهن بالكلام والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء إلا بما أمره الله يقول لهن إذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلاما

التالي السابق


قوله ( باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي ) كذا اقتصر على ذكر النصرانية وهو مثال وإلا فاليهودية كذلك ، فلو عبر بالكتابية لكان أشمل ، وكأنه راعى لفظ الأثر المنقول في ذلك ولم يجزم بالحكم لإشكاله ، بل أورد الترجمة مورد السؤال فقط ، وقد جرت عادته أن دليل الحكم إذا كان محتملا لا يجزم بالحكم ، والمراد بالترجمة بيان حكم إسلام المرأة قبل زوجها هـل تقع الفرقة بينهما بمجرد إسلامها ، أو يثبت لها الخيار ، أو يوقف في العدة فإن أسلم استمر النكاح وإلا وقعت الفرقة بينهما ؟ وفيه خلاف مشهور وتفاصيل يطول شرحها ، وميل البخاري إلى أن الفرقة تقع بمجرد الإسلام كما سأبينه .

قوله ( وقال عبد الوارث عن خالد ) هو الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس لم يقع لي موصولا عن عبد الوارث ، لكن أخرج ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام عن خالد الحذاء نحوه .

قوله ( إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه ) وهو عام في المدخول بها وغيرها ، ولكن قوله " حرمت عليه " ليس بصريح في المراد . ووقع في رواية ابن أبي شيبة " فهي أملك بنفسها " وأخرج الطحاوي من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس في اليهودية أو النصرانية تكون تحت اليهودي أو النصراني فتسلم فقال " يفرق بينهما الإسلام ، ويعلو ولا يعلى عليه " وسنده صحيح .

قوله ( وقال داود ) هو ابن أبي الفرات ، واسم أبي الفرات عمرو بن الفرات ، وإبراهيم الصائغ هو ابن ميمون .

[ ص: 331 ] قوله ( سئل عطاء ) هو ابن أبي رباح ( عن امرأة من أهل العهد أسلمت ثم أسلم زوجها في العدة أهي امرأته ؟ قال : لا ، إلا أن تشاء هي بنكاح جديد وصداق ) وصله ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عطاء بمعناه ، وهو ظاهر في أن الفرقة تقع بإسلام أحد الزوجين ولا تنتظر انقضاء العدة .

قوله ( وقال مجاهد إذا أسلم في العدة يتزوجها ) وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه .

قوله ( وقال الله إلخ ) هذا ظاهر في اختياره القول الماضي فإنه كلام البخاري ، وهو استدلال منه لتقوية قول عطاء المذكور في هذا الباب ، وهو معارض في الظاهر لروايته عن ابن عباس في الباب الذي قبله وهي قوله " لم تخطب حتى تحيض وتطهر " ويمكن الجمع بينهما لأنه كما يحتمل أن يريد بقوله " لم تخطب حتى تحيض وتطهر " انتظار إسلام زوجها ما دامت في عدتها يحتمل أيضا أن تأخير الخطبة إنما هـو لكون المعتدة لا تخطب ما دامت في العدة ، فعلى هذا الثاني لا يبقى بين الخبرين تعارض ، وبظاهر قول ابن عباس في هذا وعطاء قال طاوس والثوري وفقهاء الكوفة ووافقهم أبو ثور واختاره ابن المنذر وإليه جنح البخاري ، وشرط أهل الكوفة ومن وافقهم أن يعرض على زوجها الإسلام في تلك المدة فيمتنع إن كانا معا في دار الإسلام ، وبقول مجاهد قال قتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ، واحتج الشافعي بقصة أبي سفيان لما أسلم عام الفتح بمر الظهران في ليلة دخول المسلمين مكة في الفتح كما تقدم في المغازي ، فإنه لما دخل مكة أخذت امرأته هند بنت عتبة بلحيته وأنكرت عليه إسلامه فأشار عليها بالإسلام فأسلمت بعد ولم يفرق بينهما ولا ذكر تجديد عقد ، وكذا وقع لجماعة من الصحابة أسلمت نساؤهم قبلهم كحكيم بن حزام وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما ولم ينقل أنه جددت عقود أنكحتهم ، وذلك مشهور عند أهل المغازي لا اختلاف بينهم في ذلك ، إلا أنه محمول عند الأكثر على أن إسلام الرجل وقع قبل انقضاء عدة المرأة التي أسلمت قبله ، وأما ما أخرج مالك في " الموطأ " عن الزهري قال : لم يبلغنا أن امرأة هاجرت وزوجها مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها ، فهذا محتمل للقولين لأن الفرقة يحتمل أن تكون قاطعة ويحتمل أن تكون موقوفة وأخرج حماد بن سلمة وعبد الرزاق في مصنفيهما بإسناد صحيح عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيا أسلمت امرأته فخيرها عمر إن شاءت فارقته وإن شاءت أقامت عليه .

قوله ( وقال الحسن وقتادة في مجوسيين أسلما : هما على نكاحهما فإذا سبق أحدهما صاحبه ) بالإسلام ( لا سبيل له عليها ) . أما أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه بلفظ " فإن أسلم أحدهما قبل صاحبه فقد انقطع ما بينهما من النكاح " ومن وجه آخر صحيح عنه بلفظ " فقد بانت منه " وأما أثر قتادة فوصله ابن أبي شيبة أيضا بسند صحيح عنه بلفظ " فإذا سبق أحدهما صاحبه بالإسلام فلا سبيل له عليها إلا بخطبة " وأخرج أيضا عن عكرمة وكتاب عمر بن عبد العزيز نحو ذلك .

قوله ( وقال ابن جريج : قلت لعطاء امرأة من المشركين جاءت إلى المسلمين أيعاوض زوجها منها ) وقع في رواية ابن عساكر أيعاض بغير واو

وقوله : ( لقوله تعالى وآتوهم ما أنفقوا قال لا إنما كان ذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل العهد ) . وصله عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قلت لعطاء أرأيت اليوم امرأة من أهل الشرك فذكره سواء ، وعن معمر عن الزهري نحو قول مجاهد الآتي وزاد : وقد انقطع ذلك يوم الفتح فلا يعاوض زوجها منها بشيء .

قوله ( وقال مجاهد هذا كله في صلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش ) وصله ابن أبي حاتم [ ص: 332 ] من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا قال : من ذهب من أزواج المسلمين إلى الكفار فليعطهم الكفار صدقاتهن وليمسكوهن ، ومن ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فكذلك ، هذا كله في صلح كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش ، وقد تقدم في أواخر الشروط من وجه آخر عن الزهري قال : بلغنا أن الكفار لما أبوا أن يقروا بما أنفق المسلمون على أزواجهم ، أي أبوا أن يعملوا بالحكم المذكور في الآية وهو أن المرأة إذا جاءت من المشركين إلى المسلمين مسلمة لم يردها المسلمون إلى زوجها المشرك بل يعطونه ما أنفق عليها من صداق ونحوه وكذا بعكسه ، فامتثل المسلمون ذلك وأعطوهم ، وأبى المشركون أن يمتثلوا ذلك فحبسوا من جاءت إليهم مشركة ولم يعطوا زوجها المسلم ما أنفق عليها ، فلهذا نزلت وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم قال والعقب ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار إلى الكفار . وأخرج هذا الأثر الطبري من طريق يونس عن الزهري وفيه " فلو ذهبت امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين رد المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم الذي أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرن ، ثم ردوا إلى المشركين فضلا إن كان بقي لهم " ووقع في الأصل " فأمر أن يعطى من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللاتي هاجرن " ومعناه أن العقب المذكور في قوله فعاقبتم أي أصبتم من صدقات المشركات عوض ما فات من صدقات المسلمات ، وهذا تفسير الزهري ، وقاله مجاهد أي أصبتم غنيمة فأعطوا منها ، وبه صرح جماعة من التابعين كما أخرجه الطبري ، لكن حمله على ما إذا لم يحصل من الجهة الأولى شيء ، وهو حمل حسن . وقوله في آخر الخبر المذكور " وما يعلم أن أحدا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها " وهذا النفي لا يرده ظاهر ما دلت عليه الآية والقصة ، لأن مضمون القصة أن بعض أزواج المسلمين ذهبت إلى زوجها الكافر فأبى أن يعطي زوجها المسلم ما أنفق عليها ، فعلى تقدير أن تكون مسلمة فالنفي مخصوص بالمهاجرات فيحتمل كون من وقع منها ذلك من غير المهاجرات كالأعرابيات مثلا ، أو الحصر على عمومه فتكون نزلت في المرأة المشركة إذا كانت تحت مسلم مثلا فهربت منه إلى الكفار ، ويؤيده رواية يونس الماضية . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث عن الحسن في قوله تعالى وإن فاتكم شيء من أزواجكم قال نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان ارتدت فتزوجها رجل ثقفي ، ولم ترتد امرأة من قريش غيرها ، ثم أسلمت مع ثقيف حين أسلموا ، فإن ثبت هذا استثني من الحصر المذكور في حديث الزهري ، لأن أم الحكم هي أخت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم في حديث ابن عباس أنها كانت تحت عياض بن غنم ، وظاهر سياقه أنها كانت عند نزول قوله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر مشركة وأن عياض بن غنم فارقها لذلك فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي ، فهذا أصح من رواية الحسن .

" تنبيه " :

استطرد البخاري من أصل ترجمة الباب إلى شيء مما يتعلق بشرح آية الامتحان ، فذكر أثر عطاء فيما يتعلق بالمعاوضة المشار إليها في الآية بقوله تعالى وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم ثم ذكر أثر مجاهد المقوي لدعوى عطاء أن ذلك كان خاصا بذلك العهد الذي وقع بين المسلمين وبين قريش وأن ذلك انقطع يوم الفتح ، وكأنه أشار بذلك إلى أن الذي وقع في ذلك الوقت من تقرير المسلمة تحت المشرك لانتظار إسلامه ما دامت في العدة منسوخ لما دلت عليه هذه الآثار من اختصاص ذلك بأولئك ، وأن الحكم بعد ذلك فيمن أسلمت أن لا تقر تحت زوجها المشرك أصلا ولو أسلم وهي في العدة ، وقد ورد في أصل المسألة حديثان متعارضان :

أحدهما أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال " حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين [ ص: 333 ] على النكاح الأول ولم يحدث شيئا " وأخرجه أصحاب السنن إلا النسائي ، وقال الترمذي لا بأس بإسناده ، وصححه الحاكم ، ووقع في رواية بعضهم " بعد سنتين " وفي أخرى " بعد ثلاث " وهو اختلاف جمع بينه على أن المراد بالست ما بين هجرة زينب وإسلامه وهو بين في المغازي فإنه أسر ببدر فأرسلت زينب من مكة في فدائه فأطلق لها بغير فداء ، وشرط النبي صلى الله عليه وسلم عليه أن يرسل له زينب فوفى له بذلك ، وإليه الإشارة في الحديث الصحيح بقوله صلى الله عليه وسلم في حقه " حدثني فصدقني ، ووعدني فوفى لي " والمراد بالسنتين أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى لا هـن حل لهم وقدومه مسلما فإن بينهما سنتين وأشهرا .

الحديث الثاني أخرجه الترمذي وابن ماجه من رواية حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد " قال الترمذي : وفي إسناده مقال . ثم أخرج عن يزيد بن هارون أنه حدث بالحديثين عن ابن إسحاق وعن حجاج بن أرطاة ثم قال يزيد : حديث ابن عباس أقوى إسنادا ، والعمل على حديث عمرو بن شعيب ، يريد عمل أهل العراق .

وقال الترمذي في حديث ابن عباس : لا يعرف وجهه ، وأشار بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد سنتين أو ثلاث مشكل لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة ، ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها ، وممن نقل الإجماع في ذلك ابن عبد البر ، وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر قال بجوازه ورده بالإجماع المذكور ، وتعقب بثبوت الخلاف فيه قديما وهو منقول عن علي وعن إبراهيم النخعي أخرجه ابن أبي شيبة عنهما بطرق قوية ، وبه أفتى حماد شيخ أبي حنيفة ، وأجاب الخطابي عن الإشكال بأن بقاء العدة في تلك المدة ممكن وإن لم تجر العادة غالبا به ولا سيما إذا كانت المدة إنما هـي سنتان وأشهر فإن الحيض قد يبطئ عن ذوات الأقراء لعارض علة أحيانا . وبحاصل هذا أجاب البيهقي ، وهو أولى ما يعتمد في ذلك . وحكى الترمذي في " العلل المفرد " عن البخاري أن حديث ابن عباس أصح من حديث عمرو بن شعيب ، وعلته تدليس حجاج بن أرطاة ، وله علة أشد من ذلك وهي ما ذكره أبو عبيد في كتاب النكاح عن يحيى القطان أن حجاجا لم يسمعه من عمرو بن شعيب وإنما حمله عن العزرمي والعزرمي ضعيف جدا ، وكذا قال أحمد بعد تخريجه ، قال : والعزرمي لا يساوي حديثه شيئا ، قال : والصحيح أنهما أقرا على النكاح الأول .

وجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب وأن حديث ابن عباس لا يخالفه قال : والجمع بين الحديثين أولى من إلغاء أحدهما ، فحمل قوله في حديث ابن عباس " بالنكاح الأول " أي بشروطه ، وأن معنى قوله " لم يحدث شيئا " أي لم يزد على ذلك شيئا ، قال : وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول ، وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد ومهر جديد والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل ، ويؤيده مذهب ابن عباس المحكى عنه في أول الباب فإنه موافق لما دل عليه حديث عمرو بن شعيب ، فإن كانت الرواية المخرجة عنه في السنن ثابتة فلعله كان يرى تخصيص ما وقع في قصة أبي العاص بذلك العهد كما جاء ذلك عن أتباعه كعطاء ومجاهد ، ولهذا أفتى بخلاف ظاهر ما جاء عنه في ذلك الحديث ، على أن الخطابي قال في إسناد حديث ابن عباس : هذه نسخة ضعفها علي بن المديني وغيره من علماء الحديث ، يشير إلى أنه من رواية داود بن الحصين عن عكرمة قال : وفي حديث عمرو بن شعيب زيادة ليست في حديث ابن عباس ، والمثبت مقدم على النافي ، غير أن الأئمة رجحوا إسناد حديث ابن عباس اهـ . والمعتمد ترجيح إسناد حديث ابن عباس على حديث عمرو بن شعيب لما تقدم ، ولإمكان حمل حديث ابن عباس على وجه ممكن . وادعى الطحاوي أن حديث ابن عباس منسوخ وأن النبي صلى الله عليه وسلم رد ابنته على أبي العاص بعد رجوعه من بدر لما أسر فيها ثم افتدى وأطلق ، وأسند ذلك عن الزهري وفيه نظر ، فإن ثبت عنه فهو مؤول لأنها كانت مستقرة عنده بمكة ، وهي التي أرسلت في افتدائه كما هـو [ ص: 334 ] مشهور في المغازي ، فيكون معنى قوله " ردها " أقرها ، وكان ذلك قبل التحريم . والثابت أنه لما أطلق اشترط عليه أن يرسلها ففعل كما تقدم ، وإنما ردها عليه حقيقة بعد إسلامه . ثم حكى الطحاوي عن بعض أصحابهم أنه جمع بين الحديثين بطريق أخرى ، وهي أن عبد الله بن عمرو كان قد اطلع على تحريم نكاح الكفار بعد أن كان جائزا فلذلك قال " ردها عليه بنكاح جديد " ولم يطلع ابن عباس على ذلك فلذلك قال " ردها بالنكاح الأول " وتعقب بأنه لا يظن بالصحابة أن يجزموا بحكم بناء على أن البناء بشيء قد يكون الأمر بخلافه ، وكيف يظن بابن عباس أن يشتبه عليه نزول آية الممتحنة والمنقول من طرق كثيرة عنه يقتضي إطلاعه على الحكم المذكور وهو تحريم استقرار المسلمة تحت الكافر ، فلو قدر اشتباهه عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز استمرار الاشتباه عليه بعده حتى يحدث به بعد دهر طويل ، وهو يوم حدث به يكاد أن يكون أعلم أهل عصره . وأحسن المسالك في هذين الحديثين ترجيح حديث ابن عباس كما رجحه الأئمة وحمله على تطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلام أبي العاص ، ولا مانع من ذلك من حيث العادة فضلا عن مطلق الجواز . وأغرب ابن حزم فقال ما ملخصه : إن قوله " ردها إليه بعد كذا " مراده جمع بينهما ، وإلا فإسلام أبي العاص كان قبل الحديبية ، وذلك قبل أن ينزل تحريم المسلمة على المشرك . هكذا زعم وهو مخالف لما أطبق عليه أهل المغازي أن إسلامه كان في الهدنة بعد نزول آية التحريم . وقد سلك بعض المتأخرين فيه مسلكا آخر فقرأت في " السيرة النبوية للعماد بن كثير " بعد ذكر بعض ما تقدم قال : وقال آخرون بل الظاهر انقضاء عدتها ، وضعف رواية من قال جدد عقدها ، وإنما يستفاد منه أن المرأة إذا أسلمت وتأخر إسلام زوجها أن نكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك بل تتخير بين أن تتزوج غيره أو تتربص إلى أن يسلم فيستمر عهده عليها ، وحاصله أنها زوجته ما لم تتزوج ، ودليل ذلك ما وقع في حديث الباب في عموم قوله " فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه " والله أعلم ، ثم ذكر البخاري حديث عائشة في شأن الامتحان وبيانه لشدة تعلقه بأصل المسألة .

قوله ( وقال إبراهيم بن المنذر حدثني ابن وهب ) ذكر أبو مسعود أنه وصله عن إبراهيم بن المنذر ، وقد وصله أيضا الذهلي في " الزهريات " عن إبراهيم بن المنذر وسيأتي اللفظ في البخاري كرواية يونس ، فإن مسلما أخرجه عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب كذلك ، وأما لفظ رواية عقيل فتقدمت في أول الشروط ، وأشار الإسماعيلي إلى أن رواية عقيل المذكورة في الباب لا تخالفها .

قوله ( كانت المؤمنات إذا هـاجرن ) أي من مكة إلى المدينة قبل عام الفتح .

قوله ( يمتحنهن بقول الله تعالى ) أي يختبرهن فيما يتعلق بالإيمان فيما يرجع إلى ظاهر الحال دون الاطلاع على ما في القلوب ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى الله أعلم بإيمانهن .

قوله ( مهاجرات ) جمع مهاجرة والمهاجرة بفتح الجيم المغاضبة ، قال الأزهري : أصل الهجرة خروج البدوي من البادية إلى القرية وإقامته بها ، والمراد بها هـاهنا خروج النسوة من مكة إلى المدينة مسلمات .

قوله ( إلى آخر الآية ) يحتمل الآية بعينها وآخرها والله عليم حكيم ويحتمل أن يريد بالآية القصة وآخرها غفور رحيم وهذا هـو المعتمد ، فقد تقدم في أوائل الشروط من طريق عقيل وحده عن ابن شهاب عقب حديثه عن عروة عن المسور ومروان قال عروة فأخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات إلى غفور رحيم وكذا وقع في رواية ابن أخي الزهري عن الزهري في تفسير الممتحنة .

[ ص: 335 ] قوله ( قالت عائشة ) هو موصول بالإسناد المذكور .

قوله ( فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة ) يشير إلى شرط الإيمان ، وأوضح من هذا ما أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال " كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " وأما ما أخرجه الطبري أيضا والبزار من طريق أبي نصر عن ابن عباس " كان يمتحنهن : والله ما خرجت من بغض زوج ، والله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض ، والله ما خرجت التماس دنيا ، والله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله " ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد نحو هذا ولفظه " فاسألوهن عما جاء بهن ، فإن كان من غضب على أزواجهن أو سخطه أو غيره ولم يؤمن فأرجعوهن إلى أزواجهن " ومن طريق قتادة " كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن نشوز ، وما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله فإذا قلن ذلك قبل منهن " فكل ذلك لا ينافي رواية العوفي لاشتمالها على زيادة لم يذكرها .

قوله ( انطلقن فقد بايعتكن ) بينته بعد ذلك بقولها في آخر الحديث " فقد بايعتكن كلاما " أي كلاما يقوله . ووقع في رواية عقيل المذكورة " كلاما يكلمها به ولا يبايع بضرب اليد على اليد ، كما كان يبايع الرجال " وقد أوضحت ذلك بقولها " ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط " زاد في رواية عقيل في المبايعة غير أنه بايعهن بالكلام . وقد تقدم في تفسير الممتحنة وفي غير موضع حديث ابن عباس وفيه " حتى أتى النساء فقال : ياأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية كلها . ثم قال حين فرغ - : أنتن على ذلك ؟ فقالت امرأة منهن نعم " وقد ورد ما قد يخالف ذلك ، ولعلها أشارت إلى رده ، وقد تقدم بيان ذلك مستوفى في تفسير سورة الممتحنة . واختلف في استمرار حكم امتحان من هاجر من المؤمنات : فقيل منسوخ ، بل ادعى بعضهم الإجماع على نسخه ، والله أعلم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث