الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
مسألة : في قتل الحر بالعبد قال أبو بكر : وقد اختلف الفقهاء في القصاص بين الأحرار والعبيد ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر رضي الله عنهم : " لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في الأنفس ويقتل الحر بالعبد والعبد بالحر " وقال ابن أبي ليلى : " القصاص واجب بينهم في جميع الجراحات التي نستطيع فيها القصاص " . وقال ابن وهب عن مالك : " ليس بين الحر والعبد قود في شيء من الجراح ، والعبد يقتل بالحر ، ولا يقتل الحر بالعبد " .

وقال الليث بن سعد : " إذا كان العبد هو الجاني اقتص منه ، ولا يقتص من الحر للعبد " وقال : " إذا قتل العبد الحر فلولي المقتول أن يأخذ بها نفس العبد القاتل فيكون له ، وإذا جنى على الحر فيما دون النفس فللمجروح القصاص إن شاء " .

وقال الشافعي : من جرى عليه القصاص في النفس جرى عليه في الجراح ، ولا يقتل الحر بالعبد ، ولا يقتص له منه فيما دون النفس ، وجه دلالة الآية في وجوب القصاص بين الأحرار والعبيد في النفس ، أن الآية مقصورة الحكم على ذكر القتلى ، وليس فيهم ذكر لما دون النفس من الجراح ، وسائر ما ذكرنا من عموم آي القرآن في بيان القتلى والعقوبة والاعتداء يقتضي قتل الحر بالعبد ، ومن حيث اتفق الجميع على قتل العبد بالحر وجب قتل الحر بالعبد ؛ لأن العبد قد ثبت أنه مراد بالآية ، والآية لم يفرق مقتضاها بين العبد المقتول والقاتل ، فهي عموم فيهما جميعا .

ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب فأخبر أنه أوجب القصاص ؛ لأن فيه حياة لنا . وذلك خطاب شامل للحر والعبد ؛ لأن صفة أولي الألباب تشملهم جميعا ، فإذا كانت العلة موجودة في الجميع لم يجز الاقتصار بحكمها على بعض من هي موجودة فيه دون غيره . ويدل عليه من جهة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم : المسلمون تتكافأ دماؤهم وهو عام في العبيد والأحرار فلا يخص منه شيء إلا بدلالة .

ويدل عليه من وجه آخر : وهو اتفاق الجميع على أن العبد إذا كان هو القاتل فهو مراد به ، كذلك إذا كان مقتولا ؛ لأنه لم يفرق بينه إذا كان قاتلا أو مقتولا .

فإن قيل : لما قال في سياق الحديث : ، ويسعى بذمتهم أدناهم وهو العبد ، يدل على أنه لم يرده بأول الخطاب ؟ . قيل له : هذا غلط من قبل أنه لا خلاف أن العبد إذا كان قاتلا فهو مراد ، ولم يمنع قوله : ويسعى بذمتهم أدناهم [ ص: 168 ] أن يكون مرادا إذا كان قاتلا ، كذلك لا يمنع إرادته إذا كان مقتولا ، على أن قوله : ويسعى بذمتهم أدناهم ليس فيه تخصيص العبد من غيره ، وإنما المراد أدناهم عددا ، هو كقوله : واحد منهم ، فلا تعلق لذلك في إيجاب اقتصار حكم أول اللفظ على الحر دون العبد .

وعلى أنه لو قال : ويسعى بذمتهم عبدهم ، لم يوجب تخصيص حكمه في مكافأة دمه لدم الحر ؛ لأن ذلك حكم آخر استأنف له ذكرا ، وخص به العبد ليدل على أن غير العبد أولى بالسعي بذمتهم . فإذا كان تخصيص العبد بالذكر في هذا الحكم لم يوجب أن يكون مخصوصا به دون الآخر ، فلأن لا يوجب تخصيص حكم القصاص أولى .

فإن قيل : قوله : المسلمون تتكافأ دماؤهم يقتضي التماثل في الدماء ، وليس العبد مثلا للحر . قيل له فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم مثلا له في الدم ؛ إذ علق حكم التكافؤ منهم بالإسلام ، ومن قال ليس بمكافئ له فهو خارج على حكم النبي صلى الله عليه وسلم مخالف بغير دلالة . ويدل عليه أيضا ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا معاذ بن المثنى قال : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله إلا في إحدى ثلاث : التارك للإسلام المفارق للجماعة ، والثيب الزاني ، والنفس بالنفس فلم يفرق بين الحر والعبد ، وأوجب القصاص في النفس بالنفس .

وذلك موافق لما حكى الله مما كتبه على بني إسرائيل فحوى هذا الخبر معنيين ، أحدهما : أن ما كان على بني إسرائيل من ذلك فحكمه باق علينا ، والثاني : أنه مكتف بنفسه في إيجاب القصاص عاما في سائر النفوس . ويدل عليه أيضا من جهة السنة ، ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا موسى بن زكريا التستري قال : حدثنا سهل بن عثمان العسكري أبو معاوية ، عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول فقد دل هذا الخبر على معنيين :

أحدهما : إيجاب القود في كل عمد ، وأوجب ذلك القود على قاتل العبد .

والثاني : نفى به وجوب المال ؛ لأنه لو وجب المال مع القود على وجه التخيير لما اقتصر على ذكر القود دونه . ويدل أيضا عليه من جهة النظر أن العبد محقون الدم حقنا لا يرفعه مضي الوقت ، وليس بولد للقاتل ، ولا ملك له ، فأشبه الحر الأجنبي ، فوجب القصاص بينهما كما يجب على العبد إذا قتل حرا بهذه العلة ، كذلك إذا قتله الحر لوجود العلة فيه .

وأيضا فمن منع أن يقاد الحر بالعبد ، فإنما منعه لنقصان الرق الذي [ ص: 169 ] فيه ، ولا اعتبار بالمساواة في الأنفس ، وإنما يعتبر ذلك فيما دونها ، والدليل على ذلك أن عشرة لو قتلوا واحدا قتلوا به ، ولم تعتبر المساواة ، كذلك لو أن رجلا صحيح الجسم سليم الأعضاء قتل رجلا مفلوجا مريضا مدنفا مقطوع الأعضاء قتل به ، وكذلك الرجل يقتل بالمرأة مع نقصان عقلها ودينها ، وديتها ناقصة عن دية الرجل . فثبت بذلك أن لا اعتبار بالمساواة في إيجاب القصاص في الأنفس ، وأن الكامل يقاد منه للناقص ، وليس ذلك حكم ما دون النفس ؛ لأنهم لا يختلفون في أنه لا تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء ، وتؤخذ النفس الصحيحة بالسقيمة .

وروى الليث عن الحكم ، أن عليا وابن مسعود قالا : " من قتل عبدا عمدا فهو قود " .

التالي السابق


الخدمات العلمية