النظرة القاتلة

19/03/2002| إسلام ويب


لامه أبوه على تماديه في حب بثينة ، فقام وهو يبكي ، فبكى أبوه ومن حضر جَزَعًا لما رأوا منه . فقال في ذلك :
ألا مَنْ لِقلـبٍ لا يمــلُّ فيَذهــلُ .... أَفقْ بالتعزي ، عن بُثينةَ ، أجمــلُ (1)
سلا كُلُّ ذي وُدٍّ ، علمتُ مكانــه .... وأنتَ بها حتى الممـاتِ مُوكَّــلُ (2)
فما هكذا أحببتَ من كانت قبلهــا .... ولا هكذا ، فيما مضى ، كُنتَ تفعَلُ (3)
أعنْ ظُعُنِ الحيِّ الأُلى كُنتَ تسألُ .... بليلٍ ، فردّوا عِيرَهم ، وتَحمّلــوا (4)
فأمسوا وهُمْ أهلُ الديار ، وأصبحوا .... ومِن أهلها الغِربانُ بالدارِ تَحْجــِلُ (5)
على حين ولّى الأمرُ عنا ، وأَسمحتْ .... عصا البين، وانبتَّ الرجاءُ المؤمَّلُ (6)
فما هو إلا أن أَهيــمَ بِذكرهــا ...... ويحظى بجدواها سوايَ وَيَجــذَلُ (7)
وقد أبقتِ الأيامُ منـي ، على العِدى .... حُسامًا، إذا مسَّ الضريبةَ ، يَفصـلُ (8)
ولستُ كمنْ إنْ سيمَ ضَيمًا أطاعـهُ .... ولا كامرئٍ ، إنْ عضَّهُ الدهرُ يَنكُـلُ (9)
لعمري ، لقد أبدى لي البين صفحهُ .... وبيَّنَ لي ما شِئتُ، لو كُنتُ أعْقِـلُ (10)
وآخِرُ عهدي ، من بُثينة ، نظــرةٌ .... على موقفٍ ، كادت من البين تَقْتُلُ (11)
فلله عينًا مَن رأى مِثلَ حَاجـــةٍ .... كَتَمتُكِها ، والنفسُ منهـا تَمَلمــَلُ (12)
وإني لأستبكي ، إذا ذُكر الهــوى .... إليكِ ، وإنِّي ، من هواكِ، لَأَوجلُ (13)
نظرتُ بِبِشرٍ نظرةً ظلْتُ أمتري .... بها عَبرةً ، والعينُ بالدمعِ تُكحـلُ (14)
إذا ما كَررتُ الطَّرفَ نحوكِ رَدَّهُ .... من البُعدِ فيّاضٌ من الدمعِ يَهمِـلُ (15)
فيا قلبُ ، دع ذكرى بُثينةَ ، إنهـا .... وإنْ كُنتَ تهواها ، تَضَنُّ وتبخلُ (16)
قناةٌ من المُرّان مَا فوقَ حَقْوِهــا .... وما تحتــه مِنـا نقًا يتهيّــلُ (17)
وقد أيأسَتْ من نيلها ، وتجهّمـتْ .... ولَلْيأسُ ، إن لم يُقدرِ النيلُ، أمثَلُ (18)
وإلاَّ فسلْها نائلاً قَبْــلَ بَينِهــا .... وَأبخِلْ بها مسؤولةً حينَ تُسـألُ (19)
وكيف تُرجّي وَصلها ، بَعد بُعدِها .... وقد جُذّ حَبْلُ الوصلِ ممَّن تُؤمِّلُ (20)
وإنَّ التي أحببتَ قدْ حِيلَ دُونَها .... فكُنْ حازِمًا ، والحازِمُ المُتحوِّلُ (21)
ففي اليأس ما يُسلي، وفي الناسِ خُلّةٌ .... وفي الأرضِ، عمّن لا يؤاتيكَ، معزِلُ (22)
بدا كَلَفٌ مني بها ، فتثاقلــتْ .... وما لا يُرى من غائبِ الوجدِ أفضلُ (23)
هَبيني بـريئًا نـِلْتـِه بـظُلامـةٍ .... عفـاهـا لـكم ، أو مـذنبـًا يتنصّـلُ(24)

من ديوانه ص97-99
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
(1) يذهل عنه : ينشغل عنه ، التعزي : التصبر.
(2) سلا : نسي ، موكل : محب ، متعلق.
(3) يقول: لم تكن هذه عادتك في الحب . كنت قبلها تحب وتسلو.
(4) العير: القافلة . تحملوا : ارتحلوا . الظعن : المرأة في الهودج.
(5) تحجل الغربان : تنزو في مشيتها . يقول : خلت الدار من أهلها وحلت محلهم الغربان.
(6) أسمحت : أطاعت ولانت بعد استصعاب . انبتّ : انقطع . البين : الفراق والبعد.
(7) جدواها : عطاؤها ، يجذل : يفرح.
(8) الضريبة : الرجل المضروب . الحسام : السيف.
(9) سيم: لقي ، أذيق. الضيم : الظلم . ينكل : ينكص ، يتراجع.
(10) البين : الفراق . الصفح : الجانب.
(11) يقول : لقد نظرت إلي بثينة نظرة يوم الرحيل كادت تقتلني.
(12) يقول: فليحفظ الله عيني من رأى مثل حاجة كتمتها والنفس تكاد تبوح بها.
(13) أوجل : أخاف.
(14) أمتري : أستخرج ، أسفح الدمع ، البشر : طلاقة الوجه ، الفرح.
(15) الطرف : النظر . فياض : مدرار.
(16) يقول : يا قلب انسَ بثينة لأنها تبخل عليك بالوصال . تضن: تبخل.
(17) المران: نبات تتخذ منه الرماح . حقوها : كشحها ، النقا : الكثيب ، والمراد به ردفها . يتهيل: يتحرك ويترجرج. والقناة الرمح والمراد بالقناة انتصاب قامتها.
(18) أمثل : أفضل . النيل : العطاء.
(19) النائل: العطاء . البين : الفراق . ثم يقول إنها أبخل ما تكون حين تُسأل.
(20) جذ: قطع . الوصل : الوصال.
(21) حيل دوها : تعذر لقاؤها . المتحول : من يتحول إلى سواها.
(22) الخلة: الصداقة لا خلل فيها ، والصديق والأصدقاء يواتيك : يواصلك.
(23) الكلف : شدة الحب . الوجد : الحب . تثاقلت : نهضت بصعوبة وبرودة.
(24) الظُّلامة : الظلم . يتنصل : يتبرأ .



 










www.islamweb.net