صورة المسلمين في خيال الغرب

10/04/2001| إسلام ويب

أكاذيب عنصرية تغذي العداء للإسلام

  ساعتان من البث المباشر في أكبر محطة اذاعية فرنسية وأوربية صباح يوم الثلاثاء 29 أغسطس - 2000 / محطة أوربا الأولى ، مخصصتان لإحياء ذكرى الحروب الصليبية ساعد فيهما بالحديث المؤرخ الفرنسي / جاك مارسي وفتحت الإذاعة خطوطها الهاتفية للمواطنين المتدخلين من أغلب الدول الأوربية . هاتان الساعتان كانتا كافيتين لإعطاء فكرة واضحة عن مدى التضليل السياسي والإعلامي العنصري الذي يستهدف دار الإسلام .
فهذا التضليل المتواصل منذ قرون أخذ مع هذا العصر ومكتشفاته منعرجـًا أخطر واكتسب مساحة أرحب وطبع في الخيال الجماعي الغربي صورة خاطئة ومعاكسة للحقيقة عن الإسلام والمسلمين .
  ولا غرو إذن أن تستعمل الحروب الصليبية إالى اليوم منطلقا مثاليا لإشاعة الأكاذيب ضد الإسلام ، وترويج جملة من الأساطير والخرافات عن قصد ، بطريقة عكس احداث التاريخ الماضية على مرآة الواقع اليوم ، لخدمة أغراض دنيئة ودفينة صادرة عن أصحاب المصالح المادية أو أصحاب العقائد المريضة .
ولذلك نعتبر البرنامج الإذاعي المباشر الذي بث يوم الثلاثاء " عيّنة " حية من عينات التضليل . وبالطبع فالبرنامج جاء بلا مناسبة تاريخية ، لأن انطلاق الحروب الصليبية في كاتد رائية / مدينة كليرمون الفرنسية جاء يوم 27 نوفمبر 1095، وتدمير بيت المقدس على أيدي الصليبيين جاء في 5 يوليو 1099م ولكن اختيار هذه الأيام لإثارة الحساسيات ضد الإسلام هو اختيار فيه كثير من الدهاء لأن أغلب أجهزة الإعلام في أوروبا تحتوي على تيارات صهيونية لاشك في تأثيرها ونفوزها ، ففي هذا الأسبوع الأخير من شهر أغسطس 2000 تتحدث أجهزة الإعلام عن اختطاف الرهائن الغربيين من قبل عصابة أبو سياف الفيلبينية في جزيرة جالو ، وإمكانية تحريرهم ، بل إن اختيار يوم الثلاثاء 29 اغسطس 2000 هو اختيار يتزامن مع وصول الرهائن أحراراً إلى الجماهيرية الليبية التي كان لها فضل التدخل الحاسم لحل هذه المعضلة الإنسانية ، وبالطبع فإن أقطاب العنصرية والصهيونية يخشون من " اعتدال " الرأي العام الأوروبي والغربي عامة ، فيسعون بإثارة ذكرى الحروب الصليبية إلى المزيد من دق اسفينى التنافر والتجاهل والتعادي بين الإسلام والغرب .
   يقول المؤرخ الفرنسي / بول روسي PAUL ROUSSET في كتابه / تاريخ الحملات الصليبية نشر / مايو 1957 ما يلي : " إن الحروب الصليبية رغم مرور ثمانية قرون على نهايتها ظلت إلى اليوم حاضرة بشدة في الضمائر ، تغذي المخيلة الجماعية بصور غامضة هلامية وتحيي في النفوس ذكريات غائمة وتحرك في الناس نوازع وردود فعل وتغذي في الرأي العام الدعايات المختلفة .. " .
   وبالفعل فإن كل المتدخلين بالهاتف من الأستاذة أو من عامة الناس من أصل أوربا ربطوا بين عصر الحملات الصليبية وهذا العصر الراهن ، بالتأكيد على أن الإسلام " دين دخيل " أتى ليزحزح " مملكة المسيح " عن مواقعها ... وأحيانا يتكلم أحد المؤرخين ليصحح هذه الصورة الارتجالية ، كقول المؤرخ / مارسي بأن الإسلام دين التسامح وهو أول دين سمح للأديان الأخرى بممارسة عباداتها في بيت المقدس حين فتحها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أو حين استرجعها صلاح الدين الأيوبي من أيدي الصليبيين ، هذان التاريخان ظلا منارتين إسلاميتين في ملحمة بيت المقدس حين دخلها الفاروق فاتحا بعد ست سنوات من انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى ( 638 م ) فأعلن سماحة الإسلام وتعايشه مع الأديان السماوية ثم حين دخلها المجاهد صلاح الدين الأيوبي ، بعد أكثر من تسعين عامـًا وكان ذلك عام 1186 م .   
تحدث المؤرخ الفرنسي والأستاذ بجامعة السربون / جاك مارسي عن هذين التاريخين ، وربط بينهما وبين انتقال العلوم والحضارة للغرب من بلاد الإسلام قائلا : إنه لولا ترجمة فلسفة ارسطو اليونانية من قبل العرب ولولا علوم الحساب والرياضيات والفلك والجغرافيا والكيمياء والطب والصيدلة والزراعة ، لما نشأت نهضة الغرب , وأكد الاستاذ / جاك مارسي في برنامج الإذاعة المذكور بأن مركزين هامين من مراكز انتقال الحضارة من العرب للغرب هما : صقلية وطليطة ، لأنهما شهدا انصهار علوم العرب مع نهضة أوربا - وتحدث المتدخلون عن هزيمة الملك الفرنسي القديس لويس التاسع ، الذي تم أسره في مصر خلال الحملة الخامسة ، ثم مات في تونس عام 1470 ، في نهاية الحملة الثامنة وأعلن موته نهاية الحروب الصليبية بعد قرنين من الزمان كانا لحظة حاسمة في تاريخ العالم ، وفي تاريخ العلاقات بين الإسلام والغرب . وهكذا نشهد في أجهزة الإعلام الغربية صراعًا دائرًا بين الموضوعية والتعتيم ؛ بين الاعتراف بفضل الإسلام وطمس لمعالمه الحضارية ، بين نزعة العرفان بجميل المسلمين ونزعة رفضهم جملةً وتفصيلا ً.
ولا شك في أن الوضع الاقتصادي الراهن على ضفتي البحر الأبيض المتوسط يساهم في تكوين شعور عنصري باطنى لدى الأوربيين .
فعلى ضفة البحر الجنوبية نجد سواحل العالم العربي الإسلامي ماتزال محتاجة للتنمية ولتشغيل طاقات الشباب ، بينما نجد على الساحل الشمالي الأوربي دولاً نامية مستقرة أصبحت كأنها الجنة الموعودة لشريحة هامة من شباب المغرب العربي وأفريقيا .
وهو وضع يخلق مواطن أزمة ، ويدعو لإعادة النظر في برامج تأهيل الأجيال العربية المسلمة ، على أساس المزيد من إشعارها بهويتها وكبريائها المشروعة كوريثة حضارة عريقة نبيلة قابلة للتجدد والبعث .
    وفي هذا المناخ الإعلامي والسياسي ، تجري عدة محاولات في فرنسا وألمانيا والنمسا وبريطانيا وايطاليا وبلجيكا واسبانيا لإقرار جسور حوار وتعاون بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ، وتقوم الجامعات - وخاصة السربون الفرنسية وأكسفورد البريطانية - بجهود مشكورة في مجال تيسير العلاقات الفكرية بين الإسلام والغرب ولم نجد مع الأسف جهودًا تذكر في الجامعات العربية - ما عدا جامعات مصر والخيليج العربي - ترافق هذا المشروع الطموح : مشروع تنوير الرأي العام العالمي بحقائق الإسلام الحنيف في عصر ا

www.islamweb.net