حوار مع عائض القرني في قطر

30/08/2009| إسلام ويب

أثنى فضيلة الشيخ الداعية عايض القرني على أهل قطر، وقال إنهم شعب متدين بالفطرة، مستدلاً بآل ثاني الذين كانوا أول من طبع كتاب ابن تيمية، وصحح القرني في لقاء أجراه لإدارة الدعوة صورة الإسلام، مشيراً إلى أنه ليس إرهاباً فكرياً ولا دعوة بالسيف.

* بعد زيارات متكرّرة لقطر ماذا لاحظتم في آخر زيارة لكم؟
- أولاً الحمد لله فقطر لها مكانة في قلوبنا، وأشكر سعادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية على هذه الدعوة الكريمة التي جعلتني ألتقي بإخواني وأحبابي في قطر، ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أشكر سعادة وزير الدولة للشؤون الداخلية، وسعادة وزير الشؤون الاجتماعية، إن قطر أصبحت قبله الكثيرين، لما تميزت به من كثرة المناشط واللقاءات حتى أصبحت الوفود تلو الوفود يركبون الطائرات والسيارات قاصدين ومتجهين إلى قطر، لحضور مؤتمر أو المشاركة في ندوة أو إلقاء محاضرات في أنشطة مختلفة ثقافية أو علمية، فأتمنى لهم مزيداً من النجاح والتوفيق.
الأمر الثاني أن شعب قطر متدين بالفطرة، لأنه على معتقد صحيح وعلى وجهة صحيحة، والأمر الثالث أنني أدعو الجيل أن يرعوا الرسالة التي رعاها الأبناء والأجداد ألا وهي رسالة الدين الخالص، والمحافظة على تراث الأجداد، حيث إن أول من طبع كتب ابن تيمية هم آل ثاني الكرام، فبارك الله فيهم وغفر لهم ولجميع المسلمين.

* ذكرتم في محاضرة لفضيلتكم "تدمير العقول" بأنه جاء في الأثر "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" فهل ما رأيتموه من جهد للمسؤولين في قطر يصل للحد المطلوب؟
- نعم ما رأيته من جهود وتعاون بين المؤسسات في قطر لمكافحة الآفات التي تضر الشباب وتصرف عزائمه، بل إن تواجد وزير الدولة لشؤون الداخلية، وكذلك وزير الشؤون الاجتماعية، وتعاون المؤسسات الأخرى من الأوقاف وغيرها لدليل على الشعور بالمسؤولية، بل ورد إلى علمي أن هناك تعاوناً بين قطر والدول المجاورة في هذا المجال، لمنع كل ما يضر بالشباب، وجهودهم الإعلامية والتعريفية عمل يستحقون عليه التحية والتقدير.

* وما هو السبيل الأمثل لتحصين شباب الأمة من هذه المخاطر التي تحاك بهم وخصوصاً داء المخدرات؟
- لقد ألقيت محاضرة بعنوان "تدمير العقول" وتحدثت فيها عن بعض هذه السبل التي تحمي أبناء الأمة من هذه الآفة الخطيرة والداء العظيم الفتاك، ومنها التربية المنزلية عن طريق الأبوين معاً، والتي تحفظ الأبناء من سلوك غير قويم أو السير في طريق الهلاك والضياع، وكذلك تسخير وسائل الإعلام لبيان مخاطر هذه الآفة، وإرسال رسائل مرشدة لهؤلاء الشباب، والتعاون التام بين جميع المؤسسات بالدول، لتكون يداً واحدة أمام هذه الأمراض والأدواء التي تريد أن تنال من شباب الأمة، فضلاً عن العمل على إيجاد وتوفير فرص عمل لهؤلاء الشباب، وعدم تركهم عرضة للبطالة والفراغ، وأن يقوم الدعاة وطلبة العلم والخطباء في المساجد بنشر هؤلاء الشباب، وعدم تركهم وتعليمهم العلم النافع، وكذلك تضافر الجهود الأمنية لمحاصرة هذا الداء والقضاء عليه.

* جبتم الشرق والغرب وتعاملتم مع جنسيات عدة فما هي أفضل الطرق لدعوة أصحاب المعاصي من المسلمين وإنكار منكرهم؟ وثانياً دعوة غير المسلمين في بلادنا الإسلامية؟
- في هذا الأمر سبيلان، الأول دعوة المسلمين وتكون بالرفق والحكمة، وعليه أن يداوي أهل الشهوات وأهل الشبهات فمن ابتلي بالشبهات بأن أصيب بزيغ في المعتقد "نفاق إلحاد شك" فيعالج هذا بالعلم النافع من الأدلة والبراهين من الكتاب والسنة، أما مرضى وصرعى الشهوات فيعالجون بالوعظ والتذكير والتربية الصالحة الصحيحة، والعبادة السليمة والمحافظة على الأذكار، وإن معظم أمراض الأمة من باب الشهوات، وهو مرض قلبي يعالج بأن نرد الشباب إلى المسجد، فإذا نجح كل إمام في رسالته في مسجده بأن أقامه على السنة وطبق فيه السنة، وأصبح مسجده خلية من النشاط، فتارة درس وأخرى محاضرة، وثالثة مسابقة وتذكير بسنة وبيان لبدعة، فهكذا كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، أما أن يكون الأمام موظفاً يؤدي وظيفة، ثم يخرج ما أثر ولا تأثر فهذا ما طبق هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فالإمام منصب تشريف وتكريم، والإمام الناجح هو الذي يحول مسجده إلى منارة للعلم والمعرفة والتعاون بينه وبين المصلين فيما فيه خير المجتمع، أما دعوة غير المسلمين فاليعلم أن هداية غير المسلمين وإخراجهم من الضلالة إلى الهداية فهو فوز عظيم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي يوم خيبر "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" فلندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

* وكيف تنظرون إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم في ظل الانهزامية والدونية وغياب الوعي الذي تمنى به الأمة؟
- يجب على المسلم أن يكون متفائلاً دائماً، ولا ييأس ولا يشعر بالإحباط، لأن الله تعالى يقول { وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بل نكون متفائلين متأكدين أننا على الحق، متشرفين بالرسالة التي نحملها، ولا نركن إلى المثبطين أو المحبطين والذين لا ينظرون إلا إلى الجانب السيئ والجانب السلبي، أو عيوب الأمة، بل علينا أن نعلم أننا الآن أحسن مما كنا علينا في السابق من 30 عاماً مثلاً من انتشار الإسلام الحق والتوحيد وعلومه مع كثرة الفساد عن ذي قبل، ولكن العقائد تجدها تصحح والدعوة متاحة، وانتشار المراكز الإسلامية، ودخول الكثير من الناس في دين الله أفواجاً.

* الحال الآن لا يخفى عليكم ما السبيل إلى عودة اللحمة ودعوة أصحاب الأفكار الغريبة على أمتنا وعن سماحة الإسلام؟
- لقد بيّن لنا الإسلام طرق الدعوة وسبلها، وضرب لنا الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة الحسنة في الدعوة، بل وجهنا القرآن إلى ذلك قال تعالى { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }، فينبغي علينا أن نأخذ قدوتنا من النبي صلى الله عليه وسلم، فهو نعم الأسوة والقدوة، كما أن المشكلة أن بعض الشباب يفهم الدين فهماً قاصراً، لأنه لم يتمكن في معرفة النصوص، والجهل بالدين هو الذي أوقع بعض الناس في التشدد والغلو في الدين، وتكريه غير المسلمين في الإسلام بل تشويه صورة الإسلام العالمية السمحة الجميلة أمام العالم، لأنه ما سلك طريق اللين والرفق والرحمة، وإني لأعجب حينما أرى الكثير من الشباب وقد سلك مسالك يدعي أنه على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وليست كذلك، وقد بين لنا القرآن ذلك فليس في الإسلام إرهاب فكري، وليس فيه دعوة بالسيف ولا بالسوط، ولكن بالدليل والإقناع وكل حجة ناجعة ناجحة توجد في الإسلام.

* الشباب هم عماد الأمة ورأس مالها بما تنصح وتوجه فضيلتكم المسؤولين ومن بعدهم الشباب؟
- نعم غالب الخطاب الذي هو هدف لمثل هذه الزيارة هو مخاطبة الشباب، حيث إن أكبر شريحة هي شريحة الشباب، وتنصب اللقاءات لي وغيري من الدعاة في هذه الفترة لبيان الاهتمام بهم وبقضاياهم، حيث إن شباب الأمة مستهدف ويغزى في عقر داره سواء من المخدرات أو غيرها من الأمور التي تهدم هذا الركن وتميعه وتبعده عن اهتماماته التي يجب أن يحيا لها، ويعيش ويجتهد من أجلها، ولأن الأعداء يعلمون أن أمل هذه الأمة هم الشباب، لذلك أرادوا بهم الشر والتمييع والتسفيه ومسخ هذه الأمة، لأن الأمل هو أمة الإسلام، لذا فإنني أطلب من الشباب أن ينتبهوا ويعلموا ما يحاك بهم من أجل إفسادهم، ويعلموا أنهم جنود محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم أبناء شرعيون لهذا الدين وللفاتحين والمجددين في هذا الدين، وأحفاد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وحفاظ العقيدة، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلكم في عقولكم أو في أخلاقكم وفي دينكم.

* بعض القضايا والأزمات التي عصفت بالعالم الآن، مثل قضية الأزمة المالية أولاً ثم إنفلونزا الخنازير كيف تنظرون فضيلتكم إليها؟
- الحمد لله دين الإسلام سبق العالم أجمع قبل 1400 سنة بأن أوجد لنا كمسلمين حلولاً لجميع الأزمات، بل العجيب أن الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت العالم لها عندنا حل قبل 14 قرناً، فتجد أن العالم الآن انقسم إلى أمرين الأول أن تلغى الفائدة، وأن تخصص 2 % توزع للفقراء، بينما الإسلام سبق إلى ذلك فألغى الفائدة التي هي الربا، وجعل زكاة المال 2.5 % التي توزع للفقراء، ولكن البشر لما انحرفوا عن منهج الله وتشرعوا بغير شريعة الله وقعوا فيما وقعوا فيه قال تعالى { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، وفي شريعتنا الربانية الحل السياسي والحل الاجتماعي والحل الاقتصادي لكل معضلة، لكن المشكلة لو أن الأمة كانت جاهلة أو معجبة بعدوها وتقلد الغرب، ولا تفهم دينها الفهم الصحيح كيف تأخذ أنوار هذه الرسالة وأنوار هذا الكتاب؟

* ما هي النصيحة التي تقدمها للأمة لنختم بها الحوار؟
- أولاً أنصح الدعاة بسورة العصر فهي منهج، لو فهمنها وطبقناها لعالجت الكثير من القضايا، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقرؤونها في كل مجلس، وقال عنها الإمام الشافعي "لو لم ينزل الله غيرها لكفى الناس" لأن فيها مقومات أربعة: الإيمان، والعمل، والدعوة، والصبر، فننطلق من هذه السورة لنربط الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وألا يتحول الدعاة إلى طريقة الفلاسفة، يقول ابن تيمية "أهل الحديث لهم حظ من قوله تعالى { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ، وأهل الفلسفة لهم حظ من قوله تعالى { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} " . أما نصيحتي للأمة فهي تصحيح العقيدة مع من يعلقون التمائم ويطوفون بالقبور ويتمسحون بها، ويذهبون للسحرة والعرافين، فاليعلم جميع الدعاة أن أعظم قضية هي تصحيح العقيدة وردهم إليها هي القضية الأولى.
ـــــــــــــــــــــــ

جريدة العرب 21/7/2009م.  

www.islamweb.net