حوار مع مؤذن الحرم الشيخ علي الملا

27/07/2010| إسلام ويب

صوتٌ ندي يسحر الألباب، ويأخذها إلى عالم آخر، وعلى صدى أذانه الشجي الذي يصدح من منارات الحرم المكي يفطر الصائمون، وتردّد جبال مكة وأوديتها معه الأذان.. غطى أذانه الآفاق، فبه أُعلن افتتاح مساجد في أوروبا وأمريكا، ثم غارت جبال الدنيا من جبال أم القرى فأكرمها بالأذان في جبل طارق على مشارف إسبانيا. هو بلال الحرم المكي وشيخ مؤذنيه، ورث التأذين في الحرم المكي كابراً عن كابر، وعرفه القاصي والداني، وتغلغل حب الأذان فيه إلى أن وصل إلى سويداء قلبه، لذلك هو يتابعه ويشرف على المؤذنين حيثما كان، ولو من دولة أخرى كما يقول.. وعبّر عن حبه الشديد للحرم بريشته الذهبية، كونه معلماً متقاعداً في التربية الفنية. إنه الشيخ «علي أحمد الملا»، الذي ناهز السبعين من عمره، يصعد إلى المكبرية (مكان الأذان) بهمة الشباب وعزيمتهم، ويهبط منها لابساً ثوب الوقار..

كان معه هذا الحوار الطيب الجميل:

*حدّثنا عن نشأتك.

- نشأت في مكة سليل أسرة مكية، قاطنة جوار المسجد الحرام، وهذا أدى إلى شدة التعلق بالحرم المكي.. درست الابتدائية في مدرسة «الرحمانية» وهي أقرب مدرسة للحرم، وقد مضى على إنشائها الآن مائة عام، وقد كانت في بداياتها عبارة عن بيت يشرف عليه معلمون أو معلمات من أهل مكة. كما كنت أتردد آنذاك على الحلقات العلمية التي كانت تُعقد في الحرم المكي، وكان أشهرها حلقة «الشيخ عاشور»، والتي كانت تهتم بتدريس القرآن الكريم، وعلم القراءات، والتجويد، والخط، والكتابة على الألواح بالحبر الشيني.

* متى بدأت علاقتك بالأذان في الحرم؟

- والدي كان مؤذناً وكذلك جدي، وهذا مصدر شرف واعتزاز لي.. لذلك كان المناخ مهيئاً لي، فالبيئة التي نشأتُ فيها ساعدتني على الدخول في هذا المجال الشريف، إضافة إلى رغبتي وهوايتي الموجودة، فصعدت منارة «باب المحكمة» بالحرم مؤذناً، وأنا ابن أربعة عشر ربيعاً. وكان لكل عائلة منارة خاصة بها، وكانت منارة «باب المحكمة» تخصنا. وفي تلك الفترة كانت عملية تنظيم الأذان داخل الحرم ملقاة على عائلة تُدعى «بيت نائب الحرم»، فهي المسؤولة بتكليف رسمي من وزارة الأوقاف عن المؤذنين في الحرم.

* ما أكثر شيء يشدك في الحرم؟

- كل شيء في المسجد الحرام يشدك إلى أن تعشقه، سواء منظر الكعبة أو منظر الحرم، أو التجديد الحاصل الآن كالتوسعة، والأشكال الجديدة التي أخذتها المنارات، والإضاءة، والساحات، وهذا الشيء لا يشعر به إلا الإنسان الذي يعيش خارج مكة.

* بصفتك شيخ المؤذنين، ولديك ارتباط كبير بالحرم منذ صباك، ما أكثر ما تأثرت به في تعاملك مع الحجاج والمعتمرين؟

- أغلب أهل مكة لديهم القدرة على أن يتعاملوا مع الحجاج والمعتمرين القادمين من الخارج، وقد كنت ضمن الذين يشاركون في تقديم الخدمة للمعتمرين في رمضان وللحجاج في موسم الحج، مع مجموعات الكشافة التي كانت في مكة، ومن خلالها استطعت الاحتكاك مع أكبر عدد منهم؛ حيث حفظت عدداً لا بأس به من الكلمات واللهجات في شتى اللغات.

* برأيك ، ما الذي جعل الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي يعيِّنك في منصب شيخ مؤذني الحرم؟

- هذه أمور إدارية تخص معالي الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ «صالح الحصين»، ونائبه «د. محمد الخزيم»، فلهما حرية الرأي في الاختيار، وربما يرجع اختيارهما لمن يملك الصوت الحسن، ويجيد أداء العمل.

* كم عدد مؤذني الحرم المكي؟

- في السابق كان المؤذنون في المسجد الحرام يؤذنون من على سبع منارات بالتناوب، إذ كان عددهم 24 مؤذناً تقريباً، أما اليوم فمع توافر مكبرات الصوت تقلص عدد المؤذنين إلى أن أصبح أحد عشر مؤذناً فقط.

* أليس هذا العدد قليلاً في ظل التطور والتوسعة في الحرم؟

- هناك مسؤولون يلاحظون هذه الأمور، ولكننا - بحمد الله - نستطيع التوفيق على قدر الاستطاعة.. ونحن لا نكره أن يزيد عدد المؤذنين، بل على العكس من ذلك. ولكن هذا الموجود، وأنا أقول: إننا نحاول أن نسد النقص بأية طريقة حتى لو ضغطنا على أنفسنا.. وحاليّاً تم إضافة ثلاثة مؤذنين جدد، وهم في فترة التجربة.

* يقال: إن الأذان في الحرم مقصور على عائلات معينة، هل هذا صحيح؟

- هناك معايير لدى الرئاسة تقوم بتعيين المؤذنين بناء عليها، ومن بينها أن يكون حافظاً للقرآن، وعلى مستوى علمي كاف.. وفي السابق، كان الأذان في الحرم مقتصراً على عائلات محددة، أما الآن فقد اختلف الوضع، ولا نستطيع القول: إن مسألة الأذان بالحرم بالتوارث.. وهناك بعض المؤذنين في الحرم المكي اليوم لم يكن آباؤهم مؤذنين، وقد عُيِّنوا لكفاءتهم. طريقة الأداء.

*كما تعلم الأذان مقامات، فما المقام الذي تستخدمه أنت؟

- عبارات الأذان واحدة، ولكن أداءها يختلف مع اختلاف اللهجة، فلكل منطقة أسلوبها في الأذان.. ففي مكة يُسمى بالأذان الحجازي أو المكي، وفي المدينة يسمى المدني، وفي مصر يسمى المصري، أما في سورية فيُعرف بالدمشقي، ويمتاز الأذان الحجازي بأنه قليل «العُرَب»، أما المدني فإنه متوسط «العُرَب»، والمصري كثير «العُرَب»، ونقصد بالعُرَب مدى التطويل في عبارات الأذان.

* ما المقام الذي تفضله؟ ولماذا لا تستخدم أكثر من مقام؟

- أفضل المقام الحجازي أو المكي، فلكل مقام مقال، وكوني أؤذّن في الحرم المكي فمن الأفضل أن أؤذن بمقام الحجاز.. ولا أخفي أنني أحب الأذان بالمقام المدني، وأحرص على المزج في الأذان بين المقامَيْن المدني والحجازي، ولكن بطريقة اخترتها لنفسي، فقد كوّنت أذاناً جمع بينهما.

* ماذا لو كنت في دولة أخرى، هل ستؤذن بمقام بلدها؟

- أفضل أن أؤذن بالحجازي؛ لأنهم يفضلون أن يسمعوا هذا المقام، ففي تركيا أذنت بالطريقة الحجازية وأُعجبوا بها كثيراً.. كما أن لدي القدرة على أن أؤذن بالعديد من اللهجات.

*كيف يقضي الملا أوقاته خارج الحرم؟

- لدي مكتبة في منزلي أقضي فيها وقتي، وأكثر ما يشدني من الكتب تلك المتعلقة بتاريخ مكة، وأطمح أن يكون لدي معلومات كثيرة عنها كوني أحد أبنائها، وأنا بصدد تأليف كتاب يختص بمؤذني المسجد الحرام إن شاء الله. وفي السابق، كنت معلماً للتربية الفنية، وتقاعدت عن التدريس مؤخراً.. ورغم أعمالي العقارية الخاصة إلا أن ذلك لا يشغلني عن متابعة الحرم على مدار 24 ساعة، حتى أثناء تواجدي في المنزل، أو في مكتبي العقاري الذي أشرف عليه؛ حيث أقوم بمتابعة أوقات المؤذنين، وأعمل على إجراء اتصالاتي مع الرئاسة بشكل دائم.

* كنت معلماً للتربية الفنية، ما العلاقة بين هذه المهنة وبين أذانك في الحرم؟

- أليس الصوت فنّاً؟ هذه إذن هي العلاقة التي تجمع بين تخصصي المهني والأذان، وقد تأثرت كثيراً بالأنشطة المدرسية التي كنت أشارك فيها، مثل: تلاوة القرآن، والأناشيد الدينية، والإلقاء على المسرح.. كل هذه العوامل خلقت لدي الروح كي أعشق الصوت الحَسَن. وبالمناسبة، عندما التحقت بتخصص التربية الفنية، كانت لدي هوايات في الرسم والتصوير. * هل لديك رسومات فنية تجسد العهد المكي في الحقبة التي عشتها؟

- نعم، كنت في السابق أعبِّر عن بعض الأجزاء الموجودة في مكة المكرمة، مثل: تجسيد الحرم والكعبة والمنارات، والرواق المكي، والقباب الموجودة وقتذاك، وبعض المعالم التي تشكل أجزاء الحرم المكي.

* سمعنا بأنك تحب ممارسة الرياضة، هل هذا صحيح؟

- في فترة الشباب كنت منتمياً لنادي «الكفاح» الرياضي بمكة، ومازلت إلى الآن أعشق الرياضة بما فيها كرة القدم، حيث أشجع ثلاث فرق رياضية، هي: الوحدة، والاتحاد، والأهلي.

* هل كانت لديك مشاركات خارجية بوصفك مؤذناً بالحرم المكي؟

- نعم، شاركت وساهمت في افتتاح بعض المراكز الإسلامية في الخارج، وأول مساهمة كانت في فنزويلا في مدينة «كاراكاس»، وكان ذلك في افتتاح مسجد الملك فهد بن عبدالعزيز (يرحمه الله)، إضافة إلى مشاركتي في دعوات أخرى في أمريكا وأوروبا، كان آخرها في جبل طارق بإسبانيا، وأكثر هذه الزيارات كانت بدعوات من مراكز إسلامية.

* هل يُسمح لكم بالأذان في أي مسجد داخل السعودية؟

- عموماً، نحن ليس لدينا أي مانع في إجابة أية دعوة للأذان خارج السعودية، ولكن لا بد أن يكون عن طريق الرئاسة، أما إذا تعلق الأمر بمساجد داخل السعودية فلا يستلزم ذلك استصدار تصريح للأذان فيه.

* حدثنا عن موقف طريف واجهك أثناء عملك في الحرم؟

- المواقف كثيرة جداً، وأذكر منها أنني ذات يوم، وفي وقت الفجر بالتحديد، خرجت من البيت متأخراً، وكنت مسرعاً لأدرك وقت الأذان، وفوجئت بدورية للمرور عند إحدى الإشارات فاستوقفتني، وسألني الشرطي عن سبب سرعتي، فقلت له: إن لدي عملاً، فطلب مني الأوراق الثبوتية، ولم يكن يعرفني، فكاد أن يحرر لي مخالفة ويؤخرني عن الموعد، لولا أني تداركت الوضع وقلت له: إنني مستعجل وعندي أذان في الحرم، فقال لي: «إذن الأذان يشفع لك».

*ماذا عن إطلاق لقب «بلال الحرم المكي» عليك، وتأييدك له؟

- هل هناك شرف أكبر من أن يُلقب الإنسان بهذا اللقب؟! وقد أُبلغت به بصورة مفاجئة، وأطلقته عليَّ إحدى الصحف الصادرة باللغة الإنجليزية أثناء إحدى مشاركاتي خارج المملكة. * ماذا عن أبنائك بعد عمر مديد، هل تفكّر بأن يصبحوا مؤذنين في الحرم؟

- مثل هذا الأمر يرجع إلى المسؤولين، مع أن أبنائي لديهم القدرة والاستطاعة على أن يؤذنوا؛ حيث قمت بتعليمهم مقامات الأذان، ولا أخفي أن هناك اختلافاً في طريقة الأذان بيني وبين أبنائي، فكل إنسان له صوته الذي يميزه عن غيره.. وأتمنى أن يأخذوا بأسلوبي في الأذان، مع احتفاظ كل واحد منهم بصوت يميزه عن الآخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجلة المجتمع 1908.

www.islamweb.net