الإسلام الذي ندعو إليه

28/01/2014| إسلام ويب

إلى أي شيء ندعو الناس؟
هذا السؤال طرحه الأستاذ جمعة أمين في كتابه "الدعوة قواعد وأصول" ثم أجاب قائلا:
"هذا سؤال يخيل للمسلم أنه لا يحتاج إلى إجابة لبداهته، فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار، وأوضح من أن يجاب عليه، وهل هناك مسلم لا يعرف إلى أي شيء يدعو الناس؟

فلأول وهلة تبدو الإجابة سهلة واضحة، وهي كذلك لو تحددت المصطلحات ووضحت الغايات واستبانت الوسائل، بينما الحقيقة غير ذلك إذا غاب التصور الواضح والفهم الصحيح؛ نعم قد تتحد الإجابة إجمالا لأننا جميعا ندعو إلى الإسلام الحنيف. ولكن البون سيكون شاسعا والاختلاف كبيرا إذا كان في الأمر تفصيل وتوضيح.

من هنا كان توجيه المسلم عموما والداعية خصوصا هذا السؤال لنفسه أولا وقبل أن يخطو على الطريق خطوة من الأهمية بمكان؛ ليحدد تصوره ويعرف غايته ويعد الوسائل اللازمة للوصول إلى ما يبغي بخطى ثابتة وتصور محدد سليم ففاقد الشيء لا يعطيه. (الدعوة قواعد وأصول:31).

والذي ينبغي أن يعلم علم اليقين أننا ابتداء ندعو الناس إلى دين الله، ودين الله هو الإسلام {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(آل عمران:85). الإسلام بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى إسلام الوجه لله في صغير الأمر وكبيره، الإسلام بسعته ورحمته، وسهولته وبساطته، بشموله وعمومه،  بعقيدته وشريعته، بنظامه وأخلاقه، بقيادته وريادته، بجهاده وعبادته، بدنياه وآخرته بكل ما أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور.

دعوة إلى التوحيد
وأول الدعوة ورأسها وأساسها الدعوة إلى توحيد الله تعالى في كل ما يجب توحيده فيه من أسمائه وصفاته في ربوبيته وإلهيته.. فلا شك أن التوحيد هو روح هذا الدين، وهو أصل هذه الرسالة كما كان دائما أصل جميع الرسالات ودعوة جميع المرسلين والنبيين، وعليه فنحن ندعو الناس لكلمة التوحيد (لا إله الا الله محمد رسول الله) التي تحمل كل هذه المعاني القيمة، والتي قدمها الصحابة رضوان الله عليهم للناس على أنها فكاك أعناقهم من النار أولا، ثم خلاصهم من جميع ضروب الوثنيات الدينية والاجتماعية، وهي سبيل حريتهم من كل عبودية دون عبودية الواحد الأحد.

إن إسلامنا الذي ندعو إليه هو الإسلام الذي ينتظم الحياة جميعها، ويفتى في كل شأن من شئونها، ويضع لها نظاما محكما دقيقا، ولا يقف مكتوف الأيدي أمام المشكلات الحيوية والنظم التي لابد منها لإصلاح الناس، فهو ليس مقصورا على ضروب من العبادات أو أوضاع من الروحانيات كما فهمه بعض الناس.. لكننا نفهمه على أنه ينتظم شئون الدنيا والآخرة، وأنه إنما جاء لسيادة الدنيا وإدارة شئونها على مراد الله تعالى، ولإرشاد الإنسانية كلها إلى طريق السعادة والذي لا يمكن أن يكون إلا في نظم الإسلام الصالحة وتعاليمه الإلهية المحكمة.

إن الإسلام الذي ندعو إليه هو إسلام العدل والإنصاف، والمساواة بين أبناء المجتمع وضبط الإيقاع بين الراعي والرعية فلا مكان في ظل الإسلام لفرعونية حاكمة، ولا قارونية كانزة، ولا كهنوتية موجهة، ولا جماهيرية ذلول الظهر لكل راكب أو مستغل.

إن دعوتنا إنما هي لإسلام الحرية في التفكير والتعبير في حدود مصالح الدنيا والآخرة فالحريات موطدة والحقوق مصونة، وباب الإبداع مفتوح على مصاريعه أمام كل عقل يفكر ويبدع.

إن الإسلام الذي ندعو إليه هو إسلام الحركة والعمل وإعمار الكون والأخذ بأسباب السيادة والقيادة والريادة، وليس هو إسلام العقائد الموروثة، أو العبادات الظاهرة، والأعمال التقليدية الفارغة عن مضامينها، والتي لا تحيي قلبا ولا تؤتي ثمرة، ولا تحرك جارحة لعمل.

ليس هو طقطقة المسابح، ولا الاختباء خلف أبواب البيع والمساجد، ولا هز الأعطاف والرقص في حلقات الذكر، ثم ترك الدنيا بعد ذلك يقودها غير المسلمين ويتحكمون في مقادير العباد والبلاد.

إنها دعوة إلى إسلام الظاهر والباطن فلا تعرف دعوتنا إيمانا في القلوب لا يظهر على الجوارح، ولا دينا داخليا لا أثر له على واقع صاحبه كما يزعمون بقولهم: (الإيمان إيمان القلب)، وإنما صلاح الباطن يورث صلاح الظاهر، وحسن العمل دليل على صحة الإيمان، فالإيمان الذي نعرفه والإسلام الذي ندعو إليه هو ما وقر في القلب وصدقه العمل.

إننا ندعو الناس إلى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كله {ادخلوا في السلم كافة}، قال الإمام الطبري في تفسيرها: إنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالدُّخُولِ فِي الْعَمَل بِشَرَائِع الْإِسْلَام كُلّهَا، وَقَدْ يَدْخُل فِي الَّذِينَ آمَنُوا الْمُصَدِّقُونَ بِمُحَمِّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَالْمُصَدِّقُونَ بِمَنْ قَبْله مِنْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل، وَمَا جَاءُوا بِهِ، وَقَدْ دَعَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ إلَى الْعَمَل بِشَرَائِع الْإِسْلَام وَحُدُوده، وَالْمُحَافَظَة عَلَى فَرَائِضه الَّتِي فَرَضَهَا، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَضْيِيع شَيْء مِنْ ذَلِكَ.

إننا ندعو إلى إسلام العقيدة والشريعة.. إسلام الدنيا والدين، إسلام المسجد والمصنع، إسلام البيت والشارع، إسلام العبادة والعمل، إسلام النفس بكل هواها، وإسلام البدن والروح، (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).. إنه إسلام الرضا بالله والاستسلام لأمره، والقبول بحكمه والانقياد لشرعه، {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه}.

إن دعوتنا هي دعوة سيد الدعاة وإمام الرسل محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام بكليتها وبحقيقتها، نقتفي في ذلك أثره صلى الله عليه وسلم، متبعين خطاه ، سائرين على نهجه فنأخذ بحجز الناس حين نراهم يلقون بأنفسهم في النار لنخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الضلال الى الهدى، ومن الباطل المظلم إلى الحق المبين، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن السبل المتفرقة إلى صراط الله المستقيم، مرددين ما قاله ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس: (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة).
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
يراجع "الدعوة قواعد وأصول"

www.islamweb.net