المخزون السياسي في الشريعة (2)

15/06/2014| إسلام ويب

المكتسبات الرفيعة :
الانطلاق في الإنقاذ السياسي للعالم العربي والإسلامي من المخزون السياسي الشرعي يحقق مكاسب عالية الجودة ورفيعة المستوى وبالغة القدر وعميقة التأثير , والمكاسب التي يمكن استخلاصها متعددة الفروع , ولكنها ترجع إلى ثلاثة مكاسب رئيسة :

المكتسب الأول : الظفر بالقوة الدافعة :تحتاج المشاريع التي تقصد إلى التغيير الجذري في البنى المجتمعية إلى مادة روحية عالية التأثير وقوية الإشعاع , حتى تتمكن من أداء وظيفتها على المستوى المطلوب , ومتى ما فقدت تلك المشاريع المادة الروحية فإنها ستتحول إلى قوالب جامدة قليلة التأثير أو عديمته , وقد شهد التاريخ نماذج تؤكد هذه النتيجة , فإن أنظمة الشيوعية لم تتجذر في المجتمع ؛ لأنها ألغت كل القوى الروحية الدافعة للعمل والداعية للاقتناع بالتنظيمات , فكان مصيرها الفشل الذريع .

والحالة في هذا الارتباط حالة طردية ,فكلما ازدادت المادة الروحية جمالا وقوة وعلوا وحيوية ازداد تأثيرها وفعاليتها في النفوس ودفعتها إلى العمل والامتثال للقيم والمبادئ .

وهنا تبرز خاصية الإسلام في صياغة أنظمته المجتمعية , فهو لم يقدمها جافة فارغة , وإنما شبعها بالروح الدينية الدافعة التي تحقق القناعات الذاتية لدى أفراد المجتمع , وتسيره نحو امتثال قوانينها وتشريعاتها بقوة داخلية لا خارجية ... جاء الإسلام بتلك الروح التي تحمل كينونة خاصة تخاطب الوجدان الإنساني وتمتاز بالحيوية والنشاط والإيحاء بالحقائق الكبرى , وتخاطب الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذها .

إن المنطلق الديني الذي يختزنه الموروث الشرعي السياسي هو المنطلق الذي قلب أحوال العرب في الجاهلية , وانتزع منهم رواسب الظلم والجهل والبغي والاستبداد , وحولهم إلى نماذج مختلفة في تصوراتها وسلوكها وعلاقاتها .

إن الروح التي استطاعت فعل ذلك تستطيع أن تؤثر في المجال السياسي لدينا , فتخرج لنا النموذج الملهم .. النموذج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

فالقوة في المخزون السياسي ليست منحصرة في الجانب المعرفي والقيمي فقط , بل تتعدى ذلك إلى الجانب الروحي , فهو يمتلك طاقة روحية عالية , تسيطر على القلوب والأرواح وتدفعها نحو الامتثال والإصلاح , وتدعوا الأمة إلى أن تقول كلمة الحق , وتنصح للحاكم وتحاسبه وتقومه إذا اعوج ولا تخاف في الله لومة لائم .

فالانطلاق من عدل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين أبلغ في التأثير في نفوس الناس من الانطلاق من النظام الديمقراطي , والابتداء من حفظ النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين للأموال العامة أعمق في الأثر من الابتداء من النظام الديمقراطي .

إن إبراز هذه النماذج العالية في الموروث الشرعي يحقق الضمانات القوية في المحافظة على الحقوق والأموال العامة لما يمتلكه من القوة الروحية مما لا يوجد في غيره من الأنظمة .

وقد أثار عدد من المفكرين العرب سؤالا عن مقدار الضمانات التي يمتلكها النظام الديمقراطي للمحافظة على مقدرات الشعوب وعلى امتثال العدل في الممارسات الفعلية , وتوصل د/ راشد الغنوشي إلى أن المبادئ الديمقراطية لم تستطع " كبح جماح الفئات القوية الضاغطة عن التحكم والإفساد وتسخير السلطة لإفراغ جملة الضمانات التي قدمتها الديمقراطية من محتوياتها"( الحريات العامة2/10) .

وأكد على أن النماذج الغربية للديمقراطية تمارس استبدادا ناعما وفداحة كبيرة في النهب المنظم لأموال الناس , وقال :" رغم أهمية الآليات الديمقراطية ومبادئها ... فإنها لئن وضعت حدا لكثير من ضروب العنف السافرة , كالتي كانت عليها الأنظمة الديكتاتورية , فإنها لم تضع حدا , بل لم تخفف إن لم تكن فاقمت من ضروب العنف الخفية" ( السابق 2/11)

وكل هذا يؤكد لنا خطورة الفراغ الروحي الذي يعاني منه النظام الديمقراطي , ويؤكد أهمية البعد الديني والروحي الذي تشبع به المخرون السياسي في الشريعة وضرورة استحضاره في الإصلاح .

ومتى ما ابتعدنا عن الخطاب الشرعي المشبع بالروح الدينية وذهبنا نعتمد على الأنظمة الفارغة من تلك الروح , وغدونا نظهر للناس ونبشرهم بأنظمة مفتقرة إلى تأسيس شرعي في أصلها ومحتاجة إلى الامتداد التاريخي الديني , نكون في الحقيقة قد تخلينا عن نقطة القوة في الإصلاح السياسي ومنبع الاقتداء وشرط النجاح .

إننا بحاجة ملحة في هذا العصر الذي شُوه فيه الخطاب السياسي في الإسلام وغيبت فيه كثير من معالمه وصوره , وأقيمت في طريق الوصول إليه عقبات وعقبات , نحن في حاجة أن نعود إلى الروح الدافعة التي بثها النبي صلى الله عليه وسلم في الوجود , ونسعى إلى التشبع منها وبثها في الواقع مرة أخرى .

المكتسب الثاني : الوقوف على النموذج الملهم : إن التوجه نحو المخزون السياسي الشرعي – سواء النبوي منه أو الراشدي- والحرص على استيعابه وجمع كل مفرداته وتطبيقاتها المشرقة , وإعمال النظر في نصوصه , والبحث في كنوزه , والتنقيب عن أصوله , سيوصل إلى النموذج الصافي من كل ما يكدر صفوه .

وبذلك تتحقق الركيزة الأولى من الركائز التي يقوم عليها الإصلاح السياسي في المجتمع المسلم , فكما أن التجديد في مجالات البيع والشراء والمعاملات لا يبدأ من الاعتماد على النماذج الخارجية وإنما يتطلب أولا إبراز النموذج التشريعي الكامل , وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه , ثم تحاكم إليه النماذج والتجارب الأخرى ليحصل بينها التلاحق والتبادل ... فكذلك الحال في المجال السياسي , فإن الخطوة الأولى في مشروع تجديده وإنقاذه , لا تكون بالانطلاق من النموذج الديمقراطي أو غيره , وإنما تبتدئ أولا من إبراز النموذج السياسي الذي قدمته الإسلام وتحديد معالمه ومبادئه وتفصيلاته التشريعية والإجرائية , ثم بعد ذلك يتم التوجه نحو تجارب الأمم الأخرى ليحصل بينها وبين ما قدمته الشريعة من تلاحق وتبادل .

والوصول إلى النموذج الملهم يحقق لنا من جهة أخرى الشروط التي يجب توفرها في المشاريع المتعلقة بمصير الأمة , فإن هذا النوع من المشاريع يجب أن يكون متصفا بوضوح المنطلق وسلامة المأخذ وقوة الأدلة وانضباط المصطلحات ووضوح المقدمات وجلاء المآلات , لأنها لا تقبل أنصاف الحلول , ولا الضبابية ولا الإجمال ؛ إذ هي متعلقة بمصير الأمة , ومن أكبر من يحق لنا تلك الشروط : هو أن نقف على النموذج البنوي والراشدي في المجال السياسي بصورته الحقيقية وبإدراك ناضج واعٍ مستوعب لحدوده ومعالمه وضوابطه .

وفائدة أخرى نكتسبها من الوقوف على النموذج الكامل , وهي إبراز النموذج العادل الذي أسعد الناس وحافظ على حقوقهم من أقوى ما يكشف زيف الأنظمة المستبدة الظالمة , ومن أصلب ما يرفع الستر عن خوائها الداخلي ويقلل من مشروعيتها , فتلك النماذج الكاملة تمثل كابوسا مخيفا للمستبدين وغصة في حلوقهم , وشهادة تاريخية على إفلاسهم , وقد ذكر ابن كثير في تاريخه أن الحجاج وسيده عبدالملك بن مروان كانا ينهيان عن ذكر سيرة عمر بن الخطاب , ويقولان:" إنها مرارة للأمراء ومفسدة للرعية"( البداية 9/66) .

وهذا الحال يدعونا على مراجعة صادقة لمنطلقاتنا الإصلاحية السياسية وغيرها , ويدفعنا إلى الإلحاح بالسؤال : هل من الأفضل أن تعلق الأمة بالنماذج الكاملة التي تمثل البعد الشرعي وتحقق الامتداد التاريخي لها ,أم تعلقها بالنموذج الديمقراطي , الذي يعاني من انفصام نكد بين النظرية والتطبيق , ويتألم من تشويهات تطبيقية عديدة على أكثر من صعيد وفي أكثر من بلد .

المكتسب الثالث : تحقيق التوازن الإصلاحي : الانطلاق من المادة السياسية في الإسلام تعد ضمانة من أقوى الضمانات لإدراك التوازن في العملية الإصلاحية , فالذهنية المنطلقة من ذلك الموروث تكون عادة متوجهة نحو الشمول والاستيعاب , وسالمة من الاختزال والضيق في المجال الإصلاحي , لأن الإسلام عقد ترابطا شديدا ومعقدا بين أنظمته , فكل مجال منها متداخل مع غيره تداخلا كبيرا ومنسجما معه انسجاما عاليا , بحيث تُكَوِّن في النهاية لحمة واحدة تمثل التصور الإسلامي للكون والحياة .

وقد ألمح عبدالوهاب خلاف إلى هذا التداخل حين قال :" العقيدة لها أثرها في إحسان العبادة , والعقيدة والعبادة لهما أثرهما في تكوين الأخلاق , والأخلاق لها أثرها في حراسة التشريع , والتشريع له أثره في حماية الدولة ورفعتها , والدولة لها دورها في الحفاظ على العقائد والعبادات والأخلاق والتشريعات , فكل هذه الأمور يؤثر بعضها في بعض , ولا يستغني بعضها عن بعض , فلا بد من العناية بها جميعا , إذا أردنا أن نقيم حياة متكاملة متوازنة كما أمر الله "( علم أصول الفقه 37) .

وهذا الكلام يؤكد على أن عربة الإصلاح لا تسير على عجلة واحد , وإنما لا بد فيها من عجلات متعددة حتى يمكنها أن تسير باتزان وفي طريق مستقيم , وتحقيق الاتزان وإقامة ذلك الترابط الذي يقيم الحياة كما أمر الله يقوم أول ما يقوم على إدراك الموروث الشرعي والانطلاق منه في مسيرة الإصلاح .

ولا نعني بالتوازن الإصلاحي هنا : إلغاء التخصص في مجال من المجالات , ولا نعني به أيضا المنع من كثرة الاهتمام به دون غيره , ولا نعني به المطالبة بالمساواة بين كل المجالات في كل الأحوال في الدعوة والاهتمام , كل هذه المعاني غير مقصودة , وإنما نعني به إعطاء كل مجال ما يتطلبه من إصلاح مع عدم التحقير والتقليل- بالقول أو بالممارسة - من الجمالات الأخرى .

ومتى ما افتقد المشروع الإصلاحي التوازن فإنه يظل في حالة من السلبية والعدمية , وهذا ما وقع فيه الفكر العربي المعاصر , فلو قمنا بعملية تحليلية للمشاريع الإصلاحية التي قدمت في الفكر العربي المعاصر فإنا نجدها تعاني من الاختزال الشديد في تصور فكرة الإصلاح , نتيجة افتقادها للتوازن المنضبط , فبعض تلك المشاريع تصور أن الإنقاذ الحقيقي يكون بالإصلاح الثقافي والفكري دون غيره, وبعضها يتصور أن الإنقاذ الحقيقي يكون بالإصلاح السياسي دون غيره , وبعضها يحدد مجالات أخرى مختلفة , وبقليل من سعة الأفق والهدوء في المعالجة يتبين لنا أن الركيزة الأولى في الإصلاح هي في التوازن بين كل تلك المجالات وإعطاء كل مجال ما يستحقه من جهد وبحث وتأصيل .


الخطوات العملية لاستثمار المخزون السياسي :
تضمن الموروث السياسي في الشريعة إشارة هامة إلى العودة الحميدة للنظام السياسي الرشيد , ووعدا صادقا به , فقد قال صلى الله عليه وسلم :"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها , ثم تكون خلافة على منهاج النبوة , فتكون ما شاء الله أن تكون , ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها , ثم تكون ملكا عاضا , فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها , ثم تكون ملكا جبرية , فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها , ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" ( المسند 18430) .

فهذا الخبر يفتح الآمال أمام الأمة لتسعد بجمال الأنظمة الإسلامية , ولكن من المستحيل عقلا أن ترجع الخلافة الراشدة بنفسها من غير جهد أو عناء , ومن المستبعد عقلا أن تقوم خلافة النبوة في الواقع مع جهل الناس بها وبمعالمها وبتفاصيلها وبقلة وعي الناس بها .

وهذا كله يستدعي من الأمة حرصا شديدا على معرفة معالم الخطاب السياسي في الإسلام وتحديدا واضحا لمبادئه وأقسامه ومحتوياته , واهتماما واسعا بمفرداته وملامحه , وغوصا عميقا في بحار واستخراج كنوره .
وأحسب أن استثمار الخطاب السياسي في الشريعة يقوم على ثلاث خطوات :

الخطوة الأولى : الجمع والتصنيف : ما زال المخزون السياسي مبعثرا في المصادر الإسلامية , ولم يحظ بمشروع يجمع شتاته ويؤلف بين متفرقه , فهو مبعثر في القرآن وكتب السنة من الصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات وكتب الحديث الأخرى , وكذلك هو مفرق في كتب التاريخ والتراجم , فهو يحتاج إلى قدر كبير من البحث والتنقيب ليجمع في مكان واحد كما فعل الفقهاء في نصوص الأحكام , ويتبع ذلك القيام بتمييز الصحيح من الضعيف منها , ثم يعقب ذلك تبويبها وتقيمها على الأبواب والمسائل .

والمتابع للكتب المؤلفة في فقه السياسة يجد عزوفا ظاهرا عن الاستناد إلى المخزون الشرعي في السياسة , واعتمادا كبيرا على الاجتهاد والتخريج والاستنباط الشخصي , وقد قام الدكتور / حاكم المطيري بعملية استقرائية استطاع من خلالها الكشف عن قدر كبير من ضخامة الموروث السياسي في الشريعة , ولو قمنا بالمقارنة بين ما جمعه وبين ما في كتب فقه السياسة سواء المتقدمة منها , ككتاب المارودي وأبي يعلى , أو المتأخرة والمعاصرة فإن سنجد بينها فارقا شاسعا في كمية المخزون السياسية التي تم استحضاره واستثماره في بناء التصورات السياسية , وهذا الحال يكشف لنا أحد الإشكاليات المنهجية في تلك المؤلفات .

الخطوة الثانية : الدراسة والتحليل : لا يكفي في استجلاء الصورة الحقيقية للخطاب السياسي في الإسلام مجرد جمع المادة السياسية فيه فقط , بل تحتاج مع ذلك إلى دراسات علمية معمقة , تعتمد على مهارات التحليل المنهجي البليغة , وتستند إلى آليات البحث الفقهي المتقن , حتى يمكننا التوصل إلى حقيقة ما كان عليه الخطاب السياسي في المرحلة الكاملة , ويمكننا التمييز بوضوح بين الجانب التشريعي منه والجانب الإجرائي , ويمكننا أيضا تحديد الضوابط التشريعية بشكل واضح وجلي .

ومما يساعد على إنجاز تلك الدراسة المعمقة للمخزون السياسي : التخلص من الخطاب الفردي والتوجه نحو الرؤية الجماعية , فمن المهم أن يتحول البحث السياسي ليكون بحثا مؤسسيا يحمل رؤية جماعية , وذلك عن طريق عقد الندوات وإقامة المؤتمرات وحلقات النقاش , وتبني المراكز البحثية لهذا الموضوع , فقد غدت المنهجية الجماعية ضرورة واقعية نتيجة تعقد الواقع وتشابك القضايا السياسية في واقعنا المعاصر وازدياد ترابطها وتداخلها , مما يستدعي ضرورة التخلص من الرؤية الفردية والانتقال إلى الرؤية الجماعية .

الخطوة الثالثة : الدعوة والتوعية : تحتاج المشاريع التي تقصد إلى التغيير الجذري إلى قدر كبير من الدعوة الجماهيرية , وتتطلب جرعة عالية من تنمية حس الوعي الحقوقي بها وبأهميتها وفائدتها , فلا يكفي في الإصلاح السياسي أن يكون هما خاصا بالنخبة أو فكرا محدودا في الدائرة المثقفة , وإنما لا بد أن ينتقل إلى الجماهير ليكون رأيا عاما وهما مشتركا بين كل الفئات .

والمخزون السياسي في الإسلام يمتلك قوة عالية من التأثير ورؤية واضحة توصل إلى درجة عالية من الوعي الحقوقي , يمكن من خلالها تكوين القوة الضاغطة على الواقع لتغييره وتبديله .

وفي ختام هذه الجولة في المخزون السياسي , وبعد اكتشاف ضخامته وأهميته , وجودة مكتسباته , يبدو أن سؤالا ملحا غدا يلوح في الأفق , وهو : من المسئول عن تغييب المخزون السياسي الشرعي وعن خفوت أثره في الواقع المعاصر ؟!
 

www.islamweb.net