الزِّي العربي التقليدي ودلالاته السياسية

05/03/2015| إسلام ويب

تَكوَّن الزِّي العربي في شكله التقليدي القديم من ثلاث قطع رئيسة؛ إزار: يستر أسفل الجسد ، وقميص أو رداء: يستر أعلاه ، وعمامة توضع على الرأس، وتعتبر البردة (العباءة) زيا تكميليا يرتديه الزعماء وعِلية القوم في المناسبات الهامة وعند تلقي الوفود، وقد استمد الزي العربي بساطته في ذلك الزمن من بساطة الحياة العربية ككل وعدم تقيدها بالكماليات أو انشغالها بمظاهر الرفاه، وقد كانوا يتقلدون السلاح للضرورة الأمنية ثم لم يلبث أن أصبح مظهرا من مظاهر الزينة يتحلى ويتزين به المنتدون؛ حيث لا زالت هذه العادة رائجة في بعض الأقطار العربية إلى يوم الناس هذا .
ومما لا شك فيه أن الزي العربي طرأت عليه تحورات كبيرة رافقت التطورات التي عمت العالم العربي بأسره تبعا للتبادلات الاجتماعية والجيوسياسية التي تعاقبت على العالم العربي خلال أعصر متفاوتة، ونتيجة احتكاك العرب بالمكونات الاجتماعية من الأعراق الأخرى التي انصهرت في البيئة العربية، واتساع النطاق الجغرافي للفضاء العربي الذي أصبح يشغل أضعاف مساحته التاريخية .

ورغم شح ما أدلت إلينا به المصادر التاريخية عن تفاصيل هذا الزي التقليدي للعرب والخارطة الزمانية لتشكلاته فإن المتعمق في سبر أغوارها قد يجد نصوصا ذات دلالات واضحة على حضور سياسي بارز تدخل حتى في تفاصيل التطورات التي طرأت على هذا الزي، كما حملت هذه التطورات دلالات على التقسيمات الشرائحية للمجتمع في تلك العصور؛ ومن ذلك ما يلي:

• منذ أوائل الدولة الأموية أصبح للخلفاء والولاة والأمراء زي خاص وهيئة تميزهم عن العامة، بعد أن كانوا في العصور الأولى لا يمتازون عنهم بمأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا مركب .
• ثم ظهر تخصيص أهل العلم والمتفقهة والمتنسكون بلباس يختصون به في أواسط الدولة العباسية؛ تميز هذا الزي بتطويل الأكمام وتكبير العمائم وإدارة الطيلسان، ولبس قلانس طويلة تسمى الدورقية ونحو ذلك ليعرفوا فيجلوا تكريما لهم ربما .
• ثم أحدثت العمامة الخضراء – كما يقول السيوطي - في سنة 773 هـ/ 1371 م بأمر من الملك الأشرف شعبان بن حسين ملك مصر والشام، وجعلت علامة تميز الأشراف؛ آل البيت عن باقي أٌفراد مجتمعاتهم؛ فقال فيها بعض الشعراء:
 جعلوا لأبناء الرسول علامة ...  إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في وسيم وجوههم ... يغني الشريف عن الطراز الأخضر

• ثم تطورت المجتمعات بعد ذلك وظهر الزي المهني الذي يميز أصحاب المهن المختلفة كالجند والفلاحين والأطباء ... وغيرهم .
إلا أن ما نحاول تلمس الخطة التاريخية لتطويره هو ذلكم الزي الجغرافي – إن صح التعبير – الذي تميزت به بعض البقاع عن سواها من البقاع الأخرى داخل النطاق العربي، وما تشير إليه الشواهد يدل على أن التمييز في زي المجتمعات العربية ظهر في وقت مبكر من حياة هذه المجتمعات وأنه اختلط بالسياسة منذ ذلك الوقت؛ فقد ذكر الحافظ ابن كثير في حوادث سنة أربع ومائتين (204 هـ) أن المأمون لما قدم أرض العراق تحول لباس البغاددة إلى الخضرة، وجعلوا يحرقون كل ما يجدونه من السواد، فمكثوا كذلك ثمانية أيام، ثم استعرض الخليفة المأمون حوائج طاهر بن الحسين كبير قواده ووزرائه فكان أول حاجة سألها أن يرجع إلى لباس السواد، فإنه لباس آبائه من دولة ورثة الأنبياء فيما قال، فلما كان السبت الآخر وهو الثامن والعشرين من صفر جلس المأمون للناس وعليه الخضرة، ثم إنه أمر بخلعة سوداء فألبسها طاهرا، ثم ألبس بعده جماعة من الأمراء السواد، فلبس الناس السواد وعادوا إلى ذلك [البداية والنهاية (10/ 273)]، ويذكر مؤرخ آخر عن قاضي حلب المعروف بابن شداد في أواخر القرن الخامس الهجري أنه كان يلبس لباس البغاددة وهو بحلب، [كنوز الذهب في تاريخ حلب (1/ 288)] .

أما الزي العربي الحالي فقد جسد وعزز بعمق الحدود السياسية والخارطة الجغرافية التي استحدثت بعد تقسيمات سايكس بيكو عام  1916م وما تبعها من معاهدات وقد أصبحت تشكيلات هذا الزي رمزا شديد السطوع والنشاز أقوى بكثير في إحداث التفرقة بين هذه الأقطار من الاثنين والعشرين علما التي تم اختراعها للتفرقة بينها ومن أناشيد العلم وغيرها من الحدود والفواصل الجيوسياسية؛ حيث أصبح لكل قطر في الفضاء العربي زي خاص بأهله يميزهم حتى عن شركائهم في الإقليم من الأمصار العربية الأخرى، ويبدو هذا التفريق تافها في النظرة السطحية لمعناه لكنه أعمق في حقيقة الحال من مجرد النظرة إليه كتنوع حضاري يعكس تمازج الثقافات في الفضاء العربي، فقد تعمقت هذه الفوارق حتى أصبحت بعض الأقطار العربية تصنف شقيقاتها كدول أجنبية تسلك معها مسارات الخطاب العدائي والشيطنة، وشاع في قاموس مفردات الدبلوماسية العربية استخدام تهم التخابر واختراق الأجواء وانتهاك السيادة الوطنية إلى غير ذلك من المظاهر التي تنم عن هلهة النسيج الوطني وانفراط عقد الوحدة والشعور بالانتماء إلى أمة يجمعها هدف واحد ومصير مشترك، مما يعزز في سياقات كثيرة أن هذه الأمة أريد لها التفكك والتباين والتمايز على كل المستويات في كيانات متعددة ثم التناحر والتصارع بين هذه الكيانات مما يلجئها للاحتماء والتحالف مع مراكز القوى العالمية ليؤدي ذلك في المحصلة إلى تدمير هذه الكيانات واستباحتها جميعا وجعلها ملعبا لتصفية الحسابات ومد أيادي الشر والاستعمار البغيضة إليها من جديد .

تجدر الإشارة إلى أنه في الوقت الحالي طغى تيار العولمة ونمط الحياة المعاصر على كل نواحي الحياة وتدخل في كل تفاصيلها وامتد هذا التأثير ليطال دول العالم الثالث ومن ضمنها بقاع الوطن العربي؛ فاندثر الزي التقليدي لمناطق الشام وفلسطين وحواضر مصر إلا في البرامج والمسلسلات التاريخية تقريبا، مع تفاوت في الالتزام بهذا الزي التقليدي في النواحي والجهات الأخرى وخاصة بين شريحة الشباب، وبشكل عام فإنه مازال متمسكا به إلى حد كبير في الأوساط المتدينة وفي الوظائف الدينية والمناسبات الاجتماعية والأعياد والاحتفالات الوطنية .

www.islamweb.net