الصحافة الورقية والإلكترونية.. إشكالية الإحلال والتغيير

05/04/2015| إسلام ويب

مع بزوغ شمس العالم الرقمي وذيوع الإنترنت بدأت الكثير من مجريات الأمور يطالها التغيير، سواء على صعيد الاتصالات ومصادر المعلومات وحركات التجارة المحلية والعالمية، بل وحتى عالم الجريمة.. بدأنا نسمع عن تكنولوجيا المعلومات والموسوعات الرقمية والكتب الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي والهاكرز والقرصنة الإلكترونية وعولمة الجريمة.. ولم يسلم الإعلام من موجة التغيير، فمع السماء الإعلامية المفتوحة التي تجول بها مئات الأقمار الصناعية الإخبارية، تواجد وبكثافة العالم الرقمي المتمثل في الإنترنت وما أضافته من تغيير جذري في عمل وطريقة عرض المنظومة الإعلامية.

الصحافة تخضع للتغيير
على صعيد الصحافة - ومنذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي- أخذت طبيعة المنافسة بين الصحف الورقية منحى إضافيا حيث ظهرت المنافسة مع الصحف الإلكترونية، وتعبر صحيفه (هيلزنبورج دجبلاد) السويديه أول صحيفة إلكترونية في العالم والتي نشرت في عام 1990م، وفي عام 1993م أطلقت صحيفة (سان جوزيه ميركوري) الأمريكية نسختها الإلكترونية، تلاها تدشين صحيفتي (ديلي تليجراف والتايمز) البريطانيتين لنُسختهما الإلكترونية عام 1994م، وفي عام 1994 أيضا أنشات شيكاغو أونلاين أول صحيفة الكترونيه علي شبكه أمريكا أونلاين، أما عربيا فكانت صحيفة (الشرق الاوسط) أول صحيفة الكترونيه عام 1995 ثم صحيفة (النهار) اللبنانية في عام 1996، وتُعد صحيفة (إيلاف) التي صدرت في لندن عام 2001م أول صحيفة إلكترونية عربية.

وتوالت الإصدارات الصحفية الالكترونية تباعا، ومع تزايد أعداد مستخدمي الإنترنت بدأ يضمحل عدد قراء الصحف الورقية حتى بات الأمر مؤخرا يمثل تهديدا جسيما لمستقبل الصحافة الورقية، خاصة مع التميز الإضافي للصحيفة الالكترونية عن مثيلاتها الورقية بما تحويه من تقنيات عرض النصوص والرسوم والفديوهات الحية، وبعض الميزات التفاعلية. بل لقد تجاوز غزو الصحف الإلكترونية كافة الخطوط الحمراء، وصار بالفعل غزوا يهدد صرح الصحافة الورقية العتيق حيث أعلنت صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) عن إيقاف نسختها الورقية نهائيًّا بعد انخفاضها إلى 200 ألف نسخة، والاكتفاء بنسختها الإلكترونية التي يتجاوز زوَّارها المليون قارئ، أما صحيفة (اللوموند الفرنسية) فوصلت إلى حافَة الإفلاس؛ حيث وصلت ديونها إلى 150 مليون يورو العام الماضي، في حين تحقق نسختها الإلكترونية نجاحات متواصلة بين الشعوب الناطقة بالفرنسية، ولولا دخل الإعلانات المرتفع لبعض الصحف الورقية لتوقفت بدورها.

وطالت الخسائر الماليّة عشرين من أصل خمسين صحيفة أميركية رائدة. وبسبب الخسائر اضطرّت صحيفة (نيوزويك) الأسبوعيّة إلى إيقاف نسختها الورقيّة في ديسمبر 2012م، بعد ثمانين عاما من تأسيسها، وتراجعت مستويات انتشار الصحيفة من 4 ملايين نسخة في 2003م إلى 1.5 مليون نسخة في 2010م، في حين شهدت عائداتها الإعلانيّة انهيارا أكبر، ما حثّ (واشنطن بوست) على بيع الصحيفة الأسبوعيّة لرجل الأعمال الأميركي "سيدني هارمان" في عام 2010م، مقابل مبلغ رمزيّ قدره دولارا واحدا، فدمجها هذا الأخير في إصداره الإلكتروني (ديلي بيست).

مستقبل واعد
يرى المراقبون أن مستقبل الصحافة الإلكترونية واعدا وتيارها جارفا خاصة مع قلة التكلفة التي يتحملها القراء، حيث تمكنهم الإنترنت من جولات مجانية في كافة الصحف المفضلة في حرية وسهولة تامة لا تتوفر في الصحف الورقية، فضلا عن التحديث المستمر كل ساعة للصحف الالكترونية مما يجعلها مواكبة للحدث ومتميزة فيما يعرف بـ «السبق الصحفي»، وتلك ميزة لا تتوفر في نظيرتها الورقية التي تعتمد على التحديث اليومي مع صدور كل عدد، بل إن هذا التحديث الالكتروني المتجدد على مدار الساعة يمكن القائمين على تحرير الجريدة من تعديل خطأ ما أو تصحيح معلومة أو إضافة توضيح أو غيرة من لوازم المواكبة الإخبارية.

لقد صار المصطلح الإعلامي «حصاد اليوم الإخباري» مصطلحا قاتما عتيقا في ظل التحديث الآني للخبر، حتى أن المتصفح قد يطالع للخبر الواحد أكثر من عنوانا متسلسلا خلال بضعة دقائق الأمر الذي يمكنه من تقييم الحدث ومواكبة تطوره ومعايشته له لحظة بلحظة.

ومما يضيف من فاعلية وحيوية الصحف الإلكترونية مساحة الحرية الفضفاضة المتاحة لها والذي يشمل المادة التحريرية وتعليقات القراء أيضا الأمر الذي يزيد من جاذبيتها وتفاعل القراء معها، على عكس الصحف الورقية التي تبدو وكأنها آلة صماء صممت لتلقي القارئ فحسب دون أي مردود شخصي منه سوى آراء يحتفظ بها لنفسه.

والثراء الذي تتمتع به الصحافة الإلكترونية مبهر وجاذب للقارئ بشكل لافت لإمكانية تضمين الخبر صور عديدة أو مقاطع صوتية أو لقطات فيديو مصورة؛ مما يجعل التغطية أكثر تفاعلية للقارئ وتعايشًا مع الحدث.

أما سهولة التصفح واسترجاع الأخبار فيوفرها أرشيف صحفي ضخم يُتيح الحصول على المعلومات بسهولة ويُسر من خلال محركات البحث، هذا فضلا عن عدم حاجة المؤسسات الصحفية الإلكترونية إلى تكاليف الطباعة والورق والتراخيص الرسمية والمقر الموحد والثابت الذي يحوي كل الكوادر العاملة، فالصحف الإلكترونية اليوم يعمل أغلبها عن طريق المراسلة الإلكترونية من منسوبيها سواء فريق التحرير أو الهواة أو حتى القراء أنفسهم من مختلف أرجاء المعمورة مع تنوع جنسياتهم وثقافتهم.

تحديات جسام
ليس طريق الصحافة الإلكترونية مفروشا بالورود، بل يكتنفه تحديات جسيمة تتمثل في ضعف موارد التمويل، لكن مستقبل الإعلان على النت يبشر بكثير من الخير، وربما يمثل مستقبلا رافدا مهما لتدعيم مسيرة تلك الصحافة الواعدة.

أيضا غياب الرقابة على هذه الصحف يطعن في مصداقيتها بعض الشيء، حيث بات العديد من هذه الصحف مصدر للشائعات والأخبار الجذابة العارية من الصحة، كذلك تفتقر أغلب هذه الصحف إلى المهنية الرصينة وهيئة التحرير المدربة وشبكة المراسلين الجيدة، وصار عملها مجرد استنساخ من الصحف المحلية والعالمية ووكالات الأنباء، لذلك يمثل ضحالة المحتوى ضربة موجعة للصحافة الإلكترونية خاصة مع غياب التشريعات والقوانين واللوائح المنظمة لعملها.

إن الصحافة الورقية تواجه بالفعل أزمة في مواجهة طوفان إلكتروني هادر، في ظاهرة يصفها أحد المحللين بأنها حالة مضطربة متنازعة بين «قديم» لم يمت بَعد و«جديد» لم يبصر النور. لذلك سعي أساطين الصحافة وخبراؤها إلى محاولات لبث الروح من جديد في الصحافة الورقية وإنعاش دورها ولكن بتخصصية أكثر ومهنية أعمق، حيث يرون أنه لا مجال للمنافسة في وتيرة تسارع الأخبار، وإحالة المواكبة الخبرية إلى الموقع الإلكتروني للصحيفة الورقية، واقتصار الصحف الورقية على ميزات شديدة الخصوصية كالتحليلات العميقة لكبار الكتاب، والمقالات الرصينة لجهابذة المختصين، والحوارات والتحقيقات الشيقة لفريق التحرير المدرب.

لا أمل في انعاش الصحف الورقية إلا بفريق عمل عالي التخصص في مجالات مختلفة يستبق وقوع الحادثة برصد المؤشرات إليها وترجيح مآلات الحوادث سواء كانت اجتماعية أو انفعالية أو اقتصادية أو ثقافية أو سياسية.. وأثرها البالغ الذي يؤذن بتغيير أو منعطف أو بقاء الأمور على حالها.

وعلى خلاف متصفحي الإنترنت الذين ينتقلون من عنوان لآخر، توجه الصحيفة القارئ وتجنبه تضييع الوقت وتحفزه على الاطلاع المعمق على موضوع قد يبدو لأول وهلة في عصر السرعة الرقمية أنه غير مهم.

كما ينبغي أن تتحرر الصحيفة الورقية من سلطة المال ورجال الأعمال «الصحافة الموجهة»، لأن بعض الصحف الورقية وقعت في هذا المستنقع وفقدت مصداقيتها حين كرست سياستها لتدعيم توجهات فئة معينة ومصالح شخصية، الأمر الذي طال شفافيتها وحياديتها ومصداقيتها، وبالتالي فقدت عشاق الحرية الفكرية الذين وجدوا ضالتهم في الصحف الإلكترونية بما تتمتع به من مساحة حرية كبيرة وتفاعليه جيدة مع القراء.
 

www.islamweb.net