حارثة بن سراقة من شهداء بدر

09/10/2016| إسلام ويب

شهِد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة للفئة المؤمنة التي شهدت غزوة بدر بالفضل، وبإخلاص نياتهم في الجهاد في سبيل الله، قال الله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}(آل عمران:13). وعن معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر ـ قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة) رواه البخاري. قال ابن القيم: "فسُعُود الأيام ونحوسها: إنما هو لسعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الرب، ونحوس الأعمال إنما هو بمخالفتها لما جاءت به الرسل، واليوم الواحد يكون يوم سعدٍ لطائفة ونحس لطائفة، كما كان يوم بدر، يوم سعدٍ للمؤمنين، ويوم نحس على الكافرين".

وقدِ استشهد من المسلمين في غزوة بدر أربعة عشر ـ ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ـ كما ذكر ابن هشام وغيره في السيرة النبوية وهم: عبيدة بن الحارث، وعمير بن أبي وقاص، وعمير بن الحمام، وسعد بن خيثمة، وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة، ومبشر بن عبد المنذر، وعاقل بن البكير الليثي، ومهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وصفوان بن بيضاء الفهري، ويزيد بن الحارث الأنصاري، ورافع بن المعلى، وحارثة بن سراقة الأنصاري، وعوف ومعوذ ابنا العفراء وكان سنهما أربع عشرة سنة.

وحارثة بن سراقة رضي الله عنه كان حينئذ غلاماً صغيراً، قال ابن سعد وابن عبد البر: "هو حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري، أمه الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْر عَمَّة أنس بن مالك، شهد بدراً، وقتل يومئذ شهيداً، قتله حبان بن العرقة بسهم وهو يشرب من الحوض، وكان خرج نظاراً يوم بدر (ممن يشاهدون القتال على مرتفع من الأرض ولا يشاركون فيه)، ورماه فأصاب حنجرته فقتله، وهو أول قتيل قُتِل ببدر من الأنصار".

وقصة استشهاد حارثة رضي الله عنه يرويها البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ ـ وهي أُمُّ حارثة بن سُراقَة ـ أتتِ النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا نَبيَّ الله، ألا تُحدِّثُني عن حارثة ـ وكان قُتِلَ يوم بَدرٍ، أصابَهُ سهمٌ غَرْب (لا يعرف من أَي جهة رُمِيَ به) فإن كان في الجنة صَبَرتُ، وإنْ كان غير ذلك، اجتَهَدتُ عليه في البكاء؟ قال صلى الله عليه وسلم: يا أُمَّ حارثة إنها جِنانٌ في الجنَّة، وإنَّ ابنَكِ أصاب الفِردَوسَ الأعْلَى). وفي رواية أخرى: (أن حارثة بن سراقة قُتِل يوم بدر، وكان في النَّظَّارَة، أصابه سهم طائش فقتله، فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله! أخبرني عن حارثة؟ فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرينّ الله ما أصنع- تعني من النياحة -، وكانت لم تُحَرّم بعد!! فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: أوَ هبلتِ؟ إنّها جنان ثمان، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى).
قال ابن حجر في الفتح: "كان ذلك قبل تحريم النوح، فلا دلالة فيه (أي على جواز النوح)، فإن تحريمه كان عقب غزوة أحد وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر .. قول أم حارثة: (فإن كان في الجنة صبرت) أي: يسليني عنه علمي بشرف مصيره"، وقال القسطلاني قوله صلى الله عليه وسلم: "(أَوَ هبلتِ) للاستفهام أبكِ جنون؟! أما لكِ عقل؟! أو فقدتِ عقلك مما أصابك من الثكل بابنك حتى جهلت صفة الجنة، (أوَ جنة واحدة هي) بفتح الهمزة للاستفهام والواو للعطف، إنها جنان كثيرة في الجنة، (وإنه) أي ابنك حارثة في جنة الفردوس وهي أفضلها".

حِرْص الصغار على الخروج في غزوة بدر:

في " سِيَّر أعلام النبلاء " للذهبي: عن عامر بن سعد عن أبيه قال: "ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن أبي وقاص عن بدر، استصغره، فبكى عمير، فأجازه، فعقدت عليه حمالة سيفه، ولقد شهدت بدراً وما في وجهي شعرة واحدة أمسحها بيدي". وأخرج ابن سعد عن الواقديّ من رواية أبي بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه، قال: "رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى اللَّه عليه وسلّم فيستصغرني فيردّني، وأنا أحبّ الخروج، لعل اللَّه أن يرزقني الشهادة، قال: فعُرِض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستصغره فردّه، فبكى فأجازه، فكان سعد يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره، فقُتِل وهو ابن ست عشرة سنة". وفي غزوة بدر كذلك قُتِلَ أبو جهل فرعون هذه الأمة على يد غلامين صغيرين: معاذ بن الجموح ومعاذ بن عفراء، ففي حديث البخاري قال عبد الرحمن بن عوف: (فابتدراه (معاذ بن الجموح ومعاذ بن عفراء) بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال صلى الله عليه وسلم: كلاكما قتله).

وكذلك حارثة بن سراقة رضي الله عنه كان صغيراً، وكان نظَّاراً - يشاهد المعركة، ولم يشارك في القتال-، ثم نزل للشرب من البئر فأصابه سهم طائش لا يُعرف من أي جهة جاء فقتله، ومع ذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمه أنه في الفردوس الأعلى من الجنة فقال لها: (يا أمَّ حارثة إنها جِنانٌ في الجنَّة، وإنَّ ابنَكِ أصاب الفِردَوسَ الأعْلَى)، فإذا كان هذا جزاء النظّارة الذين اختطفتهم سهام طائشة، فكيف بمن جاهد وقاتل وخاض إلى المنايا الغمرات الصعاب؟!.. وقد استراحت أم حارثة رضي الله عنها، وتقبلت أمر موت ابنها الشاب الصغير بصبرٍ واحتساب، بل بسعادة، لما أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن ابنها في الفردوس الأعلى، لأن من يحب أحداً يحب له الخير، ولا خير ولا أحسن ولا أفضل من الجنة.

كل من اشترك في غزوة بدر له دوره ومنزلته، ودرجته وفضله، وحسبهم أن الله رفع ذكرهم وغفر ذنبهم، فمنهم من أكرمه الله بالشهادة ففاز بخيري الدنيا والآخرة، ومنهم من طال به العمر فما غيَّر ولا بدَّل، وصدق الله العظيم إذ يقول: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}(الأحزاب:23).

www.islamweb.net