حتى يغيروا ما بأنفسهم

14/02/2018| إسلام ويب

إن لله تعالى سننا في الكون، وفي المجتمعات، وفي حركة التاريخ.. وهذه السنن تعمل بإحكام متناه، وانتظام تام، وهي لا تتبدل ولا تتغير، كما أنها لا تحابي أحدا على أحد، ولا أمة على أمة؛ إذ هي نظام في الكون وضعه الله بانتظام هائل وإحكام تام، وعلم مطلق.

وهذه السنن تجعل من يفهمها يستطيع أن يفسر الأحداث ويفهم التحولات فهما دقيقا، ويتوقع حدوثها من خلال مقدماتها التي يعيشها ويدركها

واجبنا نحو السنن
ولهذا كان من واجبنا نحو هذه السنن أمور إذا أردنا أن ننتفع بها:
1 . السعي لاكتشافها ومعرفتها والتدبر في طريقة عملها.

2. تفسير الأحداث من خلالها: فلو وعى الناس سنن الله في التاريخ والأمم والمجتمعات، وربطوها بالواقع الذي يعيشونه لانفتحت لهم آفاق الفهم واتضحت لهم الرؤية.

3. الرؤية المستقبلية للأحداث: فمن خلال السنن ومعرفة طريقة عملها يمكن أن نتوقع العواقب من خلال الأسباب.

4. أن نستثمر هذه السنن وأن نستفيد منها، ونحن نتطلع إلى التغيير في مجتمعاتنا.

سنة التغيير
ومن هذه السنن التي وضعها الله في خلقه وبين عباده، سنة التغيير، والحديث عنها مبثوث ومنتشر في آيات القرآن الكريم، وفي سنة النبي الأمين، وقد ورد ذكر التغيير مباشرة في كتاب الله تعالى في آيتين:
الأولى: في سورة الأنفال، بعد أن ذكر الله قوم فرعون وما فعل بهم قال: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وأن الله سميع عليم}[الأنفال: 53].
والثانية: في سورة الرعد: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له}.

وفي الآيتين نوعان من التغيير: تغيير من القوم لما بأنفسهم... ثم تغيير من الله لما بالقوم.

والملاحظ في الآيتين أن تغيير الله لما بالناس، يأتي بعد أن يغير الناس ما بأنفسهم.. سواء كان بالخير أو بالشر.
يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: "وطبقاً لهذا القانون الإلهي نجد أن تغير الناس من الإيمان إلى الكفر لابد أن يقابله تغيير من نعمة الله عليهم، وإلا لأصبح منهج الله بلا قيمة".
ويقول أيضا: "وما دام الإنسان قد غير، لابد أن يغير الحق النعمة إلى نقمة، ومن رحمته سبحانه أنه شاء أن يكون الإنسان هو البادئ، فالحق سبحانه منزّه أن يكون ظالما أو بادئا بالعقوبة، بل بدأ الإنسان بظلم نفسه. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[الأنفال: 53].

ويقول الإمام ابن جرير الطبري عند تفسير هذه الآية أيضا: "يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره: إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ مِنْ عَافِيَة وَنِعْمَة فَيُزِيل ذَلِكَ عَنْهُمْ وَيُهْلِكهُمْ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ: بِظُلْمِ بَعْضهمْ بَعْضًا، وَاعْتِدَاء بَعْضهمْ عَلَى بَعْض، فَتَحِلّ بِهِمْ حِينَئِذٍ عُقُوبَته وَتَغْيِيره.

و أخرج ابن أبي حاتم أثرا عن إبراهيم قال : أوحى اللّه إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة اللّه فيتحولون منها إلى معصية اللّه إلا حوّل اللّه عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب اللّه: {إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}

والحديث عن التغيير في الآيتين له دلالتان:
الأولى: أن التغيير يبدأ من الناس أولا، ثم يغير الله ما بهم. كما سبق ، وعلى رواد الإصلاح ودعاة التغيير أن يفهموا ويفقهوا هذه السنة حتى لا تذهب جهودهم أدراج الرياح.

والثانية: أن الآيتين أيضا وردتا بصيغة الجمع "لا يغير ما بقوم حتى يغيروا". فلن يكون تغيير حقيقي إلا إذا غلب الأمر على أنفس المجموع، أو على جل الناس، أو على الأقل قطعة معتبرة تتكاتف وتتعاون لتغيير ما بحالها لتستحق نصر الله ففي الحديث الشريف [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك].

.. ويمكننا أن نزيد على ذلك أن التغيير لابد أن يكون حقيقيا، لا مجرد ادعاء في الظاهر دون دواخل النفوس، وفي هذا يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: "إذن لابد أن يدخل الإنسان إلى الإيمان، وأن يكون هذا الإيمان متغلغلاً في أعماقك، وليس أمراً ظاهريا فقط، فلا تدَّع الإصلاح وأنت تفسد، ولا تدع الشرف والأمانة وأنت تسرق، ولا تدع العدل وأنت تظلم الفقير وتحابي الغني؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لا يعطي نعمه الظاهرة والباطنة إلا لمن يتبعون منهجه. وإذا رأيت قوماً عمّ فيهم الفساد فاعلم أن نفوسهم لم تتغير رغم أنهم يتظاهرون باتباع المنهج الإلهي.

حقائق حول التغيير
وهذا الذي ذكرته الآيتان حول التغيير يقودنا إلى:
ـ أننا مسؤولون عن هذا الواقع الذي نعيشه، بمعنى أن الأمة إنما أوتيت من داخلها، {قل هو من عند أنفسكم}.

ـ لن يتم التغيير إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا من جهل وتخلف وأمية وتمزق وحروب وفساد وظلم، وبعد عن منهج الله.

ـ كل تغير في الأرض يسبقه تغيير في نفوس الناس، فيعمل الناس وفق ما في نفوسهم فيحصل التغيير إما للأحسن أو للأسوأ.

ـ التغيير ممكن، وإن ظن البعض أنه لا فائدة، أو أن الواقع يفرض نفسه. بل هذا الواقع يمكن تغييره حين يريد الناس، وحين يغيروا ما بأنفسهم.

ـ اليأس من التغيير هو استسلام للواقع أو تسويغ لما فيه، وهذا جريمة؛ لأنه تسويغ للانحراف، وحجر عثرة أمام كل إصلاح، وتسويغ الجرائم إنما هو جريمة أشد من جريمة القاعدين الناكثين.

ـ خطأ يقع فيه الكثير وهو أنهم ينتظرون البطل القادم الذي سيحل مشاكل المسلمين، وإن بقوا على ما هم عليه.
وغاية الخشونة
أن تندبوا: قم يا صلاح الدين قم...
دعوا صلاح الدين في مرقده.. واحترموا سكونه
فإنه لو قام بيننا.. حقا ستقتلونه

فالبطل هذا لابد أن يقوم معه الناس ويكون له أعوان وظهير منهم؛ يقول سبحانه عن موسى و هو رسول من أولي العزم من الرسل : { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا و بين القوم الفاسقين}.

وفي الختام نقول:
من أراد أن يبدل الله حاله إلى ما يحب، فعليه أن يغير نفسه ليكون لله على ما يحب.

الكل يحسن الكلام عن التغيير ولكن قليلون هم الذين يبدؤون بتغيير أنفسهم قبل دعوة الآخرين للتغيير.

إن التحدي الحقيقي هو أن تغير نفسك قبل أن تطلب من الآخرين تغيير أنفسهم، فتصبح الشخص الذي يريده الله.

نقول للمنشغلين بالتنظير للتغيير، الغارقين في التحليلات والتوقعات، فكروا في تغيير أنفسكم فإن هذا هو التغيير الأهم والأكبر.

ونقول لليائسين المحبطين: أيها اليائسون من التغيير لا تيأسوا، فإن فأرا دمر سدا فأغرق قرية، وبعوضة قتلت عاتيا متمردا قويا، وطائرا أنقذ شعبا من الكفر، وطيرا أبابيل حطمت جيش أصحاب الفيل. فلا تحقرن ضعيفا فربما أتى التغيير من طريقه.

نحن نحتاج إلى شجاعة لكي نغير ما يمكن تغييره، ونحتاج إلى صبر لكي نثبت و نتحمل ما لا يمكن تغييره، ونحتاج إلى حكمة لنعرف الفرق ما بين الإثنين.

بسم الله الرحمن الرحيم: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[الأنفال: 53]. صدق الله العظيم.
 

www.islamweb.net