مقاومة الدعوة

27/03/2018| إسلام ويب

كانت الدعوة للإسلام دعوة علمية قائمة على مخاطبة العقل ومحاكمة العقائد إليه، وموجهة إلى الفطرة، ومبنية على مقاضاة الآداب والأخلاق إليها، وحينما أدركت قريش أنها إذا تركت الدعوة تسير نحو مخاطبة العقل – بدون مقاومة فإنها لا محالة تقضي على ما لها من دين باطل، وما ببلادها من عادات وتقاليد موروثة، وأنها سوف تنتهي في أقرب وقت بتثبيت دعائم الدين الجديد ونشره في طول البلاد وعرضها.

أدركت قريش ذلك فعمدت إلى مقاومة تشابه في كثير من الوجوه ما تعمد إليه الحكومات المنظمة اليوم في مقاومة كل دعوة يخشى منها على كيانها السياسي. فقد ذكر ابن هشام في سيرته أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم (موسم الحج). فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا. فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيًا نقل به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع.
قالوا: نقول كاهن! قال: والله ما هو بكاهن. لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه.
قالوا: فنقول مجنون! قال: فما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا وسوسته.
قالوا: نقول شاعر! قال: فما هو بشاعر، لقد: عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر .
قالوا: فنقول ساحر! قال: ما هو بساحر. لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم.
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟
فقال: إن لقوله لحلاوة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا هو ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، بين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته.

فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره. وقد أنزل الله في الوليد بن المغيرة وفي قصته هذه قوَله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا ۖ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ}.

قال ابن إسحاق: فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس. وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها. اه.

أرادت قريش أن تضع في آذان العرب أمر النبي على خلاف ما هو عليه وان تصور دعوته في نفوسها بما يصرف قلوبها عنه، فنظمت دعايتها وحصرت رأيها، وأطالت تفكيرها فيما ينبغي أن تصور به الدعوة الإسلامية أمام العرب في موسم الحج، فأسفر تفكيرها بعد البحث والتشاور على أن تحضر نفرًا يصلحون للنشر والإذاعة وعندهم القدرة الكافية للقيام بتلك المهمة، فجلسوا في الطرقات يذيعون عن النبي أنه ساحر جاء بقول يقطع به بين ذوي الأرحام والأقارب والأسر من الروابط العلاقات، قول مفسد لنظام الحياة، ومبيد للعلاقات البشرية، وماحٍ لنظم العمران، وهذا نهاية التشنيع، وآخر ما وصلت إليه الأنظمة الحديثة اليوم هو تقبيح دعوة خصومها بتلوين دعوتهم بغير لونها الطبيعي، وتصويرها على غير صورتها الحقيقية، ثم إذاعة ذلك ونشره بأعم وسائل النشر وأسرع طرق الإذاعة.

وقد عملت قريش مثل هذا العمل فلونت الدعوة الإسلامية أمام العرب بغير لونها وأعطتها غير صورتها، وأذاعت ذلك في موسم الحج إذاعة منظمة جعلت نشر الفكرة عامًا بين القبائل ومذاعًا لدى العرب كافة، وكانت العرب تدين لقريش بالزعامة الدينية فكان لتصويرها الدعوة الإسلامية أمام العرب على غير صورتها الحقيقية تأثير آخر فوق تأثير الدعاية، هو أن هذا التصوير صادر من الزعامة الدينية في بلاد العرب ومن أهل الحل والعقد في ذلك الشأن.

صورة أخرى للمقاومة
وذكر ابن هشام أيضًا أن أبا جهل (رأس المقاومة في رجال من قريش) كان إذا سمع بالرجل قد أسلم وله شرف ومنعة أنَّبه وخزاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك! لنسفِّهن حلمك، ولنقيلن رأيك، ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرًا قال: والله لنكسدن تجارتك؛ وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به". اه

إن هذه المقاومة العملية المنظمة الدقيقة كفيلة بأن تنيل صاحبها أكبر قسط من النجاح لو أن الدعوة التي تريد مقاومتها كانت من عمل البشر ومن صنع بني آدم، بيد أن الدعوة تعتمد على القرآن وهو هداية من الله ونور، أنزله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.

إنها دعوة جاءت إلى الناس تريد لهم الحياة في عقائدهم والحياة في أخلاقهم والحياة في معايشهم، تريد لهم السعادة في الدنيا والنعيم في الآخرة. إرادة نزيهة ودعوة بريئة من الغلو ومن التفريط ومن ضعف البشرية يتمثل فيها حب الخير للناس واضحًا جليًا، فمتى خلصت إلى العقل ورضي بهادينًا ومتى وصلت إلى الفطرة أنست بها ورضيتها شريعة. من أجل ذلك فشلت كل مقاومة وضعت في سبيله وخاب كل أم أريد به وقف نجاحه عند حد أو تعطيل سيره ساعة من نهار.

عرفت قريش بما لها من ذكاء وفكر أن مقاومتها لهذا الدين لا تقضي عليه بحال؛ لأنه نور وهداية، ومحال أن يتغلب الضلال على الهدى ـ وخاصة إذا كان له دعاة خلصوا له واستماتوا في سبيل نصرته ـ وإن أقصى ما تستطيعه وقف سيره قليلا من الزمن، وإن ذلك معقود بصرف الناس عن استماع القرآن؛ لأنهم إن تركوه يصل إلى القلوب فقد ضاعت كل حيلة لمقاومته وخاب كل سعي في وقف سيره. وقد ورد في سورة السجدة: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}(السجدة:26).
ولعل في لغة العرب لا تأتي في مقام الجزم بالغلبة واليقين، وإنما تأتي في مقام الرجاء والأمل، والرجاء يصاحبه الشك والغلبة مشكوك فيها، من أجل ذلك قلنا: إن قريشًا كانت تدرك ألا سبيل لمقاومة القرآن، وإن أقصى ما تستطيع هو صرف الناس عن استماعه...

عتبة بن ربيعة:
قال ابن هشام: إن عتبة بن ربيعة - وكان سيدًا في قومه ـ قال يومًا، وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه أو أعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون. قالوا: بلى يا ابا الوليد اذهب إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، إنك من حيث قد علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم وسّفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكّفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع.
قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تريد به شرفًا سودناك حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا.

حتى إذا فرغ عتبة ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاستمع مني. قال: أفعل. قال: بسم الله الرحمن الرحيم. {حم. تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ...} ومضى رسول الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهمًا يسمع منه.. ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.

فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي إني سمعت قولا واللهِ ما سمعتُ مثله قط. والله ما هو بالشعر ولا هو بالسحر ولا بالكهانة. يا معشر قريش أطيعوني وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزِلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعتُ منه نبأ". اه.

من هنا يتبين لك أن قريشًا كانت تريد أن تحول بين القرآن وبين استماع العرب له لعلمها بأنه متى وصل إلى آذان العرب فهمته في الحال وخلعت ما لديها من دين وتقاليد وعادات وأفكار وتصورات، وتقبلْته قبولا حسنا وآمنت به إيمانًا صادقًا ثم نصرته وأيدته واستماتت في سبيل نصرته.

علم رؤساء المقاومة من قريش أن الرجل منهم لا يكاد يسمع القرآن حتى يتزلزل معتقده الأول ويتداعى للانهيار ديُنه القديم، فعملوا على وضع أفكار وتصورات في أذهان العرب تشوه جمال الدعوة الإسلامية وتنفر الناس منها وتبغِّضهم فيها؛ فاستنجدوا بعواطف البغض والكره والنفور من العقيدة الجديدة، واستغاثوا بتلك الميول التي ينطفئ عندها نور العقل وتعمل عملها وهي مستدبرة للمنطق وتنتج آثارها وهي في بعد ومجانبة للدليل.

عجزوا عن مقاومة الدعوة الإسلامية بالحجة فلم يستطيعوا نقدها لأنها موجهة للعقل ومتحاكمة إلى الدليل وهم لا يستطيعون أن ينقضوا عقيدة من عقائدها أو يبطلوا وصية من وصاياها أو يجادلوا في تعليم من تعاليمها، وكذلك لم يستطيعوا أن ينصروا وثنيتهم وما هم عليه من تقاليد وعادات بالأدلة العقلية، بل عجزوا عن كل ذلك وقصروا مقاومتهم على أن يجعلوا العرب تنظر إلى الدعوة الإسلامية بعين البغض والغضب والنفور...

القرآن القرآن
وإن لنا لعبرة في سير الدعوة الإسلامية وفي مبدئها وفي نشوئها، فإذا كان القرآن هو أساس الدعوة وأن العرب كانت تنقاد له إذا سمعته وأنه هو الذي تولى الدعوة، وكانت على يديه الهداية وأن إلى فهمه يرجع الأمر كله في الهداية والإرشاد، فما بال المسلمين اليوم قد أهملوه وتركوا الاستهداء به؟

إن تاريخ الدعوة الإسلامية يرشد إلى أن نجاح المسلمين معقود بالرجوع إلى القرآن واعتباره هداية عامة ونورًا يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وقانوناً أساسيًا للحياة في الدنيا والآخرة.

أنقذ القرآن العرب من وثنية ومن همجية إلى التوحيد والمدنية، وجعلهم ملوك الأرض وسادة العالم لأنهم فهموه، فكان إيمانهم عن فهم، وعملوا به وطبقوه على شئون الدين والدنيا.

إن مجد المسلمين موقوف على إعادة النظر في موقفهم حيال القرآن، فإن أعدوا نفوسهم لفهمه وسلموا نفوسهم لتعاليمه سعدوا كما سعد أسلافهم، وعزوا كما عز السابقون {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }(النور:55). 

 

www.islamweb.net