أسرة إبراهيم.. وقضية الحكمة والتسليم

28/08/2019| إسلام ويب

ونحن ما زلنا نعيش نفحات الحج ونسماته، ونستنشق عبيره، ونسمع ونردد أهازيجه، ونستلهم منه الدروس والعبر، لا ينبغي لنا أن نجهل أو نغفل أو ننسى أن رحلة الحج وفريضة الحج ـ في عمومها ـ إنما هي تخليد لذكرى إبراهيم عليه السلام وأسرته المباركة، حيث التضحية والفداء، والبذل والعطاء، والتسليم والوفاء.

فلقد ابتليت هذه الأسرة في شخوصها وأفرادها ـ فردا فردا، إبراهيم وسارة وهاجر وإسماعيل ـ ابتلاءات وامتحانات تئن من حملها الجبال الرواسي، ولا تثبت أمامها الصم الصلاب.

فإبراهيم عليه السلام رأس هذه الأسرة وإمامها وقدوتها، ابتلاه ربه بكلمات عظيمة واختبره بأوامر ونواه كثيرة ومحن هائلة:
ابتلاه بدعوة قومه ـ عبدة الأصنام والأوثان ـ ومحاجتهم، فدعاهم وحاجهم في الله، فأقام عليهم الحجة وألقمهم الحجر، فكان الابتلاء بالإلقاء في النار فصبر، فلما نجاه ربه العظيم بقدرته منها، أخرجوه فابتلي بالهجرة ومفارقة وطنه وبلده ففعل.

ثم ابتلاه الله بالملك الظالم مع سارة عندما أراد هذا اللعين منها ما أراد، فأنجاها الله برحمته وحفظه لأوليائه، فنجت ونجا وظفرت برضا الله وظفر.

ثم ابتلاه الله بمحاجة الطاغية العنيد مدعي الألهية النمرود بن كنعان ففعل، وحج الظالم حتى بهت الذي كفر.

ثم ابتلاه الله في زوجه هاجر وولدها الوحيد، فأمره بأخذها ورضيعها الصغير و إلقائهما في مهالك الصحاري المقفرة، بواد غير زرع ولا ماء، ولا أنيس ولا جليس، في أرض مسبعة ذات هوام ووحوش، فأذعن وأطاع.

ثم ابتلاه بالبلاء الذي وصفه سبحانه بأنه "البلاء المبين"، أن يذبح ولده بعد أن بلغ معه السعي، وهو الذي جاءه بعد أن بلغ من الكبر عتيا.. فما نطق ولا اعترض بل سلم لأمر الله ونفذ وفعل ما أمر.

فوفى صلى الله عليه وسلم لله في كل هذه المحن، وقام بكلمات الله على أكمل وجه وأتمه وأحسنه؛ فكان جسده للنيران، وولده للقربان، وماله للضيفان، وقلبه وروحه وكله للرحمن.. حتى شهد الله له بالإتمام، ووصفه بالكمال والإحسان فقال: {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}، وقال: {وإبراهيم الذي وفى}.

وكما وفى إبراهيم وسلم تمام التسليم، وفت زوجته وسلمت لما رأت نفسها وحيدة في الصحراء المهلكة مع صغير رضيع ينتظرون الموت مع كل لحظة وفي كل حين.. فما سألت عن حكمة مثل هذا، ولا قالت: بيّن لنا الهدف والغاية والمراد حتى يسهل علينا الأمر، أو يهدأ القلب أو يستريح الصدر.. بل قالت قول المؤمنة البرة الراضية بكل تسليم ورضى: "آلله أمرك بهذا؟ فلما قال نعم.. قالت بكل أريحية ويقين وثقة: إذا لن يضيعنا".

وكذلك وفَّى الصبي الحليم، صاحب القلب الرشيد والرأي السديد، فلما قال له أبوه: {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى}؟ ما قال إنه منام، ولعل وربما.. ولا قال كبرت سنك يا أبي فتثبت. ولا قال: ولم وما الحكمة وماذا يعود على الله من وراء قتل صغير بغير ذنب ولا علة، وهو الغني الحميد. وإنما قال كما قال أبواه: {يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين}.

التسليم سمة الأسرة
لقد كان التسليم لله وطاعة أمه هي سمة أهل هذا البيت المباركين، وصفته البارزة التي طغت على كل صفة وغمرت كل خلق وفضيلة.. وبها رفعهم الله جميعا إلى أعلى عليين، فأعلى ذكرهم في العالمين، ورفع قدرهم في عليين ويوم الدين. {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين . إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين}.

إننا نحتاج وبشدة لأن نحيي هذه الصفة "صفة التسليم لأمر الله" ـ خصوصا في هذا الزمان الذي كثر فيه المتفلسفة والمتنطعون، والزنادقة والمشككون، وصرنا نعيش لوثة فكرية، وردة علنية ممن يسمون بالحداثيين والمستنيرين والعلمانيين. ونعيش في الوقت ذاته دعوة عملية بإعادة الفكر الاعتزالي وتحكيم العقل على أوامر الشرع، فما وفق العقل منها قبلناه، وما عارضه رددناه وتركناه..

وأي عقل سنقبل رأيه والعقول متفاوتة، والفهوم متباينة، والعلوم المكتسبة غير متساوية، ثم الأهواء والقلوب التي تتلاعب بأصحابها؟
ومتى كان العقل يناقض الشرع، والعقل خلق الله والشرع أمر الله.. فكيف يتعارض خلقه مع أمره {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}؟.

إن التسليم لله تعالى نوع عبودية، وقد قال بعض العلماء الكبار إنه عبودية العقل.. يبتلى الناس به ليعلم من يتبع أمر الله ويعبد الله ممن يعبد عقله وهواه.

الأحكام قسمان:
إن علماء الإسلام يقسمون أوامر الشرع وأحكامه إلى قسمين:
أوامر يسمونها معقولة المعنى: وهي التي يمكن بالنظر أن يعرفوا عللها ويستخرجوا ويستنبطوا حكمتها.

وأوامر غير معقولة المعنى: أي التي لا يعرفون لها علَّة ولا تظهر لهم من ورائها حكمة ظاهرة، وهذه يطلقون عليها لفظ الأحكام التعبدية؛ أي أنها تفعل على سبيل التعبد والاستسلام ولا دخل للعقل فيها.
وهذا القسم من الأحكام لا تكاد توجد فريضة من فرائض الدين إلا وفيها منه نصيب، وله فيها جانب. فالصلاة في عدد ركعاتها، والزكاة في مقادير أنصبائها، والصيام في وقته من فجر الأيام إلى غروب شمسها، ثم يتجلى في الحج في الطواف بالكعبة وهي حجارة، والوقوف نهار عرفات في الصحراء، وفي المبيت بمزدلفة في العراء، ثم رجم الحجارة بالحجارة.. فمن لم ينظر إلى التسليم لله في كل ما أمر قاده عقله السقيم إلى أن يقول مثلما قال صاحبه الأول:
وما حجى لأ حجــــار وبيت .. .. كؤوس الخمر تشرب في ذراها
إذا رجــع الحــليم إلى حـجاه .. .. تنكــر للشــرائــــع وازدرهــــا

وهذا ما قاله بعض المفتونين في زمننا هذا فقال: إن فريضة الحج عبارة عن وثنية مقنعة".

وأما أهل التسليم والرضا بالشرع القويم فيقولون مثلما قال عمر رضي الله عنه حين كان يقبل الحجر ويقول: "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك".
وهذا الذي فعله عمر رضي الله عنه هو التطبيق الحقيقي لمعنى الإسلام، فإن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له ولرسوله بالطاعة، والخلوص من الشرك.
والسلامة كل السلامة في التسليم، فلا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام.

عاقبة التسليم
لقد كانت عاقبة التسليم من إبراهيم وأسرته هي العاقبة المحمودة في الدنيا والآخرة، فقد انهالت عليهم المنح والنعم وأنواع التكريم، وكأن الله تعالى يقول له: إنك لما سملت إلينا انهالت عليك عطايانا، وأتاك منا منحنا وتحفنا وهدايانا.
فكان من عاقبة تسليمهم أن أعزهم الله، ورفع قدرهم، وأعلى شأنهم، وجعل لهم لسان الصدق في حياتهم وبعد مماتهم، واختار الله إبراهيم وابنه لبناء بيته المحرم، ووهب لسارة إسحاق ويعقوب، وجعل ذريته كلها أنبياء وأصفياء، واتخذه الله خليلا، وجعله قدوة للعالمين: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم}، بل وقدوة لخاتم الأنبياء وسيد المرسلين: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}(النحل:120ـ123).

فمن أراد الرفعة والنجاة، في الدنيا وبعد الوفاة، فليلزم قلبه التسليم لأمر الله {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء:65).

www.islamweb.net