حدث في مثل هذا الأسبوع (22 -28 محرم)

24/09/2019| إسلام ويب

وفاة الدكتور مصطفى سعيد الخن 23 محرم 1429هـ(2008م):
الدكتور مصطفى سعيد الخن عالم وفقيه شامي كبير وهو شيخ علم أصول الفقه في بلاد الشام حصل على الدكتوراه من جامعة الأزهر في أصول الفقه وهو من مؤسسي كلية الشريعة بدمشق عام 1955م وكان من مدرسيها الأول، كما درّس في العديد من الجامعات العربية.
كان له دور في نهضة علم أصول الفقه من خلال تدريسه ومؤلفاته التي بارك الله فيها فانتفع بها طلبة العلم في كل مكان وما يزالون.
كان رحمه الله معطاء في علمه، حكيماً في توجيهاته، مسدداً في رأيه، معتدلا في أقواله وأحكامه.
نشأته وسيرته العلمية:
اسمه: مصطفى بن سعيد بن محمود الخن، الشافعي، الميداني، الدمشقي.
ولد سنة 1341هـ الموافق 1922م بدمشق في حي الميدان من أسرة دمشقية عريقة، كان لها منذ عهود العمادة والمرجعية في الميدان كله.
نشأ الشيخ مصطفى الخن في كنف والديه في جو أسري يسوده الصفاء والهيبة والاحترام، ولما بلغ الثامنة ألحقه والده بالكتاب، ثم ألحقه بمدرسة الجمعية الغراء الابتدائية فلازمها سنة كاملة، ثم انتقل بعدها إلى المدرسة الرسمية في الميدان التي كانت تسمى أنموذج الميدان ولكنه لم يكمل تحصيله ودراسته فيها إذ انتقل وهو صغير إلى مجالس طلب العلم الشرعي.

ففي عام (1350هـ -1931م) اكتشف شيخه محمد زرزور علائم النجابة والأهلية عند مصطفى الخن، الذي كان أحد التلاميذ المنتسبين إلى مكتبه لتعلم القرآن والخط والحساب؛ فاصطحبه شيخه إلى دروس الشيخ حسن حبنكة الذي أسس في جامع "منْجك" عملا علميّاً متكاملا، يشمل تعليم الكبار -من التجار وأصحاب الحرف- مساء بعد صلاة العشاء، وتقتصر الدروس فيه على قراءة الفقه والحديث والنحو.
وتعليم الشباب المنقطعين لطلب العلم صباحاً، من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، ويقرأ هؤلاء على الشيوخ كتباً متخصّصة في الفقه والحديث، والتفسير والنحو، ومن هؤلاء الشيوخ الشيخ حسين خطّاب، والشيخ محمد خير ياسين، والشيخ علي الحموي القابوني، والشيخ سعد الغلاييني، والشيخ محمد الحموي الفرا، والشيخ محمد صادق حبنّكة، والشيخ عبد الرحمن حبنّكة.
فالتحق الشيخ الخن بالقسم المسائي، وأعجب به شيخه حسين خطاب لما لمس عنده من مخايل الحفظ والذكاء، ونقل إعجابه إلى الشيخ حسن، فأوصى به خيرًا.

ولم تمض مدة حتى حبب إلى التلميذ النجيب طلب العلم، فقرر الانتقال إلى القسم الصباحي، وغدا طالبًا مجدًّا نشيطًا، متعلمًا في الصباح، ومعلمًا في المساء، ثم انتقل  للتدريس في مدرسة الناشئة التابعة لمعهد التوحيد الإسلامي فأسهم الجمع بين مهمتي التعلم والتعليم في صنع الشخصية العلمية للشيخ مصطفى الخن، وكان لتوجيه الشيخ حسن حبنكة الأبوي التربوي أثر كبير في التناغم والتآلف والتكامل بين المهمتين.
لقد شارك الشيخ مصطفى في مختلف العلوم الشرعية، ولكنه تخصص في النهاية وتميز بعلم أصول الفقه، وبعلوم العربية.
ومن مشايخه غير ما ذكر الشيخ أبي الخير الميداني، والشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ علي الدقر، والشيخ إبراهيم الغلاييني رحمهم الله جميعًا.

إلى الأزهر
وفي مطلع عام (1369هـ -1949م) وصل الشيخ مصطفى الخن إلى القاهرة وأراد الانتساب لجامعة الأزهر فأجرى له اختبار قبول ، فقبل في السنة الثالثة من كلية الشريعة لتفوقه العلمي، لأن القانون لا يسمح إلا بتجاوز سنتين من الدراسة، ثم حصل على الليسانس بتقدير ممتاز 1952 م.
وقد تعرف الشيخ على عميد كلية الشريعة د. عيسى منون، ود. عبد الله موسى، ود. مصطفى عبد الخالق، وأخيه د. عبد الغني عبد الخالق، وأفاد منهم كثيرًا في تخصصه، كما تزود بثقافة إسلامية عالمية، ومنهجية واضحة الطريق والهدف، ومسلك تربوي رصين الفكرة والتطبيق.

حياته العملية

رجع الشيخ مصطفى إلى دمشق، وتقدّم بأوراقه الثبوتية إلى وزارة التربية، فعين مرساً لمادة التربية الإسلامية، في منطقة (الباب) من محافظة حلب.
وفي دمشق عين مدرساً في دار المعلمين والمعلمات، وانتدب لتدريس بعض المواد في كلية الشريعة من جامعة دمشق بعد إنشائها كأستاذ محاضر من عام (1375 - 1382هـ) = (1955 - 1962م) وكان هو أحد مؤسسيها وأركانها، فدرّس مصطلح الحديث، والأصول، والفقه المقارن.
ولم يقتصر النشاط العلمي في وزارة التربية على الأداء الوظيفي المتميز في السنوات الدراسية العديدة، والتي تخرج فيها على يد الشيخ أجيال من الطلاب والطالبات، بل تعدى ذلك إلى المشاركة في وضع مناهج التعليم الشرعي، للثانويات الشرعية التابعة لوزارة الأوقاف، ويشتمل ذلك على المرحلتين الإعدادية والثانوية.
ثم أعير إلى المملكة العربية السعودية، ولمدة أربع سنوات مدرساً في كلية الشريعة وكلية اللغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

الدكتوراه والتدريس في الجامعة
أصدر الأزهر الشريف قرارأ يقضي بالسماح لخريجي الكليات الأزهرية الذين أمضوا في التدريس الجامعي أكثر من خمس سنوات، أن يتقدموا بتسجيل رسالة (أطروحة) الدكتوراه مباشرة، فأسرع الشيخ مصطفى الخن وسجّل موضوع (أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء) بإشراف الأستاذ الدكتور الشيخ مصطفى عبد الخالق، ونال شهادة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عام ( 1391 هـ - 1971 م).
ثم عين بعدها مدرسًا ورئيسًا لقسم العقائد والأديان في كلية الشريعة بدمشق، بالإضافة إلى تعيينه مدرسًا في كلية التربية بجامعة دمشق، وبقي في الجامعة حتى سنة (1404 هـ = 1983م)، وأسهم إذ ذاك في تأليف الكتب الجامعية منها: التفسير العام، وفقه المعاملات، ومبادئ العقيدة الإسلامية.

وبعد إحالته إلى التقاعد سافر الشيخ إلى المملكة العربية السعودية للمرة الثانية، فعمل مدرسًا في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم عين أستاذًا في كلية التربية للبنات، وعضوًا في المجلس العلمي لجامعة الإمام، وبقي حتى عام (1413هـ =1992م)، وأشرف في هذه المدة على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه.
وعاد الحنين بالشيخ إلى دمشق مجددًا؛ ليصبح بيته مقصد طلاب العلم ومحبيه.
وفي عام 1414هـ الموافق 1993م درس بقسم الدراسات العليا التابع لجامعة أم درمان بدمشق، ومركزه مجمع أبي النور التعليمي، كما تولى رئاسة قسم التخصص بكلية الشريعة، التابع لمعهد الفتح الإسلامي، وتدريس مادة أصول الفقه لطلاب السنوات الثلاث في الكلية.
وشهدت غرفته الخاصة في جامع الدقاق تاريخًا حافلًا بنشاط علمي حافل، كما كانت تحتوي على مكتبة زاخرة بأمهات الكتب، ومن روادها: الشيخ عبدالعزيز الرفاعي، د. محمد سعيد رمضان البوطي، د. محمد الصباغ، الأستاذ محمود المارديني، ود. موفق دعبول.

مؤلفاته

بدأ الشيخ مصطفى الخن الكتابة في وقت مبكر، فكان إنتاجه وافرًا، وكانت مؤلفاته تتميز بوضوح الأسلوب وفصاحة الكلمات واتساق العبارات وإيراد الأدلة والشواهد في مواضعها من غير إكثار ولا تكلف لذا كتب لها القبول والانتشار، وكان صدره يتسع للمشاركة مع غيره من الأقلام، تأليفًا وتحقيقًا، وكان من مؤلفاته ما هو خاص به ومنها ما هو مشترك مع غيره من العلماء.
فمن مؤلفاته الخاصة به:
1- أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء(رسالة الدكتوراه) وقد طبعته مؤسسة الرسالة، عام (1392 ـ1972) وصدرت منه أكثر من سبع طبعات، وقد حظي الكتاب بإعجاب أهل العلم من المتخصصين في الفقه الإسلامي، ثم صار كتاباً مقرراً لهذه المادة يرجع إليه كثير من كبار أساتذة الدراسات العليا.
2- عبد الله بن عباس - حبر الأمة وترجمان القرآن، صدرت الطبعة الأولى عام (1398ـ 1978) عن دار القلم بدمشق.
3- دراسة تاريخية للفقه وأصوله والاتجاهات التي ظهرت فيهما، صدرت الطبعة الأولى عام (1404ـ1984)..
4- الحسن بن يسار البصري - الحكيم الواعظ الزاهد العالم، صدرت الطبعة الأولى عام (1416ـ1995) عن دار القلم بدمشق.
5- الأدلة التشريعية وموقف الفقهاء من الاحتجاج بها، صدرت الطبعة الأولى عام (1417ـ1997) عن مؤسسة الرسالة بدمشق.
5- أبحاث حول أصول الفقه الإسلامي، تاريخه وتطوره، صدرت الطبعة الأولى عام (1420ـ2000) عن دار الكلم الطيب بدمشق.
6- الكافي الوافي في أصول الفقه الإسلامي، صدرت الطبعة الأولى عام (1421 ـ2000) عن مؤسسة الرسالة، ويحتوي هذا الكتاب على معظم موضوعات علم أصول الفقه التي كانت تدرس للسنوات الثلاث من كلية الشريعة قسم التخصص التابع لمعهد الفتح الإسلامي.
المؤلَّفات المشتركة:
1 - نزهة المتَّقين شرح رياض الصَّالحين من كلام سيِّد المرسلين، وقد شارك بالتَّأليف: الدكتور مصطفى البغا، والدكتور محيي الدين مستو، والأستاذ علي الشربجي، والأستاذ محمد أمين لطفي، وصدرت الطبعة الأولى عام (1397ـ1977) عن مؤسسة الرسالة، وقد طبع أكثر من خمسة وثلاثين طبعة.
2 - الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي، وقد شارك بالتَّأليف: الدكتور مصطفى البغا، والأستاذ علي الشربجي، وصدرت طبعته الأولى عن دار القلم عام 1414.
3 - العقيدة الإسلامية: أركانها- حقائقها- مفسداتها، وقد شارك بالتَّأليف: الدكتور محيي الدين مستو، وصدرت طبعته الأولى عام (1417) عن دار الكلم الطيب بدمشق.
4 - الإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح، وقد شارك بالتَّأليف: الدكتور بديع اللحام، وصدرت الطبعة الأولى عام (1419) عن دار الكلم الطيب بدمشق.
التَّحقيقات الخاصَّة:
1. (المنهل الراوي من تقريب النواوي) للإمام الفقيه المحدث أبي زكريا النووي الدمشقي. صدر عن دار الملاح بدمشق في 314 صفحة.
2. (تسهيل الحصول على قواعد الأصول) للعلامة محمد أمين سويد المتوفى سنة 1355. وصدرت الطبعة الأولى عام (1412) عن دار القلم بدمشق.
التَّحقيقات المشتركة:
1. (حُسْن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة) لمحمد صديق القَنُّوجي البخاري المتوفى سنة 1307هـ. بالاشتراك مع الأستاذ محيي الدين مستو. صدرت الطبعة الأولى عام (1398ـ1978) عن مؤسسة الرسالة.
2. (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) للإمام الشوكاني. بالاشتراك مع الأستاذ محيي الدين مستو.
3. (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) للبيضاوي. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو، والدكتور بديع السيد اللحام.
4. (المنهاج القويم في مسائل التَّعليم) لابن حجر الهيتمي المتوفى سنة 934. بالاشتراك مع الأستاذ محيي الدين مستو، والأستاذ علي الشربجي. وفي هذه الطبعة إعواز كبير، وقد صدر الكتاب بعد ذلك محققاً مصححاً عن دار المنهاج بجدة
وفاته
توفي الشيخ عن عمر ناهز 88 عاما أمضاها في طلب العلم والتعليم والتأليف والنصح للمسلمين، وكان ذلك يوم الجمعة 23 من المحرم 1429هـ، الموافق 1 فبراير 2008م، في جامع العلامة الشيخ حسن حبنكة الميداني، وخطيب الجامع الشيخ كريم راجح يخطب على المنبر، ليكون الذكر الحكيم آخرَ ما يطرق سمعه في دنياه، وأنعم بها من خاتمة ونهاية تكون في أحب بقاع الأرض إلى الله (المسجد) وأشرف الأوقات (يوم الجمعة) وهو في طاعة، وإنا لنرجو للشيخ أن يُبعث يوم القيامة ذاكرًا لله مخبتًا خاشعًا وأن يتقبله سبحانه في الصالحين وأن يعلي مقامه في عليين.

www.islamweb.net