
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
يا من ترجون رحمة الله وتخشون عذابه، لا تأمنوا الغفلة، ولا تركنوا إلى طول الأمل، فإن الغفلة إذا استولت على القلب أطفأت نوره وأمرضته، وأبعدته عن طاعة ربه وأغرقته في الذنوب والمعاصي، فلا يخشع عند سماع آياته، ولا يعتبر بما يراه من أحداث وعِبر تتوالى في الحياة كل يوم.. وقد حذّرنا الله تعالى من الغفلة فقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ}(الحشر:19)، وقال سبحانه: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}(الأنبياء:1)، فالغفلة داءٌ خطير، إذا تمكن من القلب جعله قاسياً لا يتأثر بالموعظة، ولا يعتبر بما يرى من آيات وأحداث، ولا بما يشاهد من موتٍ يتخطف الناس والأحبة والأقارب في كل يوم..
ألا ترون يا عباد الله: كيف يُصرَع الناس بالأسقام والأمراض التي لا ينفع معها طبيب ولا دواء؟ ألا تشاهدون الجنائز تُحْمَل، والقبور تُفتح والناس يُوارَون التراب؟ ألا ترون الموت لا يفرق بين صغير وكبير، ولا بين صحيح ومريض؟ ألا ترون موت الفجأة ينزل بلا مقدمات ولا إنذار؟! قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}(آل عمران:185)، وقال سبحانه: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}(لقمان:34)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا مِن ذكرِ هادمِ اللذاتِ) رواه الترمذي.
فكيف لا نعتبر؟ ولماذا لا نرجع إلى الله بتوبةً صادقةً ونحن نرى أو نعلم بحال مُحْتضِرٍ قبيل موته، وهو يُقلب بصره في أهله وأولاده، ينظر إليهم نظرة وداع، وهم ينظرون إليه عاجزين عن إنقاذه، لا يملكون له شيئاً، قال الله تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَا تُبْصِرُونَ}(الواقعة:83-85)، وقال سبحانه: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}(ق:19).
إنها لحظات عصيبة، سكرات الموت وشدائده، حين يتتابع النفس، ويختل نبض القلب، ويتعطل السمع والبصر، ويحل الأجل، وتفيض الروح إلى بارئها، وتنتهي الحياة، ثم يسارَع بالغسل والكفن ليُحمل الميت إلى قبره، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا وُضِعَتِ الجِنازةُ، واحتَمَلَها الرِّجالُ على أعناقِهم، فإن كانَت صالِحةً قالت: قدِّموني، وإن كانَت غيرَ صالِحةٍ قالت: يا ويلَها أينَ يَذهَبونَ بها؟ يَسمَعُ صَوتَها كُلُّ شيءٍ إلَّا الإنسانَ، ولو سَمِعَه صَعِقَ) رواه البخاري.
فما أعظمها من لحظة، وما أشده من موقف، حين يواجه الإنسان ما قدمت يداه، إن كان مطيعاً لله وجد رحمة الله فقال: قدموني، قدموني، وإن كان عاصياً نادى: يا ويلتاه! يا ويلتاه! من الحساب والعذاب، ومن الصلاة التي أضاعها، ومن الأموال التي جمعها من الحرام، ومن الجوارح التي أطلقها فيما يغضب الله..
فلا تأمنوا الغفلة، ولا تركنوا إلى الدنيا، فإنها دار ممر لا دار مقر، واعملوا ليومٍ تُعرضون فيه على الله لا تخفى منكم خافية، قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ)[الحاقة:18)..
أيها المؤمنون: لا تغفلوا عن طاعة ربكم، وأعدوا للسؤال جواباً صواباً، فإنكم غداً بين يدي الله موقوفون، وعن أعمالكم محاسبون، وأمامكم مقام عظيم، وسؤال جليل في القبر ويوم القيامة، قال الله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(الحجر:93:92).
فلا تأمنوا على أنفسكم من الغفلة والنسيان، والبعد عن الله الواحد الديان، وحاسبوا أنفسكم قبل أن يداهمكم الندم على ما مضى وفات حين لا ينفع الندم، حاسبوا أنفسكم قبل نزول ملك الموت، وقبل أن يتغير الجسد وتذهب الزينة والجمال، قبل أن ننظر ونسمع ولا نستطيع الكلام والعمل، يوم يتركنا الأهل والأولاد والأحباب، ويُفارقنا كل ما سعينا إليه وحرصنا عليه، فلا يبقى معنا إلا ما قدمناه من طاعة أو معصية، ومن خير أو شر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يتبَعُ المَيِّتَ ثَلاثةٌ، فيَرجِعُ اثنانِ ويَبقى معهُ واحِدٌ: يَتبَعُه أهلُه ومالُه وعَمَلُه، فيَرجِعُ أهلُه ومالُه، ويَبقى عَمَلُه) رواه البخاري. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسكم قبل أن تُوزَنوا"، وقال الفُضيل بن عياض لرجل: "كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، فقال له الفُضيل: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ، فاعلم أنك مسؤول، وأعد للمسألة جواباً، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: تُحسن فيما بقي، يُغفر لك ما قد مضى".
فيا عبد الله: أعد للسؤال جواباً صواباً، وتذكر إذا جاءك منكر ونكير في قبرك، فيسألانك: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟..
فالمؤمن الطائع الموفَّق يجيب فيقولُ: (ربِّيَ اللَّهُ، فيقولانِ: ما دينُكَ؟ فيقولُ: دينيَ الإسلامُ، فيقولانِ لَهُ: ما هذا الرَّجلُ الَّذي بُعِثَ فيكم؟ قالَ: فيقولُ: هوَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، فيقولانِ: وما يُدريكَ؟ فيقولُ: قرأتُ كتابَ اللَّهِ فآمنتُ بِهِ وصدَّقتُ، فينادي منادٍ منَ السَّماءِ: أن قَد صدقَ عَبدي، فأفرِشوهُ منَ الجنَّةِ، وافتَحوا لَهُ بابًا إلى الجنَّةِ، وألبسوهُ منَ الجنَّةِ.. وإنَّ الْكافرَ تعادُ روحُهُ في جسدِهِ، وياتيهِ ملَكانِ فيُجلسانِهِ فيقولانِ: من ربُّكَ؟ فيقولُ: هاهْ هاهْ هاهْ، لا أدري، فيقولانِ لَهُ: ما دينُكَ؟ فيقولُ: هاهْ هاهْ، لا أدري، فيقولانِ: ما هذا الرَّجلُ الَّذي بُعِثَ فيكُم؟ فيقولُ: هاهْ هاهْ، لا أدري، فُينادي منادٍ منَ السَّماءِ: أن كذَبَ، فأفرشوهُ منَ النَّارِ، وألبِسوهُ منَ النَّارِ، وافتَحوا لَهُ بابًا إلى النَّارِ قالَ: فيأتيهِ من حرِّها وسمومِها، ويضيَّقُ عليْهِ قبرُهُ حتَّى تختلِفَ فيهِ أضلاعُهُ) رواه أبو داود.
أعد للسؤال جواباً حين تقف أمام الله عز وجل يوم العرض والحساب، قال صلى الله عليه وسلم: (ما مِنكم مِن أحَدٍ إلَّا سيُكَلِّمُه رَبُّه، ليس بينَه وبينَه تُرجُمانٌ، ولا حِجابٌ يَحجُبُه) رواه البخاري.
فاتقوا الله عباد الله، واعتبروا وتزودوا للرحيل، فإنه يأتي بغتة دون سابق إنذار، واعتبروا بمن جاءتهم المنية من الشيوخ والكهول، والشباب والأطفال، والأغنياء والفقراء، قال الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ}(الأعراف:34).
فلنبادر ونسارع إلى الرجوع إلى الله قبل أن يأتينا الموت، فلا ينفعنا حينها مال وولد، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(الجمعة:8). ولنأخذ من دنيانا لآخرتنا، ومن صحتنا لمرضنا، ومن حياتنا لموتنا، ولنسارع إلى التوبة، قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(النور:31). وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَهُ وعملَ لما بعدَ الموتِ، والعاجِزُ مَن أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنَّى على اللهِ الأماني) رواه الترمذي.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
لقد غلبت الغفلة على كثير من الناس، وشغلتهم الدنيا بزخرفها وشهواتها، وألهتهم الأموال والأولاد، حتى كأنهم لا يعلمون أنهم سيموتون ويلحقون بمن سبقهم، فاتقوا الله حق التقوى، وتوبوا إليه توبة نصوحاً، فإن التوبة تجبّ ما قبلها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ لهُ) رواه ابن ماجه، وعودوا إلى ربكم رجوعاً صادقاً، ولازموا طاعته في كل وقت وحين، وحافظوا على الصلاة فإنها عمود الدين، وأدّوا الزكاة فهي طُهرة للأموال ونماء للبركة، وأكثروا من ذكر الله والاستغفار، وأحيوا قلوبكم بالقرآن تلاوةً وتدبّراً وعملاً، واحرصوا على برّ الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران، والصدق في الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وإغاثة الملهوف، وكفالة اليتيم، والإنفاق في سبيل الله، والرحمة بالضعفاء..
وابتعدوا عن معصية الله صغيرها وكبيرها، وإياكم والمجاهرة بالذنوب والاستهانة بالمحرمات، ومن أعظمها التهاون بالصلاة، وهي التي لم تُسقط عن المجاهدين في ساحات القتال، فكيف بمن يجلس في بيته أو عمله أو أمام شاشته؟! فليتق الله من ضيّعها، وليعلم أن النعم إذا قوبلت بالمعاصي كانت سبباً في زوالها..
وما دمنا أحياء في هذه الدنيا، فإن أبواب الطاعات مفتوحة، وسبل الخير كثيرة، والفرص متاحة، فمن اغتنمها سعد وفاز، ومن فرّط فيها ندم وخسر، قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}(البقرة:281)، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"..
فلا تركنوا إلى الدنيا وزينتها، ولا تغفلوا عن طاعة ربكم، واعتبروا بما ترونه من آيات الله الباهرة، وبما تشهدونه من المواقف والأحداث التي تتوالى في حياتكم، واتعظوا بالموت الذي يقطع الآجال ويفني الأعمار، واعتبروا بمن مضى قبلكم، فإنهم كانوا مثلكم في قوةٍ وصحةٍ ومالٍ وجاه، ثم صاروا إلى التراب، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.. واعلموا أن العاقل حقاً هو من دان نفسه وحاسبها، وأخذ من أيامه زاداً ليوم معاده، أما الشقي فهو من غفل عن ذلك، فلم يعتبر إلا بسوء حاله عند نزول الموت وحلول الحساب..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..